• ×

11:55 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

الصباح الأخير للحرب العالمية الأولى

 0  0  2.1K
 كان البرد قارصا عندما صمتت الأسلحة. والماء الذي كان ينزل الى الخنادق نال من بزات الحرب التي يرتديها الجنود. كانت الساعة الثالثة فجرا والجندي أليسون ترتعد فرائصه من شدة البرد وهو كان يصطف في الطابور مع باقي زملائه من أفراد السرية الثالثة - التي اشتهرت باسم سرية الرماح الايرلندية الملكية. لم يكن اليسون يعرف انه العرض العسكري الأخير الذي سيشارك به.
ومن حيث الزمن الذي شكل عنصرا في غاية الأهمية في الأحداث الأخيرة لأحد أكثر الحروب تأثيرا على خارطة العالم فإنه تحديدا في الساعة السادسة والنصف كان هذا الجندي الواسع المنكبين والذي يبلغ من العمر 40 عاما والقادم من الشوارع الخلفية لليدز على موعد مع الموت، بل إنه سيدخل التاريخ لأنه سيكون الضحية الأخيرة التي تسقط برصاصة تطلق من رشاش جندي ألماني. وبعد حوالي 90 دقيقة من وفاة هذا الجندي في الحادثة التي مضى عليها 90 سنة بالضبط توقفت الاعتداءات عند الساعة الحادية عشرة صباحا. وهكذا دخل الجندي أليسون التاريخ كونه آخر جندي بريطاني يقتل بالقرب من مونس في بلجيكا في الحرب العالمية الاولى.
وفي الحقيقة أن الجندي اليسون لم يكن ذلك الجندي النموذجي وحسب بل إنه تطوع قبل الحرب. وبدى الأمر غريبا بالنسبة له في أن يعود الى مونس وهو المكان الذي بدأت بالنسبة له فيه الحرب، عندما كان جزءا من قوات الحملة البريطانية المنسحبة،وذلك فقط بعد بضعة اسابيع من اندلاع الحرب في أغسطس 1914.
وخلال هذه السنوات الأربع التي قضاها في الخط الأمامي للجبهة شهد هذا الجندي الذي كان يتمتع بهدوء جم كل أنواع الحرب: كان في الخندق الأمامي عندما دخلت الحرب طريقاً مسدودا، وقاتل أثناء المعارك التي استخدمت فيها الغازات أثناء الهجوم، وكان في سوم في عام 1916 عندما دخلت أول دبابة القتال الفعلي.
قُتلَ الجندي اليسون عندما كان يقوم بواجب الرصد للعدو في غابات الاشجار القريبة من مونس حيث فجأة سُمعَ دوي لطلقات رصاص ومن ثم توفى. وكان أليسون يتحدث قبل لحظات لأصدقائه كيف أنه سيعود قريبا الى ليدز ليلتقي زوجته التي تنتظره هي وابنه ذو الأربع سنوات جيمس.
وبالرغم من مرور 90 سنة على يوم الهدنة الذي تحتفل به فرنسا بمشاركة الدول الحليفة إلا أن البلدان لم تنس أبنائها الذين ضحوا من أجلها، وكانت عندهم الجندية شرف كبير وغالي، لذا فإن لندن احتفلت هذه الأيام بإحياء الذكرى التسعين لليوم الذي عاد فيه السلام للعالم، العالم الذي كانت تمزقه الحرب، وتستذكر الضحايا الذين سقطوا في الحرب بكل فخر واعتزاز.
وضعت أكاليل الزهور على سينوتابف في لندن من قبل ثلاثة من أربعة من الجنود الذين ما زالوا على قيد الحياة وعاشوا تلك الحرب التي أنهت كل الحروب وهم كل من: بل ستون وعمره 108، وهاري باتش 110 أعوام، وهنري النجهام 112 عاماً.
في الأيام التي أدت الى اللحظة التي أطلقت فيها الطلقة الأخيرة سعى الألمان الى إثارة الجدل وحاولوا أن تتم مناقشة الشروط فقد تجمعوا عند عربة المارشال الفرنسي فيرديناند فوتخ في القطار الخاص به والذي كان يقف عند أحد أجناب غابة كومبين. غير أن وفدهم الذي كان يترأسه السياسي الألماني ماثياس ايرزبيرجر قد اُلجمَ الى حد الصمت من جراء الكلام الخشن الذي بادر به المارشال الفرنسي والذي كان في مزاج سيىء بحيث لم يسمح لهم أن يتركهم ان يذهبوا بسلام. لقد كان المارشال غاضبا من الألمان، كما أنه فقد ابنه وصهره في القتال في نفس اليوم.
عندما احتشد الالمان، سألهم المارشال فوتخ ببرود: ما الذي تريدونه مني؟
قال إيرزبيرجر إنهم يريدون التفاوض بشأن الهدنة. رد المارشال فوتخ بشكل قاطع: ليس هناك مفاوضات إن تواجدك هنا فقط لاستلام الشروط مني .
ثم بادر الالمان الى السؤال عما إذا سيتم إيقاف القتال مباشرة، لكن المارشال رفض الإجابة أيضا. وفي النهاية وافق الالمان - المنكسرين والمذلولين - على الاستسلام والإذعان للشروط. كما أنهم وافقوا على سحب جميع القطعات الموجودة في بلجيكا وفرنسا وألساك - لوراين فضلا عن تسليم جميع أسرى الحرب الذين بحوزتهم. ومع هذا فإن الأسوأ من ذلك كان عليهم أن يتخلوا عن كامل ترسانتهم التسليحية. وعلى الجانب الآخر كان الحصار البحري الذي تفرضه القوات البريطانية والذي يقوم في الوقت نفسه بدور تجويع السكان المدنيين الألمان ماثلا في مكانه.
وبالرغم من أن الهدنة كانت وشيكة التنفيذ إلا أن القتال قد استمر. والمعروف أن الاتفاقية وقعت بالضبط في الساعة الخامسة وعشر دقائق في الحادي عشر من نوفمبر. وفي غضون نصف ساعة تقريبا تسربت الأنباء الى مختلف أصقاع العالم و التي كانت تشير الى أن الحرب توقفت. وقد سادت البهجة والأفراح كل مكان. لكن ذلك لم يمتد ليشمل جميع المقاتلين الذين ما زالوا في جبهات المعارك. علما أنه بالنسبة للهدنة لن تصبح سارية المفعول إلا بحلول الساعة الحادية عشرة صباحا.
وقد واصلت القوات الامريكية والبريطانية والكندية والفرنسية قتالها حتى آخر ثانية. وخلال تلك الساعات الستة المتبقية يُقَدَر بأن حوالي أحد عشر ألف إصابة وقعت فيما كانت عقارب الساعة تقترب من الزمن الذي توقفت به الحرب فعليا.
وأن الحقيقة المروعة كانت على الجبهة الغربية، فخلال ذلك الصباح الأخير من الحرب استمر القتال وبلا هوادة من قبل غالبية القادة الميدانيين الذين كانوا يصرون على ان الحرب مستمرة.
لقد كان رقم الضحايا الذي بلغ أحد عشر ألفا - سواء كانوا فقدوا او أصيبوا أو قتلوا في صباح اليوم الأخير من الحرب - يثير الغثيان عند الجميع لاسيما أنه قد تجاوز بكثير حتى عدد الضحايا الذين سقطوا في إنزال اليوم الرابع الذي نُفذَ في عام 1944.
وحول منطقة مونس في بلجيكا كان الجنرال سير أرثر كوري يواصل قيادته للقطعات البريطانية والكندية في اليوم الأخير، ولكن عندما شعر أن النهاية بدأت تلوح، حاول أن يتجنب شلال الدم وهو الأمر الذي جعل عدد القتلى بين قواته قليل نسبيا.
والى الجنوب قليل وبالقرب من فيردن كان الوضع مختلفا تماما. لقد قاد الجنرالات الامريكان القطعات نحو القتال حتى الدقائق الأخيرة وقبل أن تصبح الهدنة سارية المفعول وقع مئات القتلى وآلاف الإصابات وانتاب الكثيرون غضب شديد بعد الحرب بسب هذه الضحايا غير المبررة.
وكما بدى فإن القائد الامريكي الجنرال جون بيرشنج كان ضد الهدنة بحيث إنه صمم على أن يمضي بقوات الحلفاء الى أن يطارد الألمان ويعيدهم الى برلين. وقد أخبر زملاءه القادة: أنهم لن يقروا بأنهم مهزومين إذا أوقفنا إطلاق النار . ومن ثم أضاف وعلى نحو أكثر دقة: سوف نقوم بذلك مرة ثانية إذا انصعنا للهدنة .
وواصل بعض القادة الامريكيون سعيهم نحو تحقيق النصر من أجل أنفسهم وذلك من خلال إرسال رجالهم في واجبات الى أحد الأماكن حتى قبل خمسة عشرة دقيقة من بدء الهدنة. وفي مدينة ستيني فقد الجنرال وليم رايت قائد الفرقة (98) الامريكية أكثر من 300 رجل بعد أن قرر الهجوم على الألمان. والسبب في ذلك أنه سمع بوجود أماكن للاستجمام في المدينة.
ومن جانبه قام زميل رايت الجنرال تشارلس سومريل ومن دون أي مبرر بإرسال جنوده عبر نهر ميوس في وقت متأخر من ذلك الصباح وأخذ يراقب الموقف ما إذا سيتم استهدافهم من قبل عناصر المدافع الرشاشة الألمانية وقذائف المدفعية. ولو كان انتطر أربعة وعشرين ساعة لكان قد شاهد أن بإمكان رجاله أن يسيرون بحرية. وبدلا من ذلك فُقَدَ في هذه اللحظات عدة مئات من الجنود الشباب - الذين كان باستطاعتهم العودة الى أهلهم سالمين - حياتهم بسبب هذه المغامرات غير المحسوبة. وعلى العكس من هؤلاء الأبرياء الذين سقطوا فإن الجنرال سومريل عاش حتى عام 1955 ومات عن عمر ناهز الثامنة والثمانين.
في يوم الحادي عشر من نوفمبر كان الجيش الألماني يعيش حالة من الفوضى وتمرد في الصفوف وانقلب الجنود على ضباطهم. وقد اندلعت ثورة كبرى في صفوف البحرية الألمانية. وحتى القيصر الذي كان في موقف مختلف في بداية الحرب كان غاضبا من الهزيمة وتخلى عن عرشه قبل يومين من سريان الهدنة، وفي النهاية ذهب القيصر الى المنفى في هولندا.
وفي هذه الأثناء ومع أن الدقائق كانت تمضي نحو الساعة الحادية عشرة من ذلك الصباح الأخير إلا أن تساقط الضحايا لم ينقطع على الإطلاق.
عند الساعة العاشرة وخمسين دقيقة صباحا اُطلقََتْ النار على أوغستين تريبتشون من كتيبة المشاة 415 الفرنسية وذلك عندما كان يحمل رسالة تقول سطورها: إن القهوة ستكون جاهزة بعد الموعد المحدد لوقف إطلاق النار. وفي ضواحي مدينة مونس تم اصطياد الجندي الكندي جورج برايس بواسطة بندقية قنص وذلك قبل دقيقتين من أن تعلن الساعة الحادية عشرة.
وفي غابة آرجون حدثت خسارة أفظع من أي خسارة أخرى، فقد تم إصدار الأوامر لكتيبة امريكية لتواصل القتال في الوادي القريب بناء على أوامر من أحد الضباط الذي طلب من جنوده التقدم الى الأمام. ولا تفصل هذه الأحداث عن الساعة الحادية عشرة سوى ثواني معدودات عندما تسببت إطلاقة ألمانية - التي يمكن أن تكون هي الأخيرة التي أُطلِقَتْ في الصراع بإصابة الجندي الامريكي هنري جوثنر في رأسه مما أدى الى مقتله في الحال.
وعندما كان الجنود الامريكيون يندفعون للامام منتشين بالنصر في لحظاته الأخيرة، ما كان من الجنود الالمان المندهشين إلا أن يلوحوا لهم بالتوقف. وعندما دقت الساعة الحادية عشرة، وتقريبا مع سقوط الجندي هنري جوثنر، سكتت إطلاقات النار وعم الصمت. وهكذا فإن الحرب قد وضعت أوزارها في النهاية، وصمت هدير الأسلحة، ولكن في مدينة مونس وقف جندي الرشاشة الالماني منتصبا وعلى مرأى من الجنود الجنوب افريقيين، وخلع خوذته وانحنى بشجاعة لهم ومن ثم سار في طريقه.
وعلى امتداد أجزاء من الجبهة الغربية كان الجنود المنهكين والمنقسمين الى أعداء قبل ثواني قليلة يسيرون نحو بعضهم البعض ليتصافحوا ويتبادلوا حتى الهدايا.
لقد كانت لحظات تضج بالمشاعر المنفلتة طفت بعد حرب مروعة أكلت الأخضر واليابس وامتدت ل 1568 يوما وخلفت إرثا من المآسي والمعاناة. وكان على العديد من الجنود أن يعودوا الى أوطانهم وهم يحملون أشكالا مختلفة من الجراح غير المندملة ومنها المادي والنفسي، والذي سيرافقهم طيلة الزمن المتبقي من حياتهم.
وفي الولايات المتحدة طُرحَتْ أسئلة كثيرة عن الأسباب التي اضطرت الجنود الى مواصلة القتال حتى الثواني الأخيرة من الحرب. وقد تم إجراء تحقيق من قبل الكونغرس لكن التقرير تم طمسه لأن الرئيس ولسن لم يكن يرغب في أن يتم إفساد نشوة النصر.
إن العديد من الجنود سُجوا في قبورهم على امتداد الأراضي الفرنسية والبلجيكية. أما الجندي اليسون فإنه ما زال يرقد في المخطط واحد، الصف الثاني، القبر رقم 23 في مقبرة القديس سمفورين العسكرية التي أقيمت بالقرب من المكان الذي قُتلَ فيه.
في الصباح الأخير انفجر الكثير من الجنود الألمان في نوبات بكاء حادة خجلا من الهزيمة التي ألحقت بهم وكذلك لرضوخهم لشروط الهدنة، ولكن جندي من بين هذه الجموع أخبر رفاقه وبشيء من الحماس من أنه أخذ عهدا على نفسه أن يبذل حياته ليغسل هذا العار الذي لطخهم. لقد كان هذا الجندي هو أدولف هتلر.

عن الديلي إكسبريس



متى بدأت الحرب

الحرب العالمية الأولى حرب نشبت بين الحلفاء ودول الوسط عام (1914) وانتهت بانتصار الحلفاء عام (1918). من أسبابها البعيدة نمو النزعة القومية في أوروبا، والصراع السياسي والاقتصادي والاستعماري بين الدول الكبرى، وتصميم الفرنسيين على استرداد الألزاس واللّورين من ألمانيا ، والديبلوماسية السرية التي أدت إلى قيام معسكرين متناحرين في أوروبا: معسكر التحالف الثلاثي الذي ضمّ ألمانيا والنمسا - المجر وإيطاليا وقد انحلّ بدخول ايطاليا وروسيا.
أما سببها المباشر فهو مصرع فارنز فيرديناند، أرشيدوق النمسا ووليّ عهدها، في ساراجيفو في 28 يونيو (1914) م، وهكذا أعلنت النمسا الحرب على صربيا في 28 يوليو(1914) م. وأعلنت ألمانيا الحرب على روسيا أول أغسطس ثم على فرنسا (3 أغسطس) وغزت بلجيكا (4 أغسطس). ثم إن تركيا انضمت إلى جانب ألمانيا والنمسا في 30 اكتوبر (1914) وتبعتها بلغاريا في 5 أكتوبر (1915). أما الحلفاء فانضمّت إليهم اليابان 23 أغسطس(1914) وإيطاليا 23 مايو (1915) والولايات المتحدة الأمريكية 6 أبريل (1917). في مستهلَّ الحرب اجتاح الآلمان بلجيكا ولوكسمبورغ وأجبروا الفرنسيين والبريطانيين على الانكفاء نحو باريس . وسرعان ما قام الحلفاء بهجوم معاكس فكانت معركة المارن 6 9 سبتمبر (1914) التي أوقفت الزحف الألماني على العاصمة الفرنسية. ومن ثم تجمّدت خطوط القتال طوال ثلاث سنوات تحوّل فيها الصراع إلى حرب خنادق. وفي الجبهة الشرقية أنزل الالمان بالقوات الروسية هزائم متلاحقة أدّت إلى سقوط القيصرية مارس (1917) وقيام ثورة اكتوبر الاشتراكية.
وعلى الجبهة الإيطالية هزم النمساويون القوات الإيطالية اكتوبر (1917) ولكن الإيطاليين قاموا بعد عام واحد بهجوم معاكس موفّق (أكتوبر 1918) أما على الجبهة العربية فقد حاول الأتراك الهجوم على قناة السويس ولكنهم أخفقوا في ذلك (فبراير1915). ثم إن القوات العربية - حيث كان الشريف حسين قد أعلن الثورة على العثمانيين في عام (1916) - والقوات البريطانية هزمتهم في فلسطين وسوريا (عام 1918) وفي غضون ذلك كان دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب (6 أبريل 1917) قد غيّر ميزان القوى وقلبه لصالح الحلفاء. فاضّطُرّت القوات الألمانية إلى الانكفاء إلى الحدود البلجيكية، وبعد سقوط بلغاريا (29 سبتمبر 1918)، وتركيا (30 أكتوبر 1918) ، والنمسا(3 نوفمبر 1918) بأيدي الحلفاء انهارت ألمانيا ووقعت الهدنة (11 نوفمبر 1918) ، وهكذا انتهت الحرب بعقد معاهدة فرساي (28 يونيو 1919) م، بعد أن بلغ عدد ضحاياها نحو من تسعة ملايين قتيل في صفوف القوات المسلّحة وحدها.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy