الجمعة 10 فبراير 2012
|
|
|
Google... هل يحوّلنا إلى مغفّلين؟
10-14-2008 10:12 PM
«دايف، توقف. هلا توقفت رجاءً؟ توقف يا دايف؟» هكذا يخاطب الحاسوب الخارق «هال» رائد الفضاء العنيد دايف بومان متوسلاً إياه في مشهد شهير ومؤثر في نهاية فيلم 2001: A Space Odyssey لستانلي كوبريك. بومان، الذي كان على وشك أن يموت في عمق الفضاء نتيجة تعطّل الآلة، يفكّك بهدوء دوائر الذاكرة الكهربائية التي تتحكم بـ«دماغه» الاصطناعي. يقول هال بلهجة يائسة: «دايف، دماغي يفنى. أشعر بذلك، أشعر بذلك».
أنا أيضاً أشعر بذلك. على مدى السنوات الماضية، انتابني حدس مزعج بأن أحدهم أو شيئاً ما يعبث في دماغي، معيداً رسم الدوائر العصبية وبرمجة الذاكرة. لكن عقلي لا يفنى، حتى هذه اللحظة، لكنه يتغيّر. لم أعد أفكّر بالطريقة التي اعتدت عليها. كان يسهل عليّ الإمعان في قراءة كتاب أو مقال طويل، فيفتتن عقلي بالقصة أو بمنعطفات الجدال، وأمضي ساعات أهيم في فقرات طويلة. لكن أصبح ذلك نادر الحصول راهناً. بعد قراءة صفحتين أو ثلاث، أتوتّر وأشرد وأبدأ بالبحث عن أمر آخر للقيام به. أشعر كما لو أنني أجر دوماً دماغي الشارد إلى النص. صارت القراءة المعمقة التي كانت تأتي بالفطرة تتم بشق الأنفس.
أظنني أعرف ماذا يجري. على مدى أكثر من عقد، أمضيت وقتاً طويلاً على شبكة الانترنت، أبحث وأبحر وأضيف أحياناً إلى قواعد المعلومات الضخمة للانترنت، والبحث الذي كان يتطلب أياماً في المكتبات المكدسة بالكتب يمكن أن ينجز الآن في دقائق. عبر إجراء بضعة أبحاث على «غوغل» والضغط سريعاً على الوصلات التشعبية، أحصل على ما أريد. عندما لا أكون منهمكاً في عملي، أطوف في غابات المعلومات على الشبكة، أقرأ وأكتب الرسائل الالكترونية وأتفحص العناوين الرئيسة وإعلانات المدونات، وأشاهد أشرطة الفيديو وأستمع إلى وسائل الإعلام الرقمية، أو أتنقل من رابط إلى آخر.
ذكر كلايف طومبسون في كتابه Wired: «يمكن أن يشكل الاستحضار الكامل لذاكرة السيليكون نعمةً كبيرة للتفكير». لكن لتلك النعمة ثمنها، وكما أشار الباحث النظري في وسائل الإعلام مارشال ماكلوهانفي في ستينيات القرن العشرين، «لا تعتبر وسائل الإعلام مجرد قنوات سلبية من المعلومات»، فهي تزوّد الفكر بالمعلومات، لكنها ترسم أيضاً عملية التفكير. ما تفعله شبكة الانترنت على ما يبدو هو إضعاف قدرتي على التركيز والتأمّل. يتوقع عقلي الآن امتصاص المعلومات بالطريقة التي توزّعها الشبكة، أي في مجرى متحرك من الجزيئات. سابقًا، كانت أشبه بغطاس في بحر من الكلمات، في حين أنزلق الآن على السطح كما لو أنني أقود دراجة للتزلج.
لست وحدي من يفكّر بتلك الطريقة. حين أخبر أصدقائي ومعارفي بشأن المشاكل التي أعانيها مع القراءة، معظمها من النوع الأدبي، يقول كثر منهم إنهم مرّوا بتجارب مماثلة. كلما زاد استخدامهم للشبكة، زادت صعوبة الحفاظ على تركيزهم على مؤلفات طويلة الفقرات. كذلك أقرّ سكوت كارب، الذي يكتب في إحدى المدونات حول وسائل الإعلام على شبكة الانترنت، بأنه توقف عن قراءة الكتب جميعها. يقول: «تخصصت في مجال الأدب وكنت دوماً قارئ كتب نهماً. ما الذي حدث؟». يأخذ في تخمين الإجابة: «ماذا لو أنني أقوم بجميع قراءاتي على الانترنت بسبب تغيّر الطريقة التي أفكر بها وليس تلك التي أقرأ بها، أي أنني أسعى إلى وسيلة للراحة؟».
كذلك، ذكر بروس فرايدمان، الذي يكتب بانتظام في مدونات حول استخدام الحواسيب في الطب، كيف غيّرت الانترنت عاداته الفكرية. كتب في وقت سابق من هذا العام: «خسرت الآن كامل قدرتي تقريباً على القراءة واستيعاب مقال طويل سواءً كان الكترونياً أو مطبوعاً». أسهب فرايدمان، عالم الأمراض الذي عمل لفترة طويلة في كلية الطب في جامعة ميتشيغان، في شرح تعليقه خلال مكالمة هاتفية معي. يقول إن تفكيره أصبح يعمل بشكل تقطعي، عاكساً الطريقة التي يتفحص فيها بسرعة فقرات قصيرة في النص من مصادر كثيرة على الشبكة. يعترف قائلاً: «لا أستطيع قراءة رواية War and Peace, فقدت القدرة على القيام بذلك. حتى يصعب علي استيعاب إعلان على مدونة يضم أكثر من 3 أو 4 فقرات. أمرّ مرور الكرام عليه».
الحكايات وحدها ليست دليلاً كافياً، لذا نحن ما زلنا في انتظار التجارب العصبية والنفسية الطويلة الأمد التي ستعطينا صورة نهائية حول كيفية تأثير استخدام الانترنت في القدرة المعرفية. لكن وفقاً لدراسة نشرت أخيراً حول عادات البحث الالكتروني، والتي أجراها علماء من جامعة لندن، قد نكون فعلاً في خضم نقطة تحوّل في الطريقة التي نقرأ ونفكر بها. كجزء من برنامج البحث الذي دام خمس سنوات، عمد العلماء إلى فحص شريط البيانات على الحاسوب والذي يوثّق سلوك الزوار لموقعين شهيرين، أحدهما يشغل من قبل «المكتبة البريطانية» والآخر من قبل إحدى الجمعيات التربوية البريطانية، يسمحان بالولوج إلى مقالات صحافية وكتب الكترونية، وغيرها من مصادر المعلومات المكتوبة. اكتشفوا أن الأشخاص الذين يستخدمون تلك المواقع أظهروا «نوعاً من التصفح»، متنقلين من مصدر إلى آخر، ونادراً ما يعودون إلى مصدر زاروه سابقاً، وهم عادةً لا يقرأون أكثر من صفحة او اثنتين من مقال أو كتاب قبل أن يقفزوا إلى موقع آخر. قد يحفظون أحياناً مقالاً طويلاً، لكن ما من دليل على أنهم يرجعون إليه ويقرأونه.
قراءة جديدة
يقول أصحاب الدراسة: «واضح أن المستخدمين لا يقرأون عن شبكة الانترنت بالمعنى التقليدي. بالفعل ثمة مؤشرات إلى ظهور أشكال جديدة من القراءة مع تصفّح المستخدمين بسرعة فائقة وبشكل أفقي العناوين، وصفحات المحتويات والملخصات للحصول على أكبر كمية من المعلومات بشكل سريع. يبدو أنهم يستعينون بالانترنت لتفادي القراءة بالمعنى التقليدي».
بفضل وجود النص الكلي على الانترنت، فضلاً عن شعبية تبادل الرسائل النصية على الهواتف الخليوية، قد نكون بصدد القراءة اليوم بشكل متزايد عما كنا عليه خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، عندما كان التلفزيون وسيلتنا الإعلامية المفضّلة. لكنها قراءة مختلفة يكمن وراءها شكل مختلف من التفكير، وحتى على الأرجح حس مختلف للذات. في هذا الإطار، تقول ماريان وولف، اختصاصية في علم النفس التنموي في جامعة تافتس ومؤلفة كتاب Proust and Squid: The Story and Science of the Reading Brain: «لسنا ما نقرأه فحسب، إنما أيضاً كيف نقرأه». تخشى وولف من أن يكون أسلوب القراءة الذي تروّجه شبكة الانترنت، وهو أسلوب «فاعل» و{فوري» مقارنةً بالأساليب الأخرى، يضعف قدرتنا على القراءة المعمقة التي أبصرت النور عندما أعدت وسيلة تكنولوجية مبكرة، أي الصحافة المطبوعة، أعمالاً طويلة ومعقدة من الكتابات النثرية. على حد قولها، عندما نقرأ عن شبكة الانترنت، نميل إلى أن نصبح «مجرد مفكرين نفك رمز المعلومات». تظل قدرتنا على فهم نص، أي على إيجاد الترابطات الفكرية الغنية التي تتشكل عندما نقرأ بشكل متعمق ومن دون أن يشرد ذهننا، محررة بشكل واسع.
تفسر وولف بقولها إن القراءة ليست مهارة غريزية للبشر، لأنها ليست محفورة في مورثاتنا كما هو الكلام. لذلك، علينا تلقين عقلنا كيفية ترجمة الأحرف الرمزية التي نراها في اللغة التي نفهمها. بالتالي، تؤدي وسائل الإعلام وغيرها من الوسائل التكنولوجية التي نستعين بها لتعلّم حرفة القراءة وممارستها دوراً مهماً في رسم الدوائر العصبية داخل دماغنا. تثبت التجارب أن قراء الرموز، كما الصينيين، يطورون دوائر عصبية للقراءة تختلف عن تلك التي نجدها لدى البعض منا ممن يستخدم الأحرف الأبجدية. تمتد الاختلافات في مناطق كثيرة في الدماغ، بما في ذلك تلك التي تحكم وظائف معرفية أساسية مماثلة كالذاكرة وتفسير المحفزات البصرية والسمعية. بإمكاننا توقّع أن تكون الدوائر التي تُنسج بفعل استخدامنا للانترنت مختلفة عن تلك التي ننسجها عند قراءتنا كتبًا وأعمالاً مطبوعة أخرى.
في مرحلة ما من العام 1882، اشترى فريديريك نيتشي آلة كاتبة، وتحديداً Hansen Writing Ball من ابتكار مالينغ. كان بصره بدأ يضعف، وأصبح متعباً ومؤلماً بالنسبة إليه التركيز على صفحة، الأمر الذي كان يسبب له غالباً حالات صداع خطيرة. أُجبر عندئذ على الحد من الكتابة، وخشي من أن يضطر قريباً إلى التخلي عنها كلياً، فأنقذته الآلة الكاتبة، على الأقل لفترة موقتة. ما إن أتقن الطباعة، استطاع الكتابة بعينين مغمضتين، عبر استخدام أطراف أصابعه فحسب. تمكنت الكلمات من التدفّق مجدداً من عقله إلى الصفحة.
لكن كان للآلة أثر خفيف على عمله. لاحظ أحد أصدقاء نيتشي وهو ملحّن، تغييراً في أسلوبه الكتابي، إذ أصبحت كتابته النثرية المقتضبة سلفاً أكثر اقتضاباً. كتب له هذا الصديق في رسالة «لعلك بواسطة هذه الأداة ستعتمد أسلوباً جديداً»، لافتاً إلى أنه في أعماله الخاصة «غالباً ما تعتمد أفكاره في الموسيقى واللغة على نوعية القلم والورق».
أجابه نيتشي: «أنت محق. معدات الكتابة التي نستخدمها لها دور في تشكيل أفكارنا». في هذا الإطار، كتب العالم الإعلامي الألماني فريديريك أ. كيتلر أنه في ظل سيطرة تلك الآلة، «تحولت كتابة نيتشي النثرية من الحجج إلى الأقوال المأثورة، ومن الأفكار إلى التلاعب اللفظي، ومن الأسلوب البلاغي إلى الرسائلي».
دماغ الإنسان مطواع بشكل لامتناهٍ. كان الناس يعتقدون بأن شبكتنا الفكرية، أي الصلات الكثيفة التي تشكلت من بين 100 مليار أو ما يقارب ذلك من الخلايا العصبية داخل جماجمنا، تحددت بشكل كبير ما إن بلغنا سن الرشد. لكن الباحثين في مجال الدماغ اكتشفوا أن تلك الحالة لا تنطبق عما نحن بصدده. في هذا الإطار، يقول جايمس أولد، وهو أستاذ في علم الأعصاب يدير معهد كراسنو للدراسات المتقدمة في جامعة جورج ماسون، إنه حتى العقل الراشد «في غاية الليونة». تفكك الخلايا العصبية دائماً الصلات القديمة وتشكّل صلات جديدة. وفقاً لأولد، «يملك الدماغ القدرة على إعادة برمجة نفسه ديناميكياً، مغيراً الطريقة التي يعمل بها».
في الوقت الذي نستخدم فيه ما يسميه عالم الاجتماع دانييل بيل «وسائلنا التكنولوجية الفكرية»، أي الوسائل التي تمدد قدراتنا الفكرية بدلاً من الجسدية، نبدأ حتماً باستخدام مزايا الوسائل التكنولوجية تلك. الساعة الميكانيكية، التي شاع استخدامها في القرن الرابع عشر، خير مثال على ذلك. وصف المؤرخ والناقد الثقافي لويس مامفورد في كتابه In Technics and Civilization، كيف «فصلت الساعة الزمن عن الأحداث البشرية وساعدت في توليد الإيمان بعالم مستقل من الأحداث القابلة للقياس حسابياً». أصبح «إطار العمل النظري للزمن المجزأ نقطة المرجع للعمل والفكر».
يشار إلى أن تكتكة الساعة المنتظمة ساهمت في توليد الفكر العلمي والإنسان العلمي، لكنها سلبتنا أيضاً أمراً آخر. لاحظ عالم المعلوماتية الراحل في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا جوزف وايزنباوم في كتابه الصادر عام 1976، Computer Power and Human Reason: From Judgment to Calculation، يبقى مفهوم العالم الذي أبصر النور نتيجة الاستخدام الواسع الانتشار للأدوات التي تسجل الوقت «نسخة محدودة مقارنةً بالقديمة، لأنها تقوم على رفض تلك التجارب المباشرة التي شكلت بالفعل أساس الواقع القديم». عبر تحديد متى نأكل، نعمل، ننام، ومتى ننهض، توقفنا عن الإصغاء إلى حواسنا وصرنا نطيع الساعة.
تنعكس عملية التكيّف مع الوسائل التكنولوجية الفكرية الجديدة في الرموز المتغيرة التي نستخدمها لشرح أنفسنا لأنفسنا. عندما وصلت الساعة الميكانيكية، بدأ الناس يفكرون في أن عقولهم تعمل «كما الساعة». في عصر البرمجيات، اليوم، بلغ بنا التفكير إلى أنها تعمل «كما الحواسيب». لكن التغييرات، وفقاً لعلم الأعصاب، تطال أكثر من مجرد الرمز. بفضل ليونة أدمغتنا، تحدث عملية التكيف أيضاً على مستوى بيولوجي.
آثار واضحة
من جهة أخرى، يَعِد الانترنت بتوليد آثار واسعة النطاق، خصوصًا على المعرفة. في مقال نُشر عام 1946، أثبت عالم الرياضيات ألان تيورينغ أن حاسوباً رقمياً، الذي كان حاضراً آنذاك كآلة نظرية فحسب، يمكن أن يبرمَج لأداء وظيفة أي جهاز آخر يعالج المعلومات. هذا ما نشهده اليوم. يضم الانترنت، الذي يعتبر نظاماً حاسوبياً فائق الفاعلية، معظم وسائلنا التكنولوجية الفكرية، فهو على وشك أن يصبح خارطتنا وساعتنا وصحافتنا المطبوعة وآلة الكتابة خاصتنا، وآلتنا الحاسبة وهاتفنا ومذياعنا وتلفزيوننا.
عندما تتضمن شبكة الانترنت وسيلة إعلام، يعاد تشكيل الأخيرة على صورة الشبكة، فتحقن محتواها بواسطة الوصلات التشعبية، والإعلانات الوامضة، وغيرها من الترهات الرقمية، وتحيط به بواسطة محتوى وسائل الإعلام الأخرى كافة التي امتصتها. قد تعلن رسالة إلكترونية جديدة مثلاً عن وصولها في الوقت الذي نطلع فيه على آخر العناوين الرئيسة على موقع إحدى الصحف. النتيجة، تشتيت انتباهنا وتركيزنا.
لا يقتصر تأثير الانترنت على مستوى شاشة الحاسوب. مع انسجام عقول الناس مع موجة وسائل الإعلام الالكترونية الجامحة، على وسائل الإعلام التقليدية التكيّف مع توقعات الجمهور الجديدة. تضيف برامج التلفزيون مساحات نصية على الشاشة وإعلانات تنشأ فجأة، وتقصر المجلات والصحف مقالاتها، وتدرج ملخصات، وتملأ صفحاتها بقصاصات من المعلومات يسهل تصفّحها. عندما قررت صحيفة نيويورك تايمز في مارس (آذار) من هذا العام تخصيص صفحتيها الثانية والثالثة من كل نسخة لملخّصات المقالات، شرح مدير قسم التصميم فيها، طوم بودكين، أن الاختصارات ستعطي القرّاء المنزعجين «طعماً» سريعاً لأخبار اليوم، موفرةً عليهم الطريقة «الأقل فاعلية» المتمثلة في قلب الصفحات وقراءة المقالات. لا تملك وسائل الإعلام القديمة خياراً آخر سوى اتباع قواعد لعبة وسائل الإعلام الجديدة عينها.
لم يحدث أن أدى نظام للتواصل مثل تلك الأدوار في حياتنا، أو مارس تأثيراً واسعاً على أفكارنا، كما يفعل الانترنت اليوم. إلا أنه بالنسبة إلى كل ما كتب حول شبكة الانترنت، لم يعط اهتماماً كبيراً للطريقة التي يعيد برمجتنا فيها بالضبط، فأدبيات الانترنت الفكرية لا تزال غامضة.
هيمنة «غوغل»
يعتبر مقر شركة غوغل في ماونتاين فيو في كاليفورنيا الذي يدعى Googleplex، السلطة العليا على شبكة الانترنت، وتسمى الطقوس التي تمارس داخلها مذهب تايلور. في هذا السياق، يقول الرئيس التنفيذي لشركة غوغل إن الأخيرة «شركة تأسست حول علم القياس»، وهي تعمل جاهدةً «لتنظيم كل» ما تقوم به. عبر استخدام وحدات قياس البيانات السلوكية التي تحصلها بالتيرابايت من خلال محرك البحث التابع لها وغيره من المواقع، تجري الشركة آلاف الاختبارت في اليوم، وفقاً لمجلة Harvard Business Review، وتستخدم النتائج لصقل المسائل الحسابية التي تسيطر بشكل متزايد على كيفية البحث عن المعلومات واستخراج المعنى منها. ما قام به تايلور في ما يتعلق بالعمل الكتابي، طبّقته غوغل على العمل الفكري.
أعلنت الشركة أن مهمتها تقضي «بتنظيم المعلومات الصادرة من أنحاء العالم كافة وجعلها مفيدة وفي متناول الجميع». كذلك تسعى إلى تطوير «محرك البحث المثالي» والتي تعرفه بأنه محرك «يفهم بالضبط ما تقصده ويعطيك الإجابة الدقيقة التي تطلبها». في نظر غوغل، تعتبر المعلومات سلعةً، أي مورد نفعي يمكن أن يستخرج ويعالج بفاعلية صناعية. كلما زادت كمية المعلومات التي نستطيع «الولوج» إليها وأسرعنا في استخراج فحواها، زادت إنتاجيتنا كمفكرين.
إلى أين يؤدي ذلك؟ يتحدث سيرغي برين ولاري بايج، الرجلان الموهوبان اللذان أسسا شركة غوغل خلال متابعتهما شهادتي الدكتوراه في علم المعلوماتية في جامعة ستانفورد، مراراً عن رغبتهما في تحويل محرك البحث الذي ابتكراه إلى عقل اصطناعي، أي آلة شبيهة بـ{هال» يمكن وصلها مباشرةً إلى أدمغتنا. يقول بايج: «محرك البحث المثالي ذكي بقدر الإنسان أو حتى أذكى. بالنسبة إلينا، يعتبر العمل على محرك للبحث وسيلة للعمل على عقل اصطناعي». في المقابل، قال برين خلال مقابلة أجرتها معه مجلة {نيوزويك}: «ما من شك في أنه لو كانت المعلومات العالمية كافة موصولة مباشرةً إلى دماغك، أو إلى دماغ اصطناعي أذكى من دماغك، ستكون في وضع أفضل». أخبر بايج العام الماضي مجموعة من العلماء بأن شركة غوغل «تحاول فعلاً ابتكار عقل اصطناعي وتخطط لتنفيذ ذلك على نطاق واسع».
مثل ذلك الطموح طبيعي ومثير للإعجاب، بالنسبة إلى عبقريين في مجال الحساب يملكان مبالغ طائلة تحت تصرّفهما وجيشاً صغيراً من علماء الكومبيوتر في خدمتهما. رغم ذلك، من المقلق أن يفترضا بكل بساطة أننا سنكون جميعاً «في حال أفضل» في حال زودت أدمغتنا، أو حتى استبدلت، بعقل اصطناعي. يتضمن ذلك اعتقاداً بأن الذكاء هو نتاج عملية فكرية، أي سلسلة من الخطوات المنفصلة التي يمكن عزلها، قياسها، أو تحسينها. في عالم غوغل، أي العالم الذي ندخله عندما نبحر على الشبكة، لا مكان لغموض التفكر. الغموض ليس انفتاحاً على البصيرة بل خللاً يجب إصلاحه. كذلك، فإن دماغ الإنسان مجرد حاسوب قديم الطراز يحتاج إلى وحدة تشغيل أسرع ومحرك صلب أكبر.
من جهة أخرى، فكرة أن عقولنا يجب أن تشتغل بقدر الآلات الفائقة السرعة التي تعالج البيانات ليست مدمجة فحسب في وظائف الانترنت، وإنما في نموذج الأعمال المسيطر على الشبكة أيضاً. كلما أسرعنا في الإبحار عبر الشبكة- أي كلما ضغطنا على مزيد من الروابط واطلعنا على مزيد من الصفحات - أتيحت فرص أكبر أمام غوغل وشركات أخرى لجمع معلومات حولنا وتزويدنا بالإعلانات. يملك معظم اصحاب الانترنت التجاري حصة مالية في جمع فتات البيانات الذي نخلفه وراءنا ونحن نقفز من رابط إلى آخر، فكلما زاد الفتات، كان أفضل. لذلك، آخر ما ترغب فيه تلك الشركات هو تشجيع القراءة خلال أوقات الفراغ أو التفكير البطيء والمركز، لأن تشريد ذهننا يصب في صلب مصلحتها الاقتصادية.
نظرة متشائمة
لعلّني مجرد متشائم، فكما هناك ميل إلى تعظيم التقدم التكنولوجي، ثمة نزعة مضادة إلى توقُّع الأسوأ من كل أداة أو آلة جديدة. في كتاب Phaedrus لأفلاطون، تحسَّر سقراط على تطوّر الكتابة. خشي من أنه في الوقت الذي يوشك فيه الناس على اعتماد الكلمة المكتوبة كبديل عن المعرفة التي اعتادوا حملها في رؤوسهم، قد «يكفّون عن تمرين ذاكرتهم ويصبحون ميالين إلى النسيان». بما أنهم سيتمكنون من «تلقي كمية من المعلومات من دون تعليمات مناسبة»، «قد يُعتقد بأنهم زاخرون بالمعرفة في حين أنهم في معظم الأحيان جهلة». قد «تجتاحهم فكرة الحكمة بدلاً من الحكمة الحقيقية». لم يكن سقراط مخطئاً، فالتكنولوجيا الجديدة غالباً ما ولدت الآثار التي كان يخشاها، لكنه كان قصير النظر. لم يستطع أن يتنبأ بالطرق المتعددة التي قد تستخدمها الكتابة والقراءة لنشر المعلومات وتشجيع الأفكار الحديثة وتوسيع المعرفة البشرية (هذا إن لم يكن الحكمة).
أطلق وصول الصحافة المطبوعة التي أتى بها غوتنبرغ، في القرن الخامس عشر، جولة أخرى من القلق. خشي الخبير الإيطالي في علم الإنسان هييرونيمو سكاورسيافيكو من أن يؤدي التوافر السهل للكتب إلى الكسل الفكري، جاعلاً البشر أقل إقبالاً على الدرس ومضعفاً عقولهم. جادل آخرون بأن الكتب والصحف المطبوعة بسعر بخس قد تقوّض السلطة الدينية، وتقلل من نتاج العلماء والكتاب، وتنشر التمرد والانغماس في اللذات، لكن عجز المتشائمون مجدداً عن تخيّل آلاف النعم التي تعود بها علينا الكلمة المطبوعة.
لذلك، شكِّك في ما أشكك به. على الأرجح ستثبت صوابية أولئك الذين يصرفون ناقدي الانترنت أمثال الذين يرفضون التغير التكنولوجي أو الذين يحنون إلى الزمن التقليدي، وسينبع من عقولنا المفرطة النشاط والمغذاة بالمعلومات عصراً جديداً من الاستكشاف الفكري. من جهة أخرى، شبكة الانترنت ليست عبارة عن أحرف أبجدية، ورغم أنها قد تحل مكان الصحافة المطبوعة، فهي تولد أموراً مختلفة كلياً. شكل القراءة المعمقة التي تحفزها سلسلة من الصفحات المطبوعة قيّم ليس بسبب المعرفة التي نكسبها من كلمات الكاتب فحسب وإنما أيضاً بسبب الذبذبات الفكرية التي تطلقها تلك الكلمات داخل عقولنا. في المساحات الهادئة التي تتيحها قراءة كتاب بشكل ثابت ومن دون شرود الذهن، أو عبر وسيلة تفكر أخرى، في ذلك الصدد، ننشئ ترابطاتنا الخاصة ونصيغ الاستنتاجات والتناظرات الوظيفية الخاصة بنا ونحفز أفكارنا. وفقاً لماريان وولف، لا نستطيع تمييز القراءة المعمّقة عن التفكير المعمق.
إن خسرنا تلك المساحات الهادئة، أو ملأناها بـ{محتويات»، سنضحي بأمر مهم ليس في أنفسنا فحسب وإنما أيضاً في ثقافتنا. في مقال نشر أخيراً، حدد الكاتب المسرحي ريتشارد فورمان بطريقة معبّرة ما يحوم حوله الخطر: {أنتمي إلى تقاليد ثقافة غربية، حيث كان النموذج المثالي (نموذجي المثالي) البنية المعقدة والكثيفة والواسعة للشخصية المثقفة والفصيحة، وقد يكون رجلاً او امرأة حملت في داخلها نسخة فريدة ومبنية شخصياً من إرث الغرب الكامل. لكنني أرى الآن من بيننا أجمعين (بمن فيهم أنا) استبدال الكثافة الداخلية المعقدة بشكل جديد من الذات - يتطور تحت وطأة حمل المعلومات الزائد وتكنولوجيا الخدمات المتوافرة بشكل فوري».
بنتيجة الأمر، يستنتج فورمان أنه حين نستنزف «المخزن الداخلي من الإرث الثقافي الكثيف»، نخاطر بأن نتحوّل إلى أشخاص مشتتين وضعفاء خلال اتصالنا بشبكة المعلومات الواسعة التي نلج إليها بمجرد الضغط على أحد الأزرار».
سكنني ذلك المشهد في فيلم 2001: A Space Odyssey. ما يجعله مؤلماً وغريباً جداً، هو رد الفعل العاطفي للحاسوب على تفكك عقله، ويأسه مع تعطل كل دائرة كهربائية فيه، وتوسله رائد الفضاء المشابه لتوسل الأطفال - «أشعر بذلك، أشعر بذلك، أنا خائف»- وعودته النهائية إلى ما يمكن أن يسمى حالة براءة. يتناقض تدفق مشاعر هال مع برودة العواطف التي تتسم بها الشخصيات البشرية في الفيلم، التي تنجز أعمالها بفاعلية آلية تقريباً. تبدو أفكارها وأفعالها مستندة إلى نص، كما لو أنها تتبع خطوات مسألة حسابية. في عالم فيلم 2001، أصبح الأشخاص شبيهين إلى حد كبير بالآلات لدرجة أن معظم الصفة البشرية يبدو كما الآلة. ذلك هو فحوى نبوءة كوبريك القاتمة. في الوقت الذي نوشك فيه على الاعتماد على الحواسيب لإيصال فهمنا الى العالم، يتراجع ذكاؤنا إلى مستوى الذكاء الاصطناعي.
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
مجلة قصيمي نت Magazine Qassimy
 |
|