في
السبت 11 فبراير 2012

الأخبار
عالم الفن
عبدالحليم صوت الثورة و عندليب الشعب
عبدالحليم صوت الثورة و عندليب الشعب
عبدالحليم صوت الثورة و عندليب الشعب
08-02-2008 01:17 PM
تعددت مؤخرا الأعمال التلفزيزنية التي تتحدث عن عبدالحليم حافظ، المطرب العذب والحاضر بقوة في مكان خاص من الذوق السمعي المعاصر للعرب. وكما هي القصة الاجمالية للحياة العربية، تروي هذه وتضيع، ويروي عن عندليبها فيضيع، الأهم عند كتاب الافلام والمسلسلات هو الوقائع: كيف نشأ؟ من هم أهله؟ من الملحنين والشعراء الذين عاصروه وصنعوا معه قصته، وتصاريف نغمه، الظروف السياسية، الجو الفني عموما وما إلي ذلك، انعدام الخيال يقتل الواقع.

مرة تحول عبدالحليم إلي قصة شعب . ومرة إلي عندليب . وما يسمونه الرؤي اختلفت بين الاثنين . فإحدهما جاءت علي طريقة القصة السياسية التي تذهب كما هو متوقع، إلي قراءة توافق صعود الغناء مع تحولات تاريخية لها نكهة في مجالها، هي ذات نكهة صوت العندليب في مجاله. وتلك بالطبع ميزة يلاحظها الجميع. فما حصل لعبدالحليم ومعه، لم يحدث مثلا مع أم كلثوم وعبدالوهاب مثلا. ومن يمكن ان يتناولوا أم كلثوم، سيأخذهم الحضور الطاغي لسيرة مكتفية بذاتها . وفي المسلسل الذي عرض مجسدا سيرتها، يمر جمال عبدالناصر عابرا، بينما تظل السيدة هي المحور ولاتقصر، بل تملأ اللوحة، وتسير قدما باعتبارها مركزا للعالم المحيط بها . لاوجود لنصف أم كلثوم فهي قد سعت إلي الاكتمال الذي تستحيل تجزئته، مثل كل دكتاتور عظيم، تتابع فصول أيامها، يجعلها موضوعا باهرا، مثل أية قضية صعود كلاسيكي، نسمع في خلفيته أصداء سيمفونية مجلجلة لا أعرف لماذا تذكر سيرة أم كلثوم بخطوطها العامة، بسيرة المطربة الفرنسية أديث بياف، مع اختلافات في التفاصيل، تقتضيها البيئة والشروط من الطفولة البعيدة للفتاة المضطرة لاسناد والدها المنشد في الأعراس الريفية، إلي الصبية التي سبق صوتها حدود محيطها، وأثار في المجال الفني، دوامة من الاصطفاف غير المخطط ولا المنسق لكن المرتب بقوة سر التاريخ. حمية موسيقيين وملحنين وشعراء كبار، ودأبهم حد التفاني، إلي أن قفزت هي وعبدالوهاب من ذيول وبقايا عالمهما الشعبي، الموصول بالشفاهية النغمية، والموالد الدينية، وعالم الاعراس التعس، أو التخت ، إلي الرصانة المحاطة بجلال وسحر القصور والسلطة. فأم كلثوم وعبدالوهاب، هما ممثلا طاقة تحول الفن والغناء بالذات إلي سلطة. ونموذجها هو نموذج حداثة، لم يكن لها من سبيل لاثبات حقها في الوجود، سوي التشبه بالسلطة، وانتزاع حيز منها لدرجة مزاحمتها بالاصرار علي تحقق حيزها خارج ساحتها ومجال سطوتها، ففي تلك اللحظة بدا بناء قلعة جديدة تحرسها جيوش النغم، فالصوت الخارق، مع الصورة الساحرة للمطرب المطلق الحضور والسيادة، كانا سلاحين اجباريين، صنعتما الطبيعة والتاريخ حتي تجعل المطرب المطربة خصوصا حاضرا حاكما مطلقا حين يقف ليغني، لايجد أمامه سوي الطاعة. فأم كلثوم مطربة طاغية لاتقبل بأقل من الانسحاق تحت وطأة حضورها.

وأم كلثوم هي التي أرست سلطة الغناء في التاريخ العربي الحديث. فقبلها كان المغني بلا قوة حضور مستقل، ولم يصبح أبدا نافذا، ان لم يكن تابعا ومن ملحقات القصور الحاكمة أو قصور الأغنياء، ومثل الفنانين والكتاب ظل هؤلاء يدورون حول فلك الحكام لزمن طويل، ألا أن أم كلثوم وعبدالوهاب لم يحققا هذا المنجز بقدراتهما الذاتية الخارقة. وعالم الثقافة والفن والصحافة الحديث في العالم العربي، يدين بالدرجة الاولي بالعرفان لوسائل الاتصال في مقدمتها الراديو، ومن ثم التلفزيون والجريدة. فمع هذا الجهاز فلت المغني من يد الحاكم، وأصبح للأدب والمقال حيزه المستقل، ودخل جيش الصحفيين والإعلاميين والأدباء والشعراء تباعا، عالم السلطة المستقلة بذاتها، والقادرة علي أن تفعل في الواقع. ونحن نعرف بأن جنازة أم كلثوم وجنازة عبدالناصر هما أكبر الجنازات التي عرفتها مصر المعاصرة، وهذا حدث لم يكن ليعرف ابدا، لولا قوة الراديو والصحافة والاعلام، علما بأن عبدالناصر نفسه ما كان ليصبح ما أصبح عليه في مصر والعالم العربي، لولا الراديو والتلفزيون والصحافة. غير أن التلاؤمات والسمات الشخصية والزمن، كلها لعبت دورا في جعل الراديو يصبح فعالا بخدمة المشاريع السياسية وغيرها، فقبل عبدالناصر تذكر في التاريخ والدراسات المصرية والعربية الحديثة قمة مؤسسة، هو محمد علي الكبير، ولو كانت الصحافة والراديو والاذاعة موجودة انذاك، لتحول محمد علي إلي طرفة، ولبادر كما قتل المماليك في المجزرة الشهيرة التي دبرها لهم في القلعة، إلي قتل المذيعين وتدمير الاذاعة دون أن يرف له جفن . فهؤلاء كانوا سيفضحون الزعيم، ويضطرون صاحب مشروع القومية العربية والحداثة كما يوصف اليوم، لان يظهر علي حقيقته كشخص لم يكن يعرف كلمة عربية واحدة.

بالمقابل كان عبدالناصر خطيبا فنانا يعرف كيف يستخدم صوته بنغمية عالية ومؤثرة، وكانت هيئته وقوامه صالحة للعرض في الصورة عبر الصحافة والتلفزيون، فهو فارع الطول أسمر، وشكله تمتزج فيه روح التحدي بالأمل، بوسامة سمراء، توحي بالثقة والسمو، وتمثل حلم عظمة، وترسم صورة عربية لقائد آت من عز الأيام العربية يرمح علي حصان من عجلات الحاضر. وبهذا كله كان عبدالناصر قادرا علي خوض المباراة بنجاح . فلم يزعجه كثيرا وجود أشخاص مثل أم كلثوم وعبدالوهاب، استعملوا السينما والموسيقي والشعر، وأحسنوا بوتقتها بما يلائم أصواتهم. وهو علي العموم كان من دون حول ولا قوة، فأم كلثوم وعبدالوهاب سبقاه وكرسا مكانتهما قبله. وحين كان هو مع رفاقة محاصرا في الفالوجة غنت أم كلثوم له ولمن معه أغنية طلبوها منها، ثم زاروها بعد عودتهم من الحصار في بيتها، وكان عبدالناصر من بينهم. وعليه فإن عبدالناصر كان مضطرا لأن ينافس قبل ان يتهيأ له احتواء من سبقوه. وبما انه قائد سياسي، ويعيش وسط زمن القضايا الحارة والملتهبة، فلقد كان حظة كبيرا، وتمكن من ان يحتل مكانة لاتدانيها مكانة. الا ان ذلك لم يكن من دون ثمن ، ولست اعرف إلي اي حد كان عبدالناصر مضطرا لأن يمثل وهو في الطريق إلي تثبيت مكانته. كما من الملهم أن نبحث اليوم في القرارات أو المواقف التي اتخذها الرجل تحت هاجس منافسة لاعلاقة لها بالسياسة ولا بالزعامة المباشرة. فمايسمي الفكر أو الثقافة في العالم العربي، لايسمح بالدخول في مثل هذه المناطق، ونحن نكتفي من عيشنا بالإنشائية والايديولوجية، ونعجز عن صياغة أساطيرنا المعاصرة بالطريقة التي نستحقها. أو لا نستحقها، أما عبدالناصر فله معاناته التي لم يخبرنا عنها وهو يرتقي السلم بين عبدالحكيم عامر وأم كلثوم. ولايتناول الكتاب في مصر تجليات سطوة الدولة والزعيم. واضطرار مراكز السلطة خارج السياسة المباشرة، إلي خوض سياسات وتكتيكات الصعود أو الحفاظ علي الموقع، كما فعلت أم كلثوم مثلا بعد عام 1967 بعدما فقدت عبدالحكيم عامر، واندفعت لتقف بكل قوتها إلي جانب عبدالناصر في محنته فتعيد بذلك تعزيز مكانتها من موقع الوفاء والشهامة، دون ان توحي باي تنازل عن هيبتها.

لدينا هنا ايضا أمثلة ينبهنا لها تاريخ عبدالحليم حافظ. فهو قد تصادم يوما مع أم كلثوم، وأعلن علي الهواء عن انزعاجه من تصرف لها كان مدعوما من عبدالحكيم ضد ارادة عبدالناصر، الذي عاد وانتصر للعندليب، وصنع له منبرا في الاسكندرية غير يوم شم النسيم ليرد علي أم كلثوم، التي هي من دون شك المنافسة، بمعني المكرسة لمسار الخروج من ربقة السيطرة المطلقة للزعيم. لقد كان عبدالحليم وقتها سلاحا بيد عبدالناصر وهو من بين اسباب اخري الذي جعل أم كلثوم وعبدالوهاب يرضخان لارادة القائد ، ويتعاونان تلحينا وغناء بأمر رئاسي انتج أغنية اشكالية لاقيمة طربية لها هي أنت عمري ، لقد كذب عبدالوهاب متملصا من سطوة الزعيم بالدهاء الفني، لكنه فعل ما لايحب ولم يثأر ردا علي تلك النكسة ، إلا بعد ان مات عبدالناصر، فلقد صرح ليقول كان عبدالناصر يكذب فيصدقه الناس، بينما كان السادات يصدق ويكذبه الناس . وهو بهذا يحيل الاثنين إلي عالم الفن والابداع، متجاوزا صفتهما كسياسيين. مع ان السادات كما يعرف الذين يعرفونه كان مطربا ، وهو يحسن الغناء، وله صوت هو الذي سحر جيهان، حين غني لها في عيد ميلادها في أول لقاء جمعهما، وهي في الثامنة عشرة من العمر وهو ضابط يضع الرتب والنياشين ولا يتورع عن قول ياليل بسلطنة. الا انه عندما أصبح رئيسا، وأراد ان يستخدم صوته فشل في ان يجاري عبدالناصر، لان التطابق بين الحلم والصورة اقرب إلي قلب العرب، وهيئة السادات كصورة، كانت أقرب إلي الرثاثة، وماضيه غامض يخلو من التألق وكل هذا اسقط قدرته علي الاقناع من الطريف ان يكون الكاتب انيس منصور المقرب جدا من السادات، مطرباً، وله صوت شجي، مثله مثل السادات، بينما لا هيكل ولا عبدالناصر جربا الغناء، وصوتيهما لم يكن يساعدانهما علي قول ياليل لكنهما متحدثان بارعان .

في وقت لاحق، بادر عبدالحليم إلي زيارة أم كلثوم ليطيب خاطرها، وحين سئل عن سبب هذا التنازل اجاب: لقد ذهبت إلي الهرم . كانت أم كلثوم سيدة المطربين، ورئيستهم الكبري. وهي من أرست لهم كما فعل محمد حسنين هيكل مع الصحفيين ، مكانتهم، بدكتاتوريتها، وعالمها العاجي والأسطوري القاسي والمضطرب والمفعم بحشد من روح الشعر والموسيقي، إلا أن عبدالحليم لم يكن مجرد مطرب، وهو يمثل في التدرجات النغمية والرمزية المعاصرة مكانة الثائر . إنه بالفعل شبيه عبدالناصر، إلا أن أم كلثوم لم تكن ابدا الملك فاروق. ربما فيها بعض من ملامح سعد زغلول وهي من دون أدني شك، رائدة تملكت وسائل عصرها، وذهبت بها مذهبا ينحو إلي صياغة سلطة. وهو ما لايجب اعتباره من قبيل القدر. فلم تظهر هنا امرأة خارقة ومدمنة مثل اديث بياف. وفقط عبدالحليم حافظ كان مضطرا لان يبالغ في استعمال مرضه، وأثار حول هذه المسألة لغطا، ظل يعززها بقوة، ليجعل منه الحاضر العليل، الابن المعذب، والحبيب الذي يعيش علي الهاوية. وبدل النزعة الانتحارية غير المفهومة في المجتمعات الشرقية المسلمه، كان عبدالحليم يناظر مطربا غربيا، هو جاك بريل، الذي هو ايضا مطرب أسطوري، وسيبقي الصوت الأعظم في الوجدان الانساني الحديث، مكرسا مثل عبدالحليم حافظ، صلة الطرب اللامتناهي الصدق والحزن بالعيش علي حافة الموت.

كان عبدالحليم حافظ تاليا بعد أم كلثوم وعبدالوهاب في مملكة الراديو. لقد تصادم شخصيا مع عبدالغني السيد أحد أهم الأصوات وأعذبها وكان محمد قنديل صاحب سماح و الحلو أبو شامة و ياللعجب وهي روائع، ومحمد فوزي العبقري شبه الفطري صاحب حبيبي وعنيه ، والكبير فريد الأطرش، ومطربات من بينهن قيثارة الأحزان/ الصيداوية/ فايزة أحمد، ونجاة الصغيرة، يدندن وسط عالم، لم يعد المطرب فيه يطلق كلابه علي الفقراء، كما قال احمد فؤاد نجم عن السيدة في إحدي قصائده بالمناسبة كان هو زميل عبدالحليم حافظ في دار الأيتام لسنوات . وصفات المطرب المنكرة أصبحت مكشوفة ويمكن أن تبعثر في الطرقات قال كامل الشناوي عن عبدالحليم علنا انه لا يصدق إلا عندما يغني وهكذا نشأ صراع قيم علي الهامش، فمن كان ومازال يسمع عبدالحليم يغني علي قد الشوق أو انا لك علي طول ، ينسي كامل الشناوي. والأرجح أنه يكذبه، بدل ان يتجرأ علي تصور كذب عبدالحليم حافظ، وفي أسوأ الأحوال يصبح عبدالحليم هنا دالة تستوجب كسر القاعدة. فهل كل الكذب كذب وهل الكذب مفهوم مطلق؟ لقد غني جيل ما بعد أم كلثوم وعبدالوهاب، وكل من هؤلاء قارب بؤرة نبض حقبته مرة أو اثنتين أو ثلاثة، واذا تركنا الكبير فريد الأطرش، باعتباره حالة خاصة وتقع بين حقبتين وجيلين ناهيك عن الأصول وقصة محاولة نهوض قمة فرعية تضمه واخته اسمهان تسببت في نهايتها الغامضة . فان الآخرين غنوا في قلب اللحظة مرات، بينما غني عبدالحليم كل مرة.

مثلما اكتملت ملامح فئة الخمسينيات الاجتماعية الشعورية ، كان عبدالحليم هو الآخر مكتملا. صوته، وحركته وشكله وتاريخه الشخصي، وكل نامة من حياته. كان هو ينتمي كليا إلي البؤرة التي تشكلت خلال نهاية النصف الاول من القرن العشرين. ففي تاريخ العالم العربي وحداثته المعاصرة لم يحدث إلا وقتها ان تشكلت طبقة من موحدي السمات والمشاعر من المتعلمين أبناء الفقراء والبرجوازية الصغيره، خلق مزاجهم المشترك، وقع السينما والراديو والكتاب مع أنا حرة و في بيتنا رجل لعبد القدوس و شجرة اللبلاب و شمس الخريف لعبدالحليم عبدالله، وثلاثية نجيب محفوظ، مع خلفية الحلم الطاغي للسينما الامريكية والعالمية. فكانت تلك الوسائل قوي فعل فوق طبقيه، وحدت الشعور والنظرة إلي العالم والاشياء بعد الحرب العالمية الثانية، وخلقت جمهورا فاعلا لايقبل بأقل من الحضور، ويرفض الجلوس امام السيدة مسمرا، لقد أطلق عبدالحليم حافظ مثل ثورة يوليو، قوة المشاركة، وبعد المتلقي/ المستمع وقف خلف صوته وآلامه، جمهور من عشرات الألوف من الشبيبه اناثا وذكورا، يصعدون معه إلي المسرح بخيالهم، ويغنون في سرهم مايردده ويترجمونه ممارسات عشق حين يحبون ويحلمون ويحزنون، وهو كان قائدا يتمتع بكل مقتضيات حس القيادة لطالما جري الحديث عن ذكاء عبدالحليم وحساسيته في اختيار كلمات أغانيه فهو مثل الزعيم الملهم، يستشعر ما تتطلبه تلك اللحظة من نغمات، ومن بناء أسطوري موزع حسب إيقاع النغم والمعني. وفي حبه المزعوم أو الحقيقي، الغامض أو المدعي، في صلته بالسندريلا تحديدا، وهي الموزعة بين عالم جاهين واليسار وبين قلقها ومأساتها. كان هو يتلاعب وراء ظاهرتين مأساويتين متشابهتين، هو أحدهما. فلوح موحيا بأنه قريب من اليسار، ووطني يحب بلاده كما يعرف عنه كيف يحب فهو من قال عدي النهار أروع أغاني النكسة، وأبلغ ماكتب عبدالرحمن الأبنودي / اليساري ايضا، السجين لمرات. هذا بينما ترك نافذة اخري تقول بأن هيئة أركانه الموسيقية الشعرية، وتقلباته، وإمساكه المرهف بخيوط السلطة والمعارضة وايقاع اللحظة، تندحر أمام القصور ولاتمسحها من اللوحة. فهناك اودع قصة حبه ليوصلها معروفة قصة حبه المستحيلة للفتاة الارستقراطية، حيث تصل التراجيديا منتهاها بفقدان الرجاء للمعذب المريض الصاعد من العدم أمام الفوارق الأزلية بالمرض القاتل، حين يتقيأ الفتي المعذب دما في الكواليس، ويعود ليغني، فيصبح بلا اي مجال للشك ابننا الذي يقارب ذاتنا عبر الحزن والعطاء واللاأمل . فمن يتخيل كل هذا ولايتذكر ظلموه فيتحسسها في أعماقة. وهكذا امكن لجيل أو لطبقة فوق طبقية من الشبيبه، مصنوعة من وسائل ليست نابعة من شروط عملية الانتاج، بل من الاختراع، ان تجد طريقها خارج الاسر الكلثومي، وان تتحول إلي فاعل يقف علي المسرح في مكان النظارة في المسرح، ينفعل ويتفاعل مع مطرب يتماهي معه ويتجسد فيه، ليرسم واياه قصة اقلاق باهرة لواقع قديم بدا يتهاوي.

كان عبدالحليم قوة النغم الذي ينهي زمن المطرب الافتراضي القابع خلف القصر، أو المزاحم علي القمة. فمطرب علي قد الشوق و صدفة و خسارة يبدو خفيفا مثل طيف، ومتسللا بين الشقوق ومن المستحيل صده، بينما هو يتجه مباشرة إلي القلب الذي ينتظره ليردد معه، لانه يعرفه، ومثل عبدالناصر كان هو يملك سلطة، بدت أقوي من سلطة عبدالوهاب وأم كلثوم وهددتهما، فظاهرته حررت الجمهور الذي لم ينحز اليه في الاقتراعات، بل في الكينونج. انه مثماثل مع من يغني لهم انظروا إلي التسجيلات الباقية لجمهور أم كلثوم، الناس كيف يجلسون مصبرين ومعذبين تحت سطوة حضورها، وراقبوا لباسهم الموحد، وقصات شعرهم وشواربهم، ودققوا في تسريحات السيدات المصفوفة بعناية وانتظام قبل مدة قال مطرب من جيل وحقبة نهاية المطرب التي نعيشها الان لولا ظاهرة هيفاء وهبي المميزة والفاصلة سنكتب عن دلالات هذه الظاهرة الاخيرة قال عمر دياب : إن عبدالحليم ليس فنانا، فهل يمكن لفنان أن يغني للسد؟ وهو يقصد السد العالي، وهذا هو الامتحان الكبير، تري كيف تغني للسد وتكون صادقا، وهل يمكن للفن ان يتحدث عن السدود؟ لقد غني عبدالحليم صورة وكلنا مانزال عايزين صورة ولكن من تلك الايام، عندما كان السد أقل جهامة وصلابة، وأكثر ليونة، وأقرب إلي الأحلام.

عبدالحليم غني للسد، لأنه أراد ان يصل إلي أقصي التصورات بخصوص نهاية الطرب الافتراضي، فنجح، وجعل من يعرفونه بقلوبهم واحلامهم، يصفقون له بحب.

 

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1597


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
5.90/10 (561 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy