في
السبت 19 أغسطس 2017

الأخبار
الجريمة والحوادث
الإعدام عندما يتحوّل إلى تعذيب
الإعدام عندما يتحوّل إلى تعذيب
09-27-2014 06:32 PM
الجريدة
احتاج إعدام كلايتون لوكيت المرعب عن طريق الحِقَن القاتلة خلال الربيع الماضي في أوكلاهوما إلى 43 دقيقة مريعة كي ينتهي. إلى جانب أساليب إعدام فاشلة أخرى، سلّطت هذه الحادثة الضوء على قلة خبرة وكفاءة الفريق الذي ينفذ عمليات إعدام كثيرة اليوم في الولايات المتحدة. التفاصيل من «شبيغل».
في 29 أبريل 2014، وصلت مركبة إلى باحة السجن في ماكاليستر، أوكلاهوما، لتقلّ كلايتون لوكيت. ركن السائق مركبته في ظل جدران السجن البيضاء. لكن سرعان ما تبين أنه سينتظر لفترة أطول مما توقع. كانت تلك المركبة عربةً للموتى.
وراء الجدار، في الساعة الخامسة إلا ثلث من بعد الظهر، أزال حراس السجن أغلال كلايتون لوكيت من يديه وساقيه وأجبروه على خلع ملابسه كي يستحم. هذا ما تنص عليه {إجراءات إعدام المجرمين المحكومين بالموت}. كانت حجرة الاستحمام تقع في جوار غرفة الإعدام: الهدف من الإجراء أن تكون عملية الإعدام {نظيفة} على جميع المستويات.




كان لوكيت يرتدي رداءً يشبه لباس الممرضين وينتعل حذاءً رياضياً، فاصطُحب إلى غرفة الإعدام في الساعة الخامسة و20 دقيقة. ثبّته خمسة رجال على نقالة بسبعة أربطة سوداء. كان يستطيع تحريك رأسه حصراً في هذه المرحلة. حين أدار رأسه نحو اليمين، تمكن من رؤية ساعة كبيرة ومستديرة: كانت الساعة 5:26 من بعد الظهر. كان إعدامه سيبدأ خلال 34 دقيقة.
يبلغ لوكيت 38 عاماً وهو محكوم بالموت منذ 13 سنة. لم يشأ أن يموت، أقله ليس بالطريقة المدونة في بروتوكول مؤلف من 25 صفحة (محاولة لتوفير إطار بيروقراطي للموت). حين ذهب لوكيت لإجراء فحص جسدي قبل 12 ساعة، في الساعة الخامسة وست دقائق فجراً، حاول الاختباء تحت بطانيته. استعمل المسؤولون في السجن مسدساً صاعقاً لإجباره على الرضوخ. في القسم الطبي، خضع لوكيت للتصوير بالأشعة السينية، مجدداً وفق متطلبات بروتوكول محدد ينص على ضرورة تصوير السجين بالأشعة السينية من رأسه حتى أخمص قدميه. يحصل التصوير بالأشعة قبل تناول الفطور. لكن لا يشرح البروتوكول ما يبرر خضوع الشخص الذي يوشك على الموت خلال بضع ساعات للتصوير بالأشعة السينية. ثم فُحصت عروق لوكيت. يجد المسؤولون أحياناً صعوبة في إيجاد العرق المناسب، لا سيما إذا كان السجين المحكوم من أصحاب الوزن الزائد أو من مستخدمي الأدوية التي تُحقَن داخل الوريد، لكن لم يكن لوكيت يأخذ أي أدوية بل كان مفتول العضلات ويمارس الرياضة يومياً. في ذلك الصباح، أشارت نتائج الفحص إلى أن عروقه في حالة جيدة ويسهل اختراقها.
كان من المقرر أن يتناول لوكيت آخر وجبة له بين الظهر والساعة الواحدة. ضمن {حزمة معلومات على مدار 30 يوماً}، سبق وطُلب منه أن يُدخل {اسم وعنوان ورقم هاتف مؤسسة دفن الموتى التي ستستلم رفاته}، فضلاً عن طلب وجبته الأخيرة. فكتب: {شريحة لحم شاتوبريان، روبيان مع صلصة كوكتيل، بطاطا مخبوزة، ست شرائح من الخبز المحمص بالثوم، فطيرة بجوز البقان، وليتر من عبوة كوكا كولا التقليدية}. لكن رفض فريق السجن تلبية طلبه لأن كلفته تفوق مبلغ 15$ المحدد وفق قوانين الولاية الخاص بوجبات السجناء الأخيرة.
قالت لادونا هولينز، زوجة أب لوكيت: {اتصلتُ بمـأمورة السجن. قلت لها إنني سأدفع ثمن هذه الوجبة بالكامل ويمكن أن أوصلها بنفسي أيضاً}. توقفت عن الكلام للحظة فيما اغرورقت عيناها بالدموع.

دعوى فاشلة

كان كلايتون لوكيت في الثالثة من عمره حين أرسلته والدته للإقامة مع أبيه الذي كان يعيش مع هولينز. منذ تلك اللحظة، أصبحت أقرب الأشخاص إلى كلايتون وكان يناديها {أمي}. في ذلك اليوم، كانت هولينز تجلس في غرفة المعيشة المظلمة في منزلها الواقع في ضواحي مدينة أوكلاهوما. زارت ابن زوجها قبل يومين من إعدامه. فجلسا قبالة بعضهما البعض في جناح المحكومين بالإعدام في السجن طوال ثلاث ساعات وكان يفصل بينهما لوح زجاجي، وراحا يصليان ويبكيان.
في مرحلة معينة، تقول هولينز إن لوكيت أخبرها بأنه لا يخشى الموت لأنه يستحقه بعد قتل الشابة ستيفاني نيمان (19 سنة) بوحشية. قال لزوجة أبيه: {لكني أخشى أن يعذبوني وأن يعطوني نوعاً من سم الفئران. حتى إنهم لا يجيدون غرز إبرة».
في مناسبات عدة، سمع لوكيت أصوات أنين وصراخ تصدر من غرفة الإعدام في نهاية الرواق. تذكّر كيف صرخ مايكل ويسلون الذي كان محتجزاً في زنزانة بالقرب من زنزانته في شهر يناير حين حُقن السم في جسمه وقال: {أشعر بأن جسمي كله يحترق!}.
كذلك قرأ في الصحف أن أوكلاهوما وولايات أخرى لم تعد تتلقى أدوية الحِقَن القاتلة التي كانت تستعملها منذ سنوات، بعدما فرض الاتحاد الأوروبي ضوابط صارمة على تصدير تلك المواد. كان لوكيت يعلم أن السلطات بدأت تجرب أدوية أخرى منذ ذلك الحين. وكان يعرف أن دينيس ماكغواير كان يحتضر طوال 26 دقيقة في غرفة الإعدام في أوهايو وهو يحاول تنشق الهواء. لطالما كانت أسباب الإعدام الفاشل متشابهة: استعمال أدوية خاطئة أو الاستعانة بفريق غير مؤهل، أو السببان معاً غالباً.
لهذا السبب، رفع لوكيت دعوى ضد الولاية لعدم الكشف عن مصدر الأدوية وهوية منفذي الإعدام. يمنع التعديل الثامن من الدستور الأميركي {العقاب الوحشي وغير المألوف} للسجناء المحكومين.

إعدام فاشل

في الساعة 5:27 من بعد الظهر، دخل مسعف وطبيب إلى غرفة الإعدام. هكذا بدأت واحدة من أبشع عمليات الإعدام في تاريخ الولايات المتحدة.
كانت مهمة المسعف تقضي بإدخال الإبرة التي تُستعمل لحقن الأدوية القاتلة. فثقب الذراع اليسرى بإبرة فارغة لكنه نسي استعمال ضمادة لإبقاء الإبرة في مكانها. فيما ذهب لجلب الضمادة، لم يعد موقع الحقنة قابلاً للاستعمال. فحاول المسعف دس الإبرة في موقعين آخرين من ذراع لوكيت لكنه فشل في المرتين. فتحول إلى الذراع اليمنى وجرب ثلاثة مواقع هناك. ثم نزع حذاء السجين الرياضي وحاول إدخال الإبرة في أحد أوردة قدمه.
اقترب الطبيب من النقالة وحاول إدخال الإبرة في الوريد الوداجي قبل الانتقال إلى الوريد تحت الترقوة. فيما راح الرجلان يثقبان مختلف أجزاء جسمه، سمع لوكيت صوت قرع طبول وقد علا صداه في أنحاء جناح المحكومين بالإعدام، فقد راح السجناء يقرعون على أبواب زنزاناتهم طوال خمس دقائق، وهو طقس مألوف يرمز إلى الوداع الأخير للرجل المحكوم بالموت.
على بُعد بضع زنزانات، كان تشارلز وارنر ينتظر موعد إعدامه أيضاً. فودّع عائلته وتناول وجبته الأخيرة. كان من المقرر أن يموت في الثامنة مساءً على النقالة نفسها التي كان يتمدد عليها لوكيت حينها. لكن تبين أن الالتزام بالجدول صعب.
سبق وفشلت أكثر من عشر محاولات لدس الإبرة في الوريد فيما تابع الطبيب والمسعف محاولة إدخالها في فخذ لوكيت الأيمن. فمزقا رداءه وسرواله الداخلي ثم استعملا مشرطاً لاختراق اللحم لأن العروق في الفخذ تكون عميقة تحت الجلد. كان الطبيب الذي لم يدس يوماً هذا النوع من الإبر داخل الوريد في منطقة الفخذ قد استُدعي كبديل عن زميل له قبل يومين. حتى يوم الإعدام، لم يشارك المسعف ولا الطبيب في التمارين التحضيرية.
حين ألصق الرجلان الإبرة على فخذ لوكيت، ناقشا ما إذا كانت الإبرة أقصر مما يجب في هذه المنطقة من الجسم، لكنهما لم يملكا الإبرة المناسبة وقد احتاجا إلى 51 دقيقة لضخ الدواء في الوريد.
تواجه السلطات الحكومية صعوبة متزايدة في إيجاد اختصاصيين للمشاركة في عمليات الإعدام. تحث الجمعيات المهنية للأطباء والمسعفين والممرضين أعضاءها على عدم المشاركة في عمليات مماثلة. وفق أحد البيانات، {حين يشارك اختصاصي في الرعاية الصحية في عملية إعدام في ظل ظروف تشبه خدمات الرعاية، تصبح أهداف الخدمات والتقنيات الصحية شائبة}. نتيجةً لذلك، تُنفَّذ عمليات الإعدام على يد أطباء أو ممرضين لا يحملون الرخص أو يعملون بطريقة غير شرعية. هم يتسللون إلى غرف الإعدام مثل اللصوص ويشاركون من باب الاقتناع أو مقابل مبلغ 500 دولار يدفعه السجن نقداً لتجنب ذكر أسماء الأشخاص المتورطين في الوثائق.
طلبت مأمورة السجن من الطبيب إدخال إبرة ثانية في جهة آمنة. لكن رفض الطبيب طلبها. ثم أمرت بتغطية منطقة الإبرة بضمادة حفاظاً على {كرامة} لوكيت.
كان يُفترض أن تبدأ عملية الإعدام في السادسة مساءً. حين طلبت المأمورة فتح الستائر البيج التي تطل على غرفة المشاهدة، في الساعة السادسة و23 دقيقة، حدّق 36 زوجاً من العيون بلوكيت. ربما نقلت الحكومة عمليات الإعدام من الساحات العامة إلى غرف وراء جدران السجن السميكة، لكن يفرض القانون ألا تتم العملية بسرية تامة. كان الصحافيون ومحامو لوكيت يجلسون على كراسي قابلة للطي في غرفة المشاهدة.
احترمت لادونا هولينز رغبة لوكيت ولم تحضر. أخبرها بأنه لا يريدها أن تشاهد ما سيحصل له. سألت المأمورة لوكيت إذا كان لديه أي كلمات أخيرة. فأجاب بالنفي. فقالت: «لتبدأ عملية الإعدام إذاً!».

طريقة قتل نظيفة

في اليوم التالي، بتاريخ 30 أبريل، نُشر كتاب في الولايات المتحدة بعنوان {مشاهد مشينة: عمليات إعدام فاشلة وعقوبة الإعدام في الولايات المتحدة}. الكاتب أوستن سارات، أستاذ في كلية أمهرست في ماساتشوستس.
يؤيد معظم الأميركيين عقوبة الإعدام، كما قال سارات من مكتبه، لأنهم لا يعلمون شيئاً عن تفاصيل الإعدام. اختبر نظريته في مسح أجراه منذ سنوات عدة، فأخبر المشاركين بما يحصل تحديداً خلال استعمال الكرسي الكهربائي. غيّر كثيرون رأيهم بعد ذلك.
صحيح أن ثلثَي الأميركيين تقريباً يدعمون عقوبة الإعدام، لكن تراجع عدد عمليات الإعدام بنسبة كبيرة في العقد الأخير، وقد حصل ذلك جزئياً لأن مختلف الولايات تشعر بقلق متزايد من ارتكاب الأخطاء. أُعدم 98 شخصاً في الولايات المتحدة في عام 1999 مقابل 39 فقط في عام 2013. تحتل تكساس المرتبة الأولى من حيث عدد عمليات الإعدام مع أن أوكلاهوما التي تشمل عدداً سكانياً أصغر لطالما كانت الولاية التي تسجل أعلى نسبة إعدام مقابل كل فرد.
يعلم سارات كل ما يجب معرفته عن عمليات الإعدام الفاشلة في الولايات المتحدة لأنه حقق في كل واحدة منها. برزت عملية شنق آرت كينسولز في كارولاينا الشمالية في عام 1900، فهو لم يمت خلال المحاولة الأولى وتدلّى من الحبل وراح ينزف بشدة إلى أن أجبره الجلادون على تسلق عتبة السلالم للمرة الثانية. ثم برزت قضية جيمي لي غراي الذي لهث وتأوّه وأصيب باختلاجات في عام 1983 في غرفة غاز في ميسيسيبي للحظات بدت أبدية. وحين أُعدم بيدرو ميدينا في كرسي كهربائي في فلوريدا في عام 1997، تصاعد الدخان واللهب من جسمه وفاحت رائحة لحم محترق في الهواء.
لكنّ جميع هذه الحوادث لم تطرح تحدياً فعلياً على مفهوم الإعدام في نظر الحكومة كما يقول سارات. بل تعهد المسؤولون بتحسين الطرق التي باتت أكثر ابتكاراً. يوضح سارات: {تاريخ عقوبة الإعدام يتعلق أيضاً بإيجاد طريقة نظيفة وصامتة ومثالية للقضاء على حياة الناس. إنه الموت من دون قطع الرؤوس وتشويه الوجوه، ومن دون دم أو نار أو رائحة كريهة}.
لتحقيق تلك الغاية، استُبدلت المشانق وأساليب الرمي بالرصاص بغرفة الغاز والكرسي الكهربائي. مع ظهور كل تكنولوجيا جديدة، كانت الولاية تعلن أن طريقتها القديمة بالية وهمجية. وفي عام 1977، حين ابتكر طبيب في أوكلاهوما طريقة عبر الحِقَن القاتلة، بدا وكأن البحث عن الطرق المثالية انتهى. سادت قناعة حينها مفادها أن الإعدام سيصبح إجراءً طبياً وأن غرفة الإعدام ستكون بمثابة غرفة العمليات وسيصبح منفّذ الإعدام أشبه بالطبيب.

{ليس فاقداً للوعي}

بدأ أول دواء من الأدوية الثلاثة، بجرعة 100 ملغ من الميدازولام، يتدفق الآن في فخذ لوكيت. كان يتدفق من أنبوب متّصل بجدار وراء رأسه. جلس ثلاثة متطوعين وراء الجدار في غرفة مظلمة ومكتظة: إنها غرفة الجلادين. حين وصلوا إلى السجن في فترة بعد الظهر من ذلك اليوم، كانوا يرتدون أثواباً تشبه الأشباح. كانت مهمتهم تقضي بدفع الأدوية الموجودة في الإبر نحو الأنبوب، وقد تم تكليف كل متطوع بنوع واحد من الأدوية. لتجنب الارتباك في الظلمة، استعملوا المصابيح اليدوية. قيل لهم أن يدفعوا أقلام رصاص ملونة بكل بساطة عبر ثقوب الجدار في غرفة الإعدام في حال وقوع أي مشكلة.
كان يُفترض أن يفقد لوكيت وعيه بسبب دواء ميدازولام كي لا يشعر بالألم الناجم عن الدواء الثاني والثالث. حتى الفترة الأخيرة، كانت مواد التخدير مثل ثيوبنتال الصوديوم والبنتوباربيتال (حصل هذا الأخير على ترخيص من شركة الأدوية الألمانية «باير» في عام 1916) شائعة الاستعمال، لكن منذ أن فرض الاتحاد الأوروبي حظراً على تصديرها في ديسمبر 2011، ما يعني إعاقة الشحنات إلى السجون الأميركية، شعر المسؤولون في الإصلاحيات بالارتباك حول كيفية تأمين الأدوية الضرورية.
لتغطية البحث المشين عن أدوية الحِقَن القاتلة، مرر مجلس نواب أوكلاهوما قانوناً سرياً منذ ثلاث سنوات. يسمح القانون للمسؤولين بإخفاء مصدر الأدوية التي يستعملونها وطريقة طلبها واحتمال استعمالها بعد انتهاء تاريخ صلاحيتها. تبقى هوية منفذي الإعدام سرية أيضاً.
قام لوكيت بمقاضاة ولاية أوكلاهوما بسبب هذا القانون تحديداً. اعتبر محاموه أن الامتناع عن إبلاغ لوكيت بنوع الأدوية التي ستُستعمل لقتله وبهوية المنفذين هو انتهاك لحقوقه الدستورية. بسبب تلك الدعوى، قررت محكمة أوكلاهوما العليا في البداية وقف تنفيذ إعدام لوكيت لكنها غيرت قرارها في اليوم التالي.
فحص الطبيب حدقة عينَي لوكيت في الساعة السادسة والنصف مساءً. ثم ضغط على صدر لوكيت وهزّه قليلاً. فقال الطبيب: {هو ليس فاقداً للوعي}.
فقال لوكيت بكل وضوح: {لم أفقد وعيي}.
في وقت سابق، طلب المسؤولون في السجن تأخير إعدام لوكيت لبضعة أشهر لأنهم كانوا يعجزون عن تأمين أدوية الحِقَن القاتلة الاعتيادية. لكنهم لم ينجحوا في بحثهم. قبل أسبوعين من موعد الإعدام، أُضيف دواء ميدازولام فجأةً إلى البروتوكول. كان الحل موقتاً لأن الدواء لم يُستعمل سابقاً في عمليات الإعدام في أوكلاهوما. على عكس الأدوية التي كانت تُستعمل سابقاً، لا يُعتبر ميدازولام مادة مخدّرة. بل إنه يهدف إلى تهدئة المريض وجعله يفقد الوعي جزئياً. يستعمله الأطباء في جراحة الأسنان وتنظير القولون. لا أحد كان يعلم مدى فاعلية دواء ميدازولام لجعل لوكيت يفقد وعيه ولا الجرعة المناسبة منه.
تحقق الطبيب من حالة لوكيت مجدداً في الساعة 6:33 مساءً وقال: {لقد فقد وعيه}. توقف لوكيت عن الكلام.
في غرفة الإعدام، بدأ حقن أدوية بانكورونيوم وكلوريد البوتاسيوم في أنابيب. كان يُفترض أن يشلّ البانكورونيوم حركة لوكيت ويقمع التشنجات. هو يُستعمل حصراً لأغراض تجميلية من أجل تخفيف الألم. الهدف هو أن يبدو لوكيت هادئاً أثناء موته. يُفترض أن يؤدي كلوريد البوتاسيوم الذي يُستعمل في أغلب الأحيان لضمان موت رحيم للحيوانات، إلى وقف وظيفة القلب. لكن من دون تهدئة قصوى، هو يعطي شعوراً بالحرقة من الداخل.
في الساعة 6.34 مساءً، تحرك لوكيت فجأةً. فركل بساقه وحرك رأسه جانبياً وراح جسمه يتلوى. ثم شخر وتمتم وصرخ {ما هذا؟ ثمة خطب ما!}. تبدلت ملامح وجهه وراح يتلوى من الألم. فبدأ يشتم لكن لم يعد ممكناً فهم ما يحاول قوله. فرفع رأسه وكتفيه بضع مرات وكأنه يحاول الجلوس باستقامة.
في غرفة ثانية للمشاهدة، كان أقارب ضحية لوكيت يراقبونه وهو يعاني.



جريمة لوكيت



ماتت ستيفاني نيمان منذ 15 سنة في أوكلاهوما. كانت نيمان راكعة داخل قبر محفور حديثاً حين وجّه لوكيت (كان يبلغ حينها 23 عاماً) بندقيته نحوها وأطلق النار عليها. جعله ارتداد الرصاص يفقد السيطرة، فوقع السلاح أرضاً وانطلقت رصاصة وأصابت كتف نيمان. سمعها لوكيت وهي تتأوه في الحفرة. فحمل البندقية وصوبها نحوها وأطلق النار مجدداً. فتوقف التأوه.
ثم قال لشركائه: {انتهى الأمر! ادفنوها الآن!}.
ماتت نيمان في تلك الليلة بين مصافي وحقول النفط، لأنها وصديقتها شاهدتا عن غير قصد لوكيت وصديقين له وهم يضربون رجلاً كان يدين لهم بالمال. بعد ذلك، قام الرجال باغتصاب صديقة نيمان بشكل متكرر. تعهد الرجل الذي تعرض للضرب وصديقتها بعدم إخبار أحد بما حصل، لكن رفضت نيمان إطلاق الوعد نفسه. كانت تواجه مصاعب في التعلم وتفتقر إلى القدرة على التفكير بطريقة استراتيجية.
صرخ صديقا لوكيت بالقرب من الحفرة: {هي لم تمت!}. كانت نيمان تتنفس وجسدها يتحرك في التراب. فأمر لوكيت بجلب البندقية وإنهاء حياتها ولكن رفض شريكاه فعل ذلك. فقال لهما: {حسناً، ادفنوها بكل بساطة}. أخبر لوكيت المحققين لاحقاً بأنه سمع الشابة تسعل حين كان التراب ينسكب فوقها. لكن تابع الرجال جرف التراب في الحفرة إلى أن توقفت أصوات الاختناق.
كان جسم لوكيت ينتفض على النقالة منذ ست دقائق. لكن في الساعة 6:40 مساءً، أزال الطبيب الضمادة التي تغطي منطقة حقن الدواء في الوريد ولاحظ أن البشرة في الثقب انفجرت وكوّنت بالوناً {أصغر من كرة المضرب لكن أكبر من كرة الغولف}، وهذا ما جرى توثيقه لاحقاً في التقرير الاستقصائي. ربما لم تخترق الإبرة عرق لوكيت أو ثقبته. بدل أن تتدفق مادة التخدير والأدوية القاتلة إلى مجرى الدم، دخلت إلى النسيج حيث يكون مفعولها أبطأ وأضعف. في هذه المرحلة، تساءل الجميع إذا كانت الأدوية تستطيع قتل لوكيت. شعر أعضاء فريق الإعدام بالضياع. فقرروا أنهم ما عادوا يريدون أن يراقبهم أحد أثناء عملهم. فقالت مأمورة السجن للشهود في الساعة 6:42: {سنُنزِل الستائر موقتاً}.



«أرادوا تعذيبه!»



قالت زوجة أب لوكيت: {سأريكم شيئاً}. ثم نهضت هولينز عن الأريكة وتوجهت إلى طاولة بالقرب من الجدار وكانت تعج بصور كلايتون حين كان في الثامنة من عمره ثم في سن المراهقة وأخيراً قبل فترة قصيرة من إعدامه. طلب لوكيت من أحد زملائه في السجن أن يهرّب هاتفاً ذكياً إلى جناح المحكومين بالإعدام. كان ممدداً على السرير وعاري الصدر ويمرّن عضلاته ويشد قبضته. لا وجود لأي ذرة دهون على جسمه. كان يشبه الرياضيين.
سألت هولينز: {هل تريدون إقناعي بأنهم لا يستطيعون إيجاد عرق طبيعي في جسم رجل مثله؟}. هي ممرضة وتعلم كيفية إدخال الإبر. تقوم بذلك يومياً.
تقول: {أرادوا تعذيبه. فعلوا ذلك عمداً. ويحاولون الآن التستر على ذلك}. لم تكن الحادثة متعمدة على الأرجح بل إنها تنمّ عن قلة كفاءة وتعكس انهيار نظام متصدع لطالما قيل إنه يوفر طريقة تضمن الموت الرحيم ولكنه يسعى الآن إلى إخفاء عيوبه.
يوثق تقرير استقصائي رسمي ما أصاب لوكيت بعد إسدال الستائر. حاول الطبيب دس إبرة جديدة لحقن الكمية المتبقية من الأدوية القاتلة، لكن في الفخذ الأيسر هذه المرة. ثم حاول اختراق الجلد مرة أو مرتين قبل أن يستسلم. توجهت مأمورة السجن نحو الهاتف المعلّق على الجدار وطلبت غرفة الشهود للتحدث مع روبرت باتون، وهو المدير التنفيذي لفرع الإصلاحيات في أوكلاهوما.
سأل باتون: {هل أُعطي أدوية كافية تسبب الموت؟}. أجاب الطبيب بالنفي.
{هل يمكن ثقب عرق آخر؟ وفي هذه الحالة، هل من أدوية كافية لإنهاء عملية الإعدام؟}.
أجاب الطبيب بالنفي أيضاً، مضيفاً أن لوكيت فقد وعيه الآن وأصبح نبضه ضعيفاً.
حاول باتون الاتصال بمكتب الحاكم علماً أن أي قرار لا يمكن اتخاذه من دونه. نجح في ذلك أخيراً لكن تطلّب الأمر بعض الوقت. ثم اتصل بغرفة الإعدام مجدداً، وفي الساعة 6:56 مساءً أعلن وقف عملية الإعدام.
لم يتضح بعد للأشخاص العاملين في الغرفة ما إذا كان ذلك القرار يعني تعليق الإعدام. وفق البروتوكول المعتمد، سيتطلب الأمر البدء بتدابير إنعاش الحياة فوراً. حين أصبحت نبضات قلب لوكيت أكثر ضعفاً، انتظر الرجال تلقي تعليمات أوضح.
أعلن الطبيب موت لوكيت في الساعة 7:06 مساءً.
يظن الخبراء أن إنقاذ حياة لوكيت كان لا يزال ممكناً. يوصي التقرير الاستقصائي بضمان وضوح لغوي أكبر في عمليات الإعدام المستقبلية وبضرورة تعريف مصطلحات {وقف} و{تعليق} و{كبح} بكل وضوح.




الحفاظ على عقوبة الإعدام

تأجل إعدام تشارلز وارنر ساعتين، وهو الرجل الذي كان يُفترض أن يموت بعد ساعتين من موت لوكيت. تحدد موعد إعدامه الآن في 13 نوفمبر. يناضل فريق من المحامين في المحكمة لأجل وارنر و49 سجيناً آخر في قسم المحكومين بالإعدام في أوكلاهوما. يذكرون إعدام لوكيت كإثبات على أن الحِقَن القاتلة عقوبة {وحشية وغير مألوفة} يمنعها الدستور. حتى الرئيس باراك أوباما اعتبر إعدام لوكيت {مقلقاً جداً} وقال إنه يكشف عن مشاكل عقوبة الإعدام التي يجب أخذها على محمل الجد.
يقول النائب الجمهوري عن الولاية، مايك كريستيان، من مكتبه في مجلس نواب مدينة أوكلاهوما: {لا أمانع أن يعاني لساعات على تلك النقالة}. حين سمع في الربيع الماضي أن محكمة أوكلاهوما العليا أرادت تعليق إعدام لوكيت، هدد القضاة بإقالتهم من مناصبهم. كان تهديد كريستيان السبب الذي جعل المحكمة تغير قرارها في اليوم التالي: {بما أنني أب، لا آبه كيف نقتل تلك الحيوانات، سواء بالحقن القاتلة أو بالمقصلة أو بإطعامهم للأسود}.
مع ذلك، أدرك كريستيان أن إعدام لوكيت انعكس سلباً على ولايته: {لا أريد أن يأتي الصحافيون من أنحاء العالم إلى أوكلاهوما وأن يكتبوا أننا ولاية همجية}. لذا قابل مايك كوبلاند، أستاذ مساعد في جامعة محلية: {خطرت هذه الفكرة على بالنا فجأةً}. نظرا إلى بعضهما بكل حماسة وقالا: {هل سمعت يوماً عن الموت بالنيتروجين؟}.
أمضى كوبلاند ثلاث سنوات وهو يعمل في جزيرة بالاو الصغيرة على المحيط الهادئ حيث يذهب للغوص في وقت فراغه: {إذا تنشقتَ النيتروجين وحده، ستفقد الوعي سريعاً ثم ستموت بعد لحظات}. يقول إن هذه الفكرة ستنقذ عقوبة الإعدام: {النيتروجين الوسيلة الأكثر إنسانية للموت. يجلس الفرد بكل بساطة ويتنفس وبعد دقيقة يموت}.
ثمة ثلاث إيجابيات لاستعمال النيتروجين بحسب قوله. أولاً، {لا مشكلة في تأمين الإمدادات. يمكن شراء النيتروجين من أي متجر}. ثانياً، إنها طريقة غير مكلفة لأن كل ما نحتاج إليه عدا الغاز هو كيس بلاستيكي يمكن وضعه فوق رأس المجرم المحكوم بالموت. ثالثاً، {لن نحتاج إلى طبيب كي يجد الوريد المناسب}.
أضاف النائب كريستيان: {هذه الطريقة يستعملها قطاع إنتاج الدواجن والخنازير ولحم البقر}. ثم أومأ برأسه لصديقه وقال: {أخبرنا عن الخنزير الذي شاهدته على موقع يوتيوب}.
فأجاب: {على يوتيوب، يمكن مشاهدة خنزير يواجه النيتروجين. يستنشقه ثم يفقد الوعي لفترة قصيرة قبل أن يتابع سيره وكأن شيئاً لم يحصل. يثبت ذلك أن النيتروجين لا يسبب أي ضرر}.
يريد كريستيان ترويج فكرته. هو مقتنع بأنه يستطيع كسب دعم معظم أعضاء مجلس النواب حيث أبدى رئيس الأغلبية تأييده. يعتبر أن أوكلاهوما يجب أن تكون ممتنّة للوكيت: {جعلنا إعدامه نعيد النظر في الوضع القائم. وقد وجدنا أخيراً الطريقة المثالية}.
في 13 مايو، بعد أسبوعين على عملية الإعدام وتشريح الجثة في المرحلة اللاحقة، سلّمت ولاية أوكلاهوما جثة لوكيت إلى عائلته فحرقتها بعد فترة قصيرة. احتفظت السلطات بعضو واحد فقط لإجراء دراسات إضافية كما زعمت: إنه قلب لوكيت.

 

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1457


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
9.01/10 (11 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy