• ×

05:34 مساءً , الأحد 5 يوليو 2020

قائمة

الـ سايبرنايف... هل يقضي على سرطان البروستات؟

 0  0  1.5K
 عام 2001 استخدم الأطباء في المستشفى التابع لجامعة جورج تاون في الولايات المتحدة الأميركية نظاماً إلكترونياً متطوراً لمحاربة أورام الدماغ والنخاع الشوكي التي تصعب مكافحتها بأي سبل أخرى. ثم انضم مركز فيرجينيا الاستشفائي، وعدد من المؤسسات الصحية الأخرى، إلى هذا المستشفى في حملة ترويجية كبرى لمعالجة سرطان البروستات (أحد أكثر أنواع السرطان شيوعاً) بواسطة الجهاز نفسه، الذي يبلغ ثمنه أربعة ملايين دولار ويدعى «جهاز الجراحة الآلية الإشعاعية عن بعد» أو الـ{سايبرنايف»، فأثارت هذه الحملة جدالاً حاداً.

هل يُعتبر هذا الجهاز تقدماً بالغ الأهمية، أم أنه تقنية جديدة تدرّ أرباحاً طائلة فحسب؟

يؤكد مناصرو الـ «سايبرنايف» أن هذا الجهاز يقدِّم لمرضى سرطان البروستات بديلاً آمناً وفاعلاً وأكثر ملاءمة بكثير من العلاج التقليدي بالأشعة. فيما يخشى خبراء كثيرون من أن تجعل هذه التقنية عدداً كبيراً من الناس عرضة لظهور المرض مجدداً والإصابة بمضاعفات خطيرة.

في هذا السياق يوضح د. أنتوني زيتمان (رئيس الجمعية الأميركية للأشعة العلاجية وعلاج الأورام): «ربما يكون الـ «سايبرنايف» وسيلة علاج جيدة وملائمة، وأفضل من العلاج التقليدي، لكنه قد يتحوّل إلى كارثة لأن فاعليته لا تزال غير مثبّتة».

أمان وفاعلية

يصر أنصار الـ «سايبرنايف» على أن الأدلة المتوافرة صارت كافية لتجعلهم واثقين بأن هذا الجهاز هو على الأقل بجودة العلاجات التقليدية. وهو، حسبما يقولون، يحول دون حدوث وفيات غير ضرورية لأنه يخفف من وطأة العلاج. ولأنه يستهدف الأورام بدقة أكبر وبجرعات أعلى من الأشعة، يبدو أنه أكثر أماناً وفاعلية، على حدّ تعبيرهم.

يقول د. شون كولنز من جامعة جورج تاون: «أعتقد أن هذا الجهاز يشكل إضافة مهمة إلى علاج سرطان البروستات. بهذه الطريقة سنتمكن بلا شك من إنقاذ حياة عدد أكبر من الناس».

في المقابل، يخشى بعض الأطباء من أن تكون محاولة توسيع استعمال الـ «سايبرنايف» مرتبطة في جزء منها بحوافز مالية: يبيع المصنِّع مزيداً من الآلات، وترغب المستشفيات والعيادات الخاصة في استرداد ثمن هذا الجهاز الباهظ. يذكر أن أطباء جهاز البول قد يحصلون على 1200 دولار من برنامج الرعاية الصحية مقابل كل مريض يختار هذا العلاج. حول هذه المسألة يذكر د. لويس بوترز (رئيس مجلس السياسة الصحية في الجمعية الأميركية للأشعة العلاجية): «غالباً ما يكون المال هو الدافع. وهذا مؤسف فعلاً. فسرطان البروستات شائع جداً، لذا يمثل غنيمة سهلة المنال تدر أرباحاً وفيرة».

يعكس هذا الجدال مشاكل قد تنشأ عندما تُطرح في الأسواق تقنيات علاجية جديدة ومكلفة قبل أن يتسنى للباحثين تقييم مخاطرها وفوائدها بدقة وعناية. «ثمة عوامل عدة تجتمع معاً فتروّج بيع سلعة ما»، تقول ديان روبرتسون من معهد ECRI (منظمة مستقلة لا تتوخى الربح تعمل على تقييم التقنيات الطبية). وتضيف: «لدينا تقنية واعدة تعود بالربح الوفير ومستشفيات تخوض منافسة قوية. ويكفي أن تجتمع هذه العوامل معاً لتساهم في انطلاق أي تقنية».

جلسات قليلة

يصيب سرطان البروستات أكثر من 186 ألف رجل أميركي سنوياً ويقتل أكثر من 28 ألفاً. نتيجة لذلك، يحتل هذا المرض المرتبة الثانية بين أكثر أنواع السرطان شيوعاً، بعد سرطان الجلد. كذلك يحتل المرتبة الثانية بين أنواع السرطان التي تؤدي إلى وفاة الرجال، بعد سرطان الرئة.

نظراً إلى أن الورم غالباً ما ينمو ببطء في البروستات، يطلب كثيرون من طبيبهم مراقبته عن كثب، وتشمل أكثر العلاجات شيوعاً استئصال البروستات أو اعتماد أنواع مختلفة من العلاج بالأشعة، منها «الحبوب» المشعة التي تُزرع في الغدة أو العلاج الإشعاعي الخارجي الذي يعرض الورم لجرعات متدنية نسبياً موزعة على 40 جلسة تدوم كل منها 15 دقيقة. قد تؤدي هذه العلاجات كافة إلى مضاعفات، مثل سلس البول والنزف ومشاكل في التبوّل والانتصاب.

يتيح جهاز «سايبرنايف» للرجال الانتهاء من العلاج في غضون أربع أو خمس جلسات، لأنه في كل مرة يعرّض الورم بدقة أكبر لأربعة أضعاف جرعة الأشعة المعتمدة في العلاج التقليدي. يحقن الأطباء أربع أسطوانات ذهبية صغيرة في غدة البروستات ليحصلوا على هدف محدد. ويبقى المريض ممدداً على ظهره طوال الجلسة التي تستغرق ساعة. فتبدأ الذراع الآلية بالدوران مطلقة عشرات الأشعة من زوايا متعددة.

«قد يستهدف الطبيب الورم بجرعات عالية جداً بطريقة تتلاءم مع حاجات كل مريض»، بحسب عمر داود من شركة Accuray في كاليفورنيا. يُذكر أن هذه الشركة باعت أكثر من 90 جهازاً في الولايات المتحدة بعد أن بدأ الأطباء باستخدام هذه الآلة لمعالجة أنواع أخرى من السرطان. ويستطرد داود موضحاً: «ربما تُحدث هذه الآلة ثورة في علاج سرطان البروستات».

يؤكد داود أن أكثر من ألفي مريض يعانون سرطان البروستات عولجوا بهذه الطريقة. فهذه الألة، على حد تعبيره، فاعلة كما العلاج التقليدي، ولها المقدار نفسه، أو ربما أقل، من الآثار الجانبية القصيرة الأمد. يشير بعض الدراسات إلى أن هذا الجهاز يبقى آمناً وفاعلاً مع مرور الزمن. يذكر أن شركة Accuray تموّل دراستين جديدتين في مواقع كثيرة من الولايات المتحدة.

انتشار

يذكر كولن من جامعة جورج تاون: «يعطي الـ «سايبرنايف»... نتائج ممتازة، أعتقد أنه أفضل خيار بالنسبة الى مرضى سرطان البروستات الذين لا يلائمهم العلاج التقليدي». في مركز فرجينيا الاستشفائي، بدأ هذا الجهاز يتحوّل بسرعة إلى أكثر الخيارات شيوعاً. يوضح مدير قسم معالجة الأورام بالأشعة تيموثي جايمسون: «يختار نصف مرضانا تقريباً العلاج بجهاز سايبرنايف».

عولج روبرت بلايث (56 عاماً) بواسطة هذا الجهاز في مركز فرجينيا الاستشفائي الصيف الفائت بعد أن شُخصت إصابته بسرطان البروستات في مراحله الأولى: «بدا لي هذا الجهاز حلاً ممتازاً».

لم يرغب بلايث في إمضاء الشهرين التاليين على الطريق بين المستشفى ومتجر بيع قطع السيارات الذي يديره في وينشستر. فهذه الرحلة تستغرق أكثر من ساعتين ذهاباً وإياباً: «بما أن هذه تقنية جديدة ومتطورة، بدت لي الخيار الأنسب».

صحيح أن ثمة سبباً بيولوجياً يدعو إلى الاعتقاد بأن عدداً أقل من الجرعات الإشعاعية القوية يساعد في التخلص من سرطان البروستات، لكن المشككين يقولون إن الدراسات التي أجريت حتى الآن قليلة جداً ولم تتابع حالة المرضى مدة كافية.

«لا نملك البيانات التي تدعم فكرة معالجة سرطان البروستات بخمسة أيام من الأشعة»، أكد كيفن كامفوسن من المركز الوطني للسرطان في الولايات المتحدة. وأشار كامفوسن إلى أن هذا الداء قد يعاود الظهور بعد سنوات كثيرة أو حتى عقود. كذلك تؤدي الأشعة القوية، وإن كانت أكثر دقة، إلى أضرار في المستقيم والمثانة والإحليل، مسببة على الأرجح مضاعفات بعد سنوات. يضيف كامفوسن: «ما أخشاه هو احتمال إخفاقنا في معالجة أشخاص كانوا سيشفون لو اعتمدنا العلاج التقليدي».

تتوافر اليوم أنظمة عدة شبيهة بجهاز «سايبرنايف»، لكن هذا الأخير يحظى بحملة ترويج واسعة. ففي منطقة واشنطن، اشترت جامعة جورج تاون إعلانات على الإذاعات وبعثت برسائل إلكترونية مباشرة إلى الأطباء. كذلك عمد مركز فرجينيا الاستشفائي إلى نشر إعلانات في الصحف المحلية وأرسل كتيّبات إلى المنازل المجاورة. أما في المناطق الأخرى، فقد انتشرت لوحات الإعلانات التي تروّج لهذا العلاج. يخبر د. بول والنر (متخصص في معالجة الأورام بالأشعة): «في بعض مناطق فلوريدا، ترى لوحة إعلانية عن هذا الجهاز كل كيلومتر ونصف تقريباً».

وأكد والنر وخبراء آخرون أن مرضى وأطباء كثراً يفترضون أن هذا الجهاز أفضل لأنه جديد».

قلق

على رغم التحفظات، يغطي برنامج الرعاية الصحية وشركات التأمين الخاصة في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة الأميركية تكاليف هذا العلاج التي توازي تقريباً كلفة العلاج التقليدي بالأشعة (نحو 20 ألف دولار إلى 30 ألفاً). لكن بعض شركات التأمين قرر الامتناع عن تغطية هذا العلاج إلى أن تتوافر أدلة إضافية. علاوة على ذلك، أدرك برنامج الرعاية الصحية أنه يولّد عن غير قصد محفزاً مالياً لاستخدام هذا الجهاز. فقرر أن يلزم الأطباء هذه السنة بتقديم الأسباب التي تفرض على البرنامج أن يدفع لهم ثمن علاج كل حالة على حدة.

كذلك يعرب عدد من الخبراء عن قلقهم من أن «سايبرنايف» قد يفاقم مشكلة المرضى الذين يمكنهم تفادي العلاج أو الخضوع لعملية جراحية إنما يوجَّهون نحو العلاج بالأشعة من أطباء يرغبون في جني فوائد مالية من الآلات التي يستخدمونها. يقول زيتمان عن هذا الموضوع: «تشكل إحالة المريض نفسه لتلقي هذا النوع من العلاج من دون استشارة الطبيب مشكلة كبيرة راهناً. وقد يؤدي الـ «سايبرنايف» إلى مشكلة مماثلة».

لكن أنصار الـ «سايبرنايف» يصرّون على أن انتقاد هذا الجهاز يرتبط بتعلّق الأطباء بعلاجاتهم التقليدية ورفضهم التغيير، وخوفهم من أن يسلبهم بديل أفضل مرضاهم. «يدر هذا العمل أرباحاً طائلة. لذلك يسعى كل شخص إلى الحفاظ على منطقة نفوذه»، على حدّ تعبير روبرت ماير، أحد مؤسسي مركز «سايبرنايف» في المعهد السويدي للسرطان في مدينة سياتل.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy