في
السبت 26 مايو 2012

الأخبار
ثقافة
العرب لن يحققوا انتصارا سياسيا إلا إذا أتقنوا صناعة الخطاب
العرب لن يحققوا انتصارا سياسيا إلا إذا أتقنوا صناعة الخطاب
العرب لن يحققوا انتصارا سياسيا إلا إذا أتقنوا صناعة الخطاب
07-17-2007 12:43 PM
المسدي في كتابه 'السياسة وسلطة اللغة':

العرب لن يحققوا انتصارا سياسيا إلا إذا أتقنوا صناعة الخطاب



العرب لن يحققوا انتصارا سياسيا ما لم يتقنوا صناعة الخطاب، وتفكيكه هكذا يؤكد الكاتب التونسي البارز عبدالسلام المسدي في كتابه 'السياسة وسلطة اللغة'، الذي صدر اخيرا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، فيرى ان للغة وزنا مهما في صناعة الفعل السياسي او توجيهه، مشيرا الى ان السياسة واللغة قرينتان متلازمتان، وحيثما رأيت الواحدة بدت لك الأخرى، وليس من قول في السياسة الا خلفه فعل سياسي، وما من فعل سياسي الا وهو ينتج بالضرورة خطابا، كأن الفعل في السياسة هو الذي يجر اللغة اليه جرا، فهي ابد الدهر محكومة به، ولكن الوضع قد تغير وتوشك الادوار ان تنقلب، والسبب ان سياسة امور الناس داخل الاوطان قد كانت هي الاصل وهي المبتدأ، وتأتي بعدها سياسة الروابط بين الوطن وسائر الاوطان في الارض المعمورة، ثم حصل الانقلاب على مدار العقود، فأصبحت سياسة الوطن محكومة بشبكة العلاقات المعقدة القائمة بينه وبين سائر الاوطان.
وبسبب هذا التلازم والتطورات والتحولات التي صاحبته، يتابع المؤلف اقوال الساسة واهل السياسة، كاشفا عما وراءها من فعل سياسي انتج هذا الخطاب بالذات دون غيره، مستشهدا بمئات الامثلة دوليا وعربيا، وفاضحا المضمر خلفها ودلائلها القريبة والبعيدة، وهو ما يتبدى بوضوح صارخ في الفصل الحادي عشر الذي حمل عنوان 'بلاغة السمع وفصاحة الهجاء'، والذي يتضمن مواجهات حادة بين الساسة العرب كان مسرحها مداولات جامعة الدول العربية.
تناقض كبير
وفي كتابه، يضع د. عبدالسلام المسدي يده على التناقض الكبير بين السلطة السياسية وسلطة اللغة التي تستخدمها لتضليل مواطنيها، فاللغة - كما جاء في كتابه - ايحاء يستخدمها السياسي مدركا قوتها في تثبيت سلطته، وتغييب مراميها عن المواطن العادي المحكوم بالسياسي، فيتعمق غيابه عن الفعل، وتزداد غيبوبته عن أفاعيل السياسي، ويتعمق انفصاله عن واقعه، وعما يجري حوله، ذلك ان اللغة سلطة في ذاتها اما السياسة فهي سلطة بذاتها ولذاتها.
فأما اللغة، فالإنسان يفعل بها الفعل على الناس، وكثيرا ما لا يملكون وعيا بسلطتها ولا بخطرها، واما السياسة فأصحابها لا يتصورون انفسهم الا وهم يفعلون الافعال بالناس على الناس، وبعضهم يمارس اللغة وهو واع بقوتها، اذ تشد ازر سلطته، وبعضهم لا يعي ان وزن سلطانه بوزن سلطة اللغة، وفي مسافة بين هؤلاء واولئك تزدهر الحياة او يخبو وهجها.
ود. المسدي استاذ اللسانيات في الجامعة التونسية وعضو المجامع العلمية للغة العربية في كل من تونس ودمشق وطرابلس وبغداد، وعمل من قبل وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي في تونس، وسفيرا لبلاده لدى جامعة الدول العربية، وهو قبل هذا وبعده مهتم بالعلوم اللغوية والنقد الادبي وتحليل الخطاب السياسي، له العديد من المؤلفات، منها: 'التفكير اللساني في الحضارة العربية'، و'اللسانيات وأسسها المعرفية'، و'قضايا في العلم اللغوي'، و'ما وراء اللغة'، و'مباحث تأسيسية في اللسانيات'، و'الأسلوبية والأسلوب'، و'النقد والحداثة'، و'مراجع النقد الحديث'، و'قضية البنيوية'، و'مساءلات في الأدب واللغة'، و'في آليات النقد الأدبي'، و'بين النص وصاحبه'.
سياسي ولغوي
ومن هنا يكون هو الأقدر على الفرز في الخلط الذي يقع بين السياسي واللغوي وتوضيح كيف ان السياسي يخبث احيانا فيستخدم اللغة ليمرر مقاصده بين مواطنيه، وهم غائبون في أغلب الأحيان عن إدراك مرامي اللغة التي هي حمالة أوجه.
وينقسم الكتاب إلى أحد عشر فصلا، كل فصل يحلل جانبا من جوانب علاقة السياسة بسلطة اللغة مثل دلالة الألفاظ وامتحان السياسة، واسماء الحروب ومقاصد السياسة، والسياسة وبلاغة التسمية، كاشفا عن دلالات الكثير من الوقائع والأحداث والألفاظ والأسماء عربيا ودوليا وتأثيرها في مجريات الواقع السياسي العالمي والمحلي، حيث ان السياسة هي السلطة الحاضرة واللغة هي السلطة الغائبة، والذين يصوغون الأحلام الإنسانية يرون أن العالم كان يمكن ان يكون اسعد لو ان السياسة قلصت من حضورها في وعي اصحابها وان اللغة قلصت من غيابها عن جمهور الناس المحكومين.
ويؤكد المسدي ان العرب لن يفيدوا كثيرا من امتلاك السلاح، ولا من الانفراد بالثروة، ولا من التطلع الى توظيف الطاقة الذرية سلميا، ما لم يمتلكوا سلاح الخطاب، لن يحقق العرب انتصارا سياسيا في الساحة الدولية إلا اذا أتقنوا صناعة االخطاب وتمرسوا بآليات تفكيك الخطاب وتفوقوا في مهارات توضيب الخطاب، فبلاغة الخطاب شيء يعرفه العرب وينتشون به، وفصاحة الخطاب شيء يدركه العرب لكنهم لا يقدرون عليه الا بالارتياض العسير، اما صناعة الخطاب فشيء آخر يعثرون عليه بالمصادفة ويقفون حياله مشدودين بالاعجاب، فمنهم من يوفق فيه عند الأوان ومنهم من لا يستبصره الا بعد فوات الآوان.
ان اللغة سلطة كثيرا ما تندس داخل نسيج السياسة حتى تكاد تحتكر لباب الفعل والقرار، وكم من منعطف كانت فيه الكلمة هي الصانعة للحدث السياسي وهي الراسمة لمعالم الموقف بكليته، ولئن كان هذا دأب اللغة مع السياسة منذ القدم فإن تطور الحياة وانفجار منظومتها قد اعادا ترتيب البيت حيث تسكن تحت سقف واحد السياسة واللغة.
محطات كبرى
ويؤكد د. المسدي انه منذ صباح التاريخ يوم بدأ الانسان يدون لمن بعده مآثره، كانت اللغة اداة اساسية من أدوات السياسة، لم تكن أهميتها تقل عن اهمية المال وأهمية الاحتماء بالعصبية، غير ان وزن اللغة في استواء امر السياسة قد تطور بتطور آليات الإنسان في تواصله مع الإنسان، ثم تضخم عندما اصبحت المعلومة ملكا مشاعا بين الحكام والمحكومين.
ان ذلك التطور الذي آل الى انتصاب اللغة داخل سلطة السياسة قد مر بمحطات كبرى، هي تلك المنعرجات التي آلت بالمعلومة الى الملك المطلق المشاع: المحطة الاولى نشأة الصحافة، والثانية ظهور البث والثالثة ظهور البث التلفزي والرابعة استحداث الانترنت.
ويرى د. المسدي انه منذ القديم كانت صناعة الخطاب هي الوجه الآخر من السياسة، وكانت الومضة اللغوية دائما على موعد مع التاريخ كي تغزل الياف الحدث الاكبر منذ قصة التحكيم التي انتهت اليها معركة صفين بين علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان حين اتفق المحكمان ابو موسى الاشعري وعمرو بن العاص على خلع موكليهما فبادر ابو موسى بخلع صاحبه علي، وقد استدرج الى الابتدار، قال عمرو ابن العاص 'لقد ثبت معاوية كما ثبت خاتمي هذا في يدي' وراحت الصياغة التعبيرية تدوي بصورتها البلاغية عبر ارجاء الزمن لتكون اللغة شاهدا على صنع التاريخ.
.. وللألقاب سحرها
ويضرب د. المسدي العديد من الامثلة في جميع فصول كتابه سواء من السياسة الدولية او السياسة العربية وهي في الاغلب امثلة حديثة، ففي الفصل السابع المعنون ب'السياسة وبلاغة التسمية' يقول: كان لأنور السادات حس مرهف بالاسماء وكان يتوجس من ابحار الدلالات في موج المقاصد المضمرة، وكان لا يتوانى عن التدخل في ايضاح المعاني واستبدال ما يتعين الاستبدال به من الكلمات، فحين وقعت الاحداث الاجتماعية الثائرة على غلاء المعيشة عام 1977 انبرى فعل التسمية سلاحا حادا يضاف الى ضغط التظاهرات، وشاع الحديث عنها بأنها انتفاضة الفقراء، واذا بالرئيس يستغل ما تخلل تلك الاحداث من سطو على المحلات ونهب لبضائع المتاجر، واذا به يرسلها صفعة مضادة عن طريق فعل التسمية فيصيح غاضبا 'بل هي انتفاضة الحرامية'، ثم كان لغضبته تلك نتائج، قرر ان يخرج بعاصمة مصر من القاهرة وان يؤسس لها عاصمة اخرى في مكان ما من ارض الكنانة.
وللألقاب سحرها لأنها تختزل الزمن والاحداث، وقد تختزل في الاسم بحروفه المعدودة صفحات من ادبيات الفكر والجدل وربما الصراع، فالعالم الباكستاني عبدالقادر خان ألبسوه في مضمنات دلالته فخرا عظيما من جهة وبلاء ليس بعده بلاء من جهة ثانية، قالوا عنه وقد صدقوا 'ابو القنبلة الذرية الاسلامية'.

 

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 613


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
8.91/10 (66 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy