السبت 11 فبراير 2012
|
|
|
مدن الخليج تنمو في رمال متحركة
08-10-2008 12:46 PM
يفترض في المدن الجديدة في شبه الجزيرة العربية أن تستجيب لأزمة السكن وضرورات التنوع الاقتصادي. لكن تأثيرها على البيئة الطبيعية يثير القلق، وليس من باب المؤكد أن يستفيد السكان المحليون من اقامتها.
تقترب الحرارة من الخمسين درجة في الظل، وتكتسح هبات ريح قوية امتداد الرمل والحصى مثيرة زوابع مغبرة اللون. هنا، على شاطئ الخليج، على بعد 30 كلم شرق مدينة أبو ظبي، ستنتصب من الآن وحتى سنة 2016 المدينة الجديدة المسماة «مصدر». يتحمس أحد المرافقين، مشيرا بأصبعه الى الورش الأخرى شبه المنجزة التي تحيط بالموقع، ويقول: «لن تكون هذه العاصمة المقبلة للامارات العربية المتحدة، بل ستمثل المدينة أكثر من ذلك: انها أول مدينة في العالم بيئية بالكامل».
أكثر نحو الشرق، ينبثق من الأرض مطار الامارات الدولي الجديد، فيما شمالا، ينجز تجمع سياحي ضخم على جزيرة «ياس»، علاوة على حلبة سباق سيارات «الفورمولا 1». حاليا، لا نشاط يذكر في الستة كلم مربعة حيث ستمتد «مصدر»، باستثناء بعض آليات الحفر المتوقفة وحفنة من مهندسين بطيئي الحركة.
وفق المكتب البريطاني «فوستر»، الذي وضع تصور المشروع، فان «مصدر» ستكون «المدينة الأولى في العالم التي لا تبعث ثاني أوكسيد الكربون. ولا تلفظ نفايات، بفضل الاستخدام الحصري للطاقة المتجددة، الشمسية منها والهوائية، واللجوء المنهجي الى عمليات اعادة التدوير». وستتجهز المدينة بمحطة توليد على الطاقة الضوئية لتغذيتها بالكهرباء، ومبانيها المسماة «ذكية» ستنتج بنفسها الطاقة. لن تقبل فيها أي مركبة تسير بالوقود، وستحيط بها الجدران لتحميها من الصحراء، وأيضا لتهويتها بواسطة أقنية تجتذب الرياح البحرية.
بمبلغ «زهيد» يقدر بـ 22 مليار دولار (الكلفة التقديرية الكاملة)، سوف تتمكن «مصدر» من استقبال 50 ألف مقيم وأكثر من ألف شركة متخصصة بالتقنيات الحديثة والطاقة الخضراء. ويعد الدكتور سلطان أحمد آل جبر، مدير عام شركة أبو ظبي للطاقة المستقبلية، الشركة الحكومية الموكلة بالمشروع، فيقول: «سيحصل سكان «مصدر» على أفضل نوعية حياة في العالم، في مدينة موجهة كليا نحو السعي لحماية البيئة».
الجدوى الاقتصادية
اذا كان الخبراء البيئيون في العالم أجمع يحيون مشروع «مصدر» الذي يتمتع أيضا بدعم الصندوق العالمي للطبيعة WWF، فان اقتصاديي المنطقة يبدون شكوكا حيال جدواه الاقتصادية، دون ابداء الصرامة ذاتها حيال بعض الورش السياحية المنافية للعقل والذوق السليم، مثل تلك العيادة للجراحة التجميلية المقامة بالكامل تحت الماء والملقاة في عرض ساحل دبي.
يقر المسؤول عن البحوث الاقتصادية في أحد المصارف الكبرى في أبو ظبي، فيقول: «تستفيد مصدر من تأثير اعلاني مدهش. ان بناء مدينة لا تستهلك سوى 25% من الطاقـــة و40% من المياه الضرورية لأي مدينة أخرى موازية في الغرب، هو بالتأكيد عمل باهر. لكن السؤال الحقيقي هو عما اذا كان المقصود مجرد ضمادة عالمية صغيرة، تهدف الى التعمية على اندراج دول الخليج بين أضخم ملوثي الأرض؟».
فاضافة الى استثمار النفط، تحتوي المنطقة صناعات ملوثة مهمة (بيتروكيمياء، ألمنيوم، تحلية مياه البحر). ويترجم نمط حياتها الاستهلاكي بازدياد نفاياتها المنزلية سنة بعد أخرى. على سبيل المثال، أنتجت مدينة دبي وحدها، في عام 2005، نحو 1،2 مليون طنا من النفايات (في حين أن الكمية هي 1،5 مليون لمدينة باريس)، وهو رقم مرشح للارتفاع ثلاثة أضعاف من الآن حتى 2014. تكفيك مشاهدة النشاط الليلي الكثيف لشاحنات النفايات في أبو ظبي، ودبي، والدوحة، أو المنامة، لادراك مدى التقدم الذي يمكن لبلدان المنطقة احرازه في شأن اعادة تدوير النفايات.
يدافع مدير امارتي رفيع، داحضا أي مسعى تسويقي يهدف الى «بيع» صورة بيئية لأبو ظبي مقارنة بجيرانها، فيقول: «نريد أن نجعل من «مصدر» مثالا يحتذى به. فمع هذه المدينة سنرسخ معايير عالمية في ما يخص التنمية المستدامة. واذا كان من غير الممكن تحسين الوضع في المراكز المدنية الموجودة في الخليج أو في مكان آخر، فعلينا بالتأكيد العمل بحيث تكون المدن المقبلة في المنطقة قابلة لمقاومة التلوث والاحتباس الحراري».
غابة من الرافعات
في الواقع، لا تشكل «مصدر» المشروع الوحيد للمدن الجديدة في الخليج. فمن الشرق الى الغرب، ومن الشمال الى الجنوب، تبدو الدول الست لمجلـــــــــس التعاون الخليجــــي CCG مكسوة بغابة من الرافعات: فوفق احصائيات، تنشر دوريا في الصحافة الاقتصادية العالمية، تحرك المنطقة حاليا حوالي ثلث الآليات المتوافرة في العالم: تجمعات سياحية، ناطحات سحاب، مقرات لشركات متعددة الجنسيات، فنادق فخمة. وتضم اللائحة الطويلة للصروح قيد البناء فئة أكثر تأثيرا، وهي المدن الجديدة التي بدأ العمل في حوالي 15 منها. ويسجل المهندس المعماري موسى لبيدي، الذي يوزع وقته بين المغرب والخليج، بأن «هذا الرقم لا يشمل تمدد المدن الموجودة أصلا. والحال أن مدينة مثل دبي، التي اتسعت مساحتها ثلاثة أضعاف في أقل من عشر سنوات، تعتبر شرعا هي أيضا مدينة جديدة».
تفسر ظاهرة المدن الجديدة في الخليج بعاملين أساسيين، يصفهما الاقتصاديون بالـD المزدوجة: الديموغرافيا والتنوع الاقتصادي Demography and Diversification. وتكفي بعض الأرقام لشرح العامل الأول: يزداد الطلب على المساكن بنسبة 20% كل سنة، ويضاف ذلك الى عجز مقدر أصلا بحوالي نصف مليون مسكن. يتأتى هذا النقص من ازدياد السكان المحليين والتدفق الدائم للعمال المؤهلين الأجانب. وبسبب أزمة السكن والتضخم، يكرس هؤلاء للمسكن حوالي نصف أجورهم. وهي نسبة مرشحة بقوة للارتفاع خلال الأشهر المقبلة. ويقدر الاقتصادي ماريوس ماراثفتيس، الذي يعمل في ستاندرد شارترد: «على المدن الجديدة في الخليج الاحتفاظ بالأجانب الذين ساهموا في ازدهار المنطقة اقتصاديا. واذا اضطر هؤلاء للرحيل، بسبب مواجهتهم مصاعب السكن، فسيشكل هذا ضربة قاسية لجاذبية الخليج».
لكن المسألة لا تتعلق فقط بالقادمين الأجانب. فمن البحرين الى الكويت، تعاني الأجيال الجديدة، هي أيضا، من نقص المساكن الذي، اضافة الى الصعوبة في ايجاد العمل، يؤجج التوترات الاجتماعية.
علي الوافي، سائق تاكسي بحراني شاب، يأمل في توفير ما يكفي من المال يمكنه من الاقامة في أحد الأبنية المتوقع انشاؤها في «درة البحرين». ويقول: «لست الوحيد الذي ينتظر انجاز هذه المدن، اذ ليس للشبان في سني الامكانات لتملك منازل مماثلة لتلك التي بناها آباؤهم».
وتمتد هذه المدينة الجديدة، في جنوب البلاد، فوق 15 جزيرة صغيرة اصطناعية تأخذ شكل الهلال، على مساحة 21 كلم مربعاً. ويتوقع أن يتم انجازها في 2015، وأن تجذب أربع مليارات دولار من الاستثمارات.
مشاريع ازدواجية
ولفهم السبب الثاني، لا بد من التنويه بأن بناء مدن جديدة يسمح، اضافة الى التطوير السريع لعدة مجموعات محلية من شركات الانشاءات، بظهور مراكز مدنية مكرسة للتنوع الاقتصادي. هذه هي الحال بشكل خاص في المملكة العربية السعودية، حيث هناك سبع مدن قيد الانشاء على مساحة اجمالية من 450 كلم مربعاً، مع اجمالي استثمار يقدر بـ 500 مليار دولار. بعيدا عن أي ضجة اعلامية وأي تسويق بيئوي، تستغل السعودية الزيادة في عائداتها النفطية لانشاء مدن جديدة مسماة رسميا «مدنا اقتصادية»، شبيهة بمفوهمها بتجمعات الـ Clusters (1) الأنغلوساكسونية.
بدأ بناء احداها، وهي مدينة الملك عبدالله الاقتصادية KAEC، في يناير 2005 ويرتقب انجازها في 2016. أضخم بكثير من «مصدر» أو من «درة البحرين»، تمتد مدينة الملك عبدالله على 168 كلم مربعا وكلفتها 67 مليار دولار. وستضم مرفأ للحاويات، ومسبك ألمنيوم، ومحطة يمكنها استقبال 500 ألف حاج الى مكة المكرمة، وعدة آلاف من المساكن الجماعية لاستيعاب مليوني شخص.
ويشير علينا مسؤولو الهيئة العامة السعودية للاستثمار، وهي الهيئة الموكلة بمشاريع المدن الجديدة: «ان هذه المدينة تشكل قلب المنظومة السعودية في ما يتعلق بالمدن الاقتصادية الجديدة. اذ عليها تأمين النمو الصناعي لمنطقة جدة، موفرة في الوقت نفسه امكانات سكن جديدة للسعوديين». في حين تبرز مدن جديدة أخرى بشكل خاص «اقتصاد المعرفة»، على غرار «مدينة المعرفة الاقتصادية» KEC، المتوقع تشييدها على مقربة من المدينة المنورة، وحيث تريد السلطات السعودية أن تخلق المرادف المحلي لـ«وادي السيليكون Silicon Valley .
ولكن رغم ضخامته، لا يقنع برنامج المدن الاقتصادية الذي تطوره السعودية جميع الاختصاصيين. اذ يتساءل عدد من الاقتصاديين، ومنهم خبراء محليون، عما اذا كانت هذه المشاريع، عندما ستسلم، لن تشابه «فيلة بيضاء»، تلك المصانع والانشاءات الجاهزة للاستعمال، التي تم استيرادها الى بلدان العالم الثالث ولم يتم استخدمها البتة.
يشرح أحد اداريي المصرف السعودي-البريطاني SABB، قائلا: «يقوم الرهان على الذهاب أبعد في تصنيع البلاد. لكن هذه المدن المستقبلية، وما ستحويه من أنشطة اقتصادية، لن تتمكن من الاستمرار الا اذا أدرجت ضمن العولمة، مما يستوجب جلب الشركات الأجنبية للعمل انطلاقا منها. هذا الأمر برمته ليس مكفولا، مع أن الأحوال الاقتصادية الحالية جيدة.
من بين المعوقات، غالبا ما تذكر مسألة «سعودة» الوظائف. وهنا يعترف الاداري في المصرف السعودي-البريطاني بـ«أن هناك تناقضا. اذ على هذه المدن الجديدة أن توفر 1،3 مليون وظيفة جديدة للسعوديين، لكن الشركات الأجنبية ما زالت متحفظة حيال استخدام اليد العاملة المحلية، وتضغط لتتمكن من استقدام موظفين من آسيا. وفي النهاية، الخوف هو من ادامة النموذج الاقتصادي الحالي، الذي يعتمد بشكل أساسي على العمال الأجانب، في حين أن البطالة كبيرة في أوساط الشباب السعودي».
وفي ما يتعلق بمدينة الملك عبدالله، يتخوف العديد من الخبراء السعوديين من أن يأتي نجاحها على حساب مدينة جدة، الرئة الاقتصادية للقسم الغربي من المملكة. هكذا يخشى الوكيل البحري عمر البدشي هذا الأمر، قائلا: «توجد مخاطرة أن تكون هناك ازدواجية بين المدينتين، خاصة في ما يخص نشاط الموانىء. ونأمل ألا تجري عملية نزوح للأنشطة، ذلك لأن العمال الذين يقيمون حاليا في جدة قد لا يتمكنون من الاستثمار للحصول على مسكن داخل المدينة الجديدة».
أراضٍ تؤخذ من المحيط
صعوبة أخرى: هي تأثير هذه المنشآت الجديدة على البيئة. لا يتعلق الأمر فقط بالانبعاثات المستقبلية للمراكز الصناعية السعودية، بل أيضا بما ستتكبده مياه الخليج من أضرار.
في أبو ظبي ودبي، وكذلك في البحرين وقطر، هناك عدة مشاريع مدن جديدة، أو توسيع مدن موجودة أصلا، ستقام على مساحات مأخوذة من المحيط. ولا يؤتى بالمواد المستخدمة من الصحراء، بل غالبا ما تسحب من الأعماق البحرية بواسطة السفن كاسحات الطمي التي تدمر الحيوانات والنباتات البحرية.
جامعية بحرانية تعبر عن اسفها، وتقول: «ان قلة تأثير المجتمع المدني ومحدودية المنظمات البيئية في المنطقة يسهل الاستخدام الكثيف للأعماق البحرية بهدف خلق مساحات صالحة للبناء. وتتأتى ضخامة الأضرار من قوة المنطق الاقتصادي النافذ، خاصة أن المدن الجديدة تشكل مبادرة أرادها الحكام».
يلطف السيد دوغ واتكنسون هذا الرأي. وهو نائب الرئيس المكلف بتطوير «خليج البحرين»، مشروع مدينة جديدة شمال المنامة تبلغ كلفته حوالي ثلاثة مليارات دولار. يرتدي الرجل لباس العمل ويجلس وراء مقود عربة رباعية الدفع، ويسره أن يجول بك في ورشته المليئة بالشاحنات الضخمة. لقد أخذ كامل الكيلومترين المربعين تقريبا من البحر. لكنه يدحض الفكرة القائلة ان استصلاح الأراضي هذا سيضر بالبيئة. ويقول: «لقد تم تجريب تقنياتنا في آسيا، وتحديدا في سنغافوره وهونغ كونغ، وهي لا تأتي سوى بالقليل من الأضرار. نحن نطبقها بسهولة أكبر في الخليج بسبب قلة عمق مياهه».
المشاريع لأجل من؟
وفق الخطاب الرسمي، تتوجه هذه المشاريع بشكل خاص الى المواطنين. ولكن، في الحقيقة، يتطلع عدد منها نحو المستثمرين الأجانب الذين يتلقون وعودا بالحصول على ممتلكات فاخرة. حتى ان كل دول المنطقة قد غيرت تشريعاتها بهدف السماح للأجانب بامتلاك العقارات.
يبين موسى لبيدي: «اذ ما تصفحنا المنشورات الاعلامية والاعلانات، فلن تكون هذه المدن الجديدة سوى ترف واستجمام. وتكمن المشكلة في أن الطبقات الخليجية الوسطى قد لا تتوافر لها القدرة الشرائية اللازمة كي تقيم فيها، الا اذا راكمت المزيد من الديون». بالفعل، نهاية حزيران، حذرت مذكرة صادرة عن المصرف المركزي للامارات العربية المتحدة من استدانة العائلات التي تتزايد بحكم عمليات المضاربة، وأوصت مصارف المنطقة بتقليص منح قروض عقارية. وفي الحال، أطلقت هذه الوثيقة المخاوف من حدوث انهيار مالي وشيك في الأسواق المالية الخليجية.
يستخلص صلاح ميري، المهندس المعماري ومدير عام «المدينة الزرقاء»، مشروع مدينة جديدة في سلطنة عمان ستنتهي مرحلته الأولى في 2011، الأمور: «بناء مدينة جديدة ليس مجرد اقامة جدران وانتظار الزبائن من الأغنياء الأجانب. يجب أيضا الاندراج ضمن الاستمرارية الثقافية المحلية، بحيث لا تتسبب في تحيير المواطنين. في الوقت الراهن، لا تساهم كثرة الزجاج والفولاذ في ذلك. وعلى طريقتها، تقول المدن الخليجية الجديدة الكثير عن الأسلوب الذي تعتمده بلدان الخليج في تطورها»
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy
 |
|