في
السبت 11 فبراير 2012

الأخبار
ثقافة
فن الرواية
فن الرواية
فن الرواية
07-11-2008 02:05 PM

تأليف: كولن ولسون

الناشر: الدار العربيّة للعلوم ناشرون

يبدو أنّ أصحاب الأنواع الأدبيّة الكتابيّة كلّها يعيشون هاجس نهاية ما يكتبون ومن أهل الرواية أيضًا من يخشى على هذا الفنّ العالميّ الرائج أن ينحسر تحت تأثير زمننا السريع الذي يصادر يومًا بعد يوم المساحات التي ينتزعها الإنسان من الوقت لقراءة أثر أدبيّ. لا شكّ أنّ العصر الطاعن في التكنولوجيا وتطوّر وسائلها وتقنيّاتها شبه الخرافيّ يدعو إلى السؤال حول الكتابة وآثارها لا سيّما اليدويّ منها والبدائي إذا صحّ التعبير، غير أنّ أحدًا لا يستطيع الجزم الآن في ما ستؤول إليه الكتابة وسائر منتجاتها لأنّ كلّ نشاط إنساني في عصرنا يحاول وبكلّ الإمكانيّات والطاقات أن يتموضع ويتأطّر داخل الإطار التكنولوجيّ حفاظًا على وجوده واستمراريّته وربّما هذا ما يجري اليوم وليس الاضمحلال والنهايات فمن خزانة الحائط ومكتبته صرنا أمام مكتبة الإنترنت على سبيل المثال...

موت الرواية

في مقدّمة «فنّ الرواية» لكولن ولسون يثير المترجم محمّد درويش واقع الرواية الراهن بحسب المؤلّف الذي يرفض ادعاء موت الرواية الآتي من «المنعطفات الخاطئة التي سلكها الروائيّون الكبار»، ويرى أنّ الروائيّين غيّروا وعي العالم المتمدّن مجتازين تأثير داروين وماركس وفرويد الذين استطاعوا تغيير وجه الحضارة الغربيّة، ويراهن على استمرار الفنّ الروائيّ فاعلاً ومؤثّرًا في المستقبل. ويركّز ولسون على أنّ الرواية مرآة الروائي بكلّ ذاتيّته وهي ترمي إلى أبعد من وصف الحقيقة وقول الصدق فالأساس يتجسّد بإدراك الروائي ماهيّة هدفه قبل كلّ شيء. ويردّ ولسون مشكلة الرواية في زمننا إلى عدم معرفة الروائي ما يريد لا من الحياة ولا من الفنّ.

البقاء للأصلح

بعد تجربة تدريب الكتابة الإبداعيّة في إحدى جامعات ولاية فرجينيا اكتشف ولسون أنّ هذه المادّة غير قابلة للتدريس ووصل إلى أنّ مبدأ الإبداع هو في أنّ البقاء يكون للأصلح ففي الصعود الصّعب إلى القمّة ينهزم الضعفاء ووحدهم الأقوياء يحقّقون الوصول ليُكرَّسوا كتّابًا بكلّ ما للكلمة من معنى. وفي وصفه لطلاّبه أعلن المعلّم الروائي أنّهم ممتازون إلى حدّ مجاراتهم للكتّاب الإنكليز الشباب بقدرتهم على التعبير عن أنفسهم غير أنّ مشكلتهم كامنة في أنّهم لا يعرفون ماهيَّة ما يكتبون رغم أنّهم ذوو كتابة جيّدة. ويفصل المعلّم الإبداعيّ بين الكتابة الإبداعيّة والتفكير الإبداعي الذي يراه الأهمّ، ويقول بعدم قدسيّة الإبداع معتبرًا إيّاه «موهبة حلّ المشكلات». ويقدّم ولسون نموذجين عن تجربة بروست وهنري جيمز حيث يرى الأوّل أن الماضي لا يغادر نفوسنا وبالحيلة سنستطيع أن نعيش ما عشناه ثانية وذلك باستحضار الماضي عبر الكتابة المفصّلة للوصول إلى الرواية العظيمة... ويفشل جيمز شأن بروست في إيجاد حلّ لمشكلته، فعلى الصعيد الفنّي لم يحقّق كتابه «رودريك هدسن» طموحه، فقد أتت البداية ممتعة ومشجّعة لكن في ما بعد أخذت الرواية بالتلاشي... ويعترف ولسون بأنّ صعوبة الرواية تجتاز بداياتها وصفحاتها الأولى ما يفقد المبتدىء في الكتابة الروائيّة حماسه ويدعوه إلى الإستسلام وما يحثّ الكاتب الخبير على المحاولة لعدم الوقوع في الفخّ. ويصل ولسون إلى أنّ السؤال الذي يواجه الكاتب الشابّ هو: من أنا؟ وماذا أبغي أن أكون؟ وليس: ماذا أكتب؟ وفي غياب الإحساس الواضح بالذات أو حضور الصورة الذاتيّة مشوّهة يكون العجز عن القيام بأيّ إنجاز ناجح. ويشير المؤلّف بعد عرض لمراحل حياة برنارد شو الروائيّة أنّ شو تعلّم أخيرًا كيف ينبع البطل الفعّال من صورة الكاتب الذاتيّة نفسه»، وعلى هذا البطل أن «يعكس صراع الكاتب نفسه وإحساسه الخاصّ بالهدف والذات».

يتعقّب ولسون تاريخ الرواية بعين شاملة على دقّة فيرصد أزمنة تحوّلها وخصبها مشيرًا إلى أعلامها قارئًا آثارهم الأدبيّة ببعد فنّي واجتماعي وإنساني وسياسيّ محاولاً رصد تأثير الرواية على المجتمع فهي الأكثر تأثيرًا بين سائر الأنواع الأدبيّة والروائي الرائد أخطر بكثير من الحكّام إيجابيّين كانوا أم سلبيّين. فالروائي يحكم قبضته على عصره حين يختصر ذاته من خلال اختصاره مجتمعه في نصّه بقراءة واعية ومركّزة للعمق الإنسانيّ فيقدّم لقارئه مادّة تثيره من أعماقه لتنتقل الرواية من مرآة لصاحبها إلى مرآة لقارئها فمرآة لمجتمعها. فها هو رشاردسن مع روايته «باملا» عام 1740 يفاجىء أمّته بمنتج أدبيّ رائع، وفرادته بأنّه قدّم مزيجًا من الجنس الواقعي والدرس الأخلاقي، ويعود فيتألّق مع تحفته الثانية «كلاريسا» التي كانت صادقة أيضًا في مخاطبة أعماق قارئها. ويشير ولسون في هذا العدد أنّ أنجح الروايات أكثرها تطلّبًا من القارىء مشاركة أعمق مشاعره. ثمّ يظهر «كليلاند» مع روايته «فاني هيل» عام 1745 لينجز خطوة نوعيّة إثر رشاردسن ويضمّن نصّه وصفًا مفصّلاً لممارسة الحبّ. ويأتي روسو ليعبّر عن أعمق الرغبات الغريزيّة لعصره مع روايته «جولي» عام 1760، وقد استطاع دعوة قارئه إلى طرح أسئلة لم يطرحها سوى بعض الفلاسفة الذين أتوا قبله. ويعلن ولسون أنّ رشاردسن علّم أوروبا كيف تحلم مستغرقة غير أنّ روسو علّمها كيف تفكّر. ومع روايته «آلام فيرتر» رأى غوته أنّ الإنسان غير محتاج إلى مجتمعه والتقى مع روسو حول عدّة مواقف إنسانيّة، بينما أتى شيلر في مسرحيّته «اللصوص» ليعلن الإحتجاج على الطغيان مصوّرًا واقع الإنسان بين الضعف والقوّة، وقد كان روسو وشيلر المسؤولين بامتياز عن الثورة الفرنسيّة بما قدّماه من مادّة فكريّة تستشرف الآتي وتطال عمق العصر وإنسانه دافعة نحو التحوّل.

الحرية

ثمّ يرصد ولسون الإنهيار الروائي ويردّه إلى أنّ الرواية منحت بعدًا جديدًا في الحريّة الإنسانيّة، ويرى أنّ الواقعيّين اتّسمت أعمالهم بالعمق والإقناع ليبدوا وكأنّهم سوف ينجحون حيث لم يوفّق الرومانسيون وتواصلت الواقعيّة حتى العام 1955 لتصير مرارة وعلقمًا، إذ ما هو النفع من عكس صورة الطبيعة في المرآة وهي المثقلة بالفوضى والضجيج واللامعنى؟!

ويلاحظ صاحب «فنّ الرواية» أن الرواية الطبيعيّة لم تحرز التقدّم الثوري الذي قال به فلوبير وزولا ويؤكّد أن تولستوي وحده استطاع من خلال روايته «الحرب والسلام» أن يرى بواسطة العدسات المتّسعة الزاوية والضيّقة الزاوية...

أمّا عن يومنا فيميّز ولسون بين الروائيّين الجادّين والروائيّين الشعبيّين، ولا ينفي الظلمة التي تحيط بآفاق الرواية الجادّة، ويستبعد أن تؤثّر الرواية على العالم في ما سيأتي من الزمن تأثيرها عليه قبل قرنين من الزمن، لكن لا سبب يحول دون ذلك التأثير أيضًا، وتبقى وظيفة الرواية الأهمّ بحسب شو «الكشف عن طريق ارتقاء البشر في المستقبل».

هامش

في الرابعة والعشرين من عمره، كتب كولن ولسون كتابه « اللامنتمي»، الذي أحدث دوياً هائلاً في بريطانيا واوروبا حين صدوره عام 1956، شهرة» اللا منتمي» غيرت كل شيء عند هذا» الصبي العبقري»، الذي كان يحلم، منذ الرابعة عشرة من عمره، أن يصبح اينشتاين آخر. أصبح صاحب» اللامنتمي» منتمياً. تزوج في التاسعة عشرة من عمره، وأصبح رائداً من رواد الحفلات الخاصة في مرابع لندن، حتي نصحه ناشره بالابتعاد عن العاصمة البريطانية، فاختار مدينة كورنويل، القريبة من لندن، التي يعيش فيها منذ خمسين سنة، مع زوجته الثانية في عزلة شبه تامة.



 

تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 581


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
9.01/10 (374 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy