• ×

03:01 صباحًا , الأربعاء 16 أكتوبر 2019

قائمة

بي نظير بوتو..ابنة القدر التي عشقت السلطة

 0  0  2.5K
 هل كانت بي نظير بوتو ضحية للتشدد الديني أم الفساد السياسي؟ هذا السؤال الذي لم تنطلق منه الكاتبة نوال مصطفى في كتابها \"بي نظير بوتو ابنة القدر\" الصادر اخيراً عن مشروع مكتبة الأسرة، فقد انطلقت من كونها كانت منذورة لهذا القدر المأسوي، حتى أنها استعانت بعرافة في دبي التي كانت تقيم فيها قبل عودتها إلى باكستان، قالت لها انها تتخذ الطريق الخطأ، وقالت هي في جريدة لوس أنجلوس تايمز: أعلم أن أياماً صعبة تنتظرني، لكنني أضع ثقتي في الشعب، وأضع مصيري في يد الله . وفي حين نصحها بيرويز مشرف بعدم العودة إلى باكستان، وحاول منعها دستورياً من خوض الانتخابات باستصدار قانون يمنع الترشيح لرئاسة الوزراء للمرة الثالثة، لكن عناد وكبرياء بوتو وقدرها المخبأ في باكستان كان أقوى من كل النصائح والتخويفات، ومن ثم ذهبت كي تلقى مصيرها بين أنصارها وفي البلدة نفسها التي شهدت إعدام والدها عام 1979 وهي روالبندي .

لا يمكن القول بأن بي نظيرـ التي عني اسمها في اللغة الأردية أنها بلا نظير ـ كانت تمثل طفرة أو ظاهرة في الواقع السياسي الباكستاني على مستوى شجرة العائلة، فكل المؤشرات تقول انها ورثت إرثاً سياسياً استطاعت استثماره بقدر ما تستطيع للبقاء في السلطة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمها الإيرانية نصرت بوتو أو شقيقها مرتضى الذي حاول أن يكون خليفة للأب رئيس الوزراء السابق ذي الفقار علي بوتو، حتى أن مؤشرات حياة مرتضى تبرز أنه كان المؤهل بدرجة كبيرة للعب هذا الدور، فما أن قام ضياء الحق بالانقلاب العسكري على ذي الفقار حتى هرب مرتضى إلى أفغانستان الواقعة تحت السيطرة الروسية آنئذ وقام بتكوين تشكيل مسلح \"جناح ذو الفقار\" لمناهضة الحكومة غير الديموقراطية التي رأسها ضياء الحق، وتوزعت عناصر التشكيل بين أفغانستان وباكستان وإيران وعدة دول أخرى، وقاد حملة عالمية لمنع ضياء الحق من إعدام ذي الفقار، واستبدال الحكم بالسجن أو تحديد الإقامة الجبرية، ورغم أن مرتضى نجح في ذلك بشكل كبير غير أن ضياء الحق لم يلتفت لأي من التوسلات العالمية وقام بإعدام رئيسه السابق في ابريل 1979.
السجن و الرأي العام
كانت بوتو في ذلك الوقت ما بين السجن وإثارة الرأي العام لوقف إعدام ذي الفقار، ورغم أنها هي التي أرسلت إلى وكالات الأنباء بأن والدها سيعدم في صباح الغد، غير أن دورها السياسي لم يكن بارزاً بالقدر الكافي، فقد تولت الأم نصرت بوتو قيادة الحزب عقب إعدام ذي الفقار، وما لبثت أن اعتقلت هي وبي نظيربعدما أجل ضياء الحق إجراء انتخابات رئاسة الوزراء، لكنها الام - مرضت بالسرطان، وطلب أطباؤها من ضياء الحق إخراجها للعلاج، فخرجت إلى لندن.
وبعد أن أنهت بي نظيرفترة الاعتقال تولت رئاسة الحزب، لكنها ما لبثت أن أجبرت على الخروج، فلحقت بوالدتها، ثم عادت عام 1986 لتقود حزب الشعب، وتزوجت من رجل الأعمال عاصف زرداري الذي يصغرها بثلاثة أعوام عام 1987، واغتيل ضياء الحق وعدد من مسؤوليه العسكريين بتفجير طائرتهم العسكرية عام 1988، وتهيأت البلاد لدخول انتخابات فاز بها حزب الشعب بأغلبية ضئيلة، وشكلت بي نظير حكومة ائتلافية في ديسمبر من العام نفسه، لتكون أول رئيسة وزراء في بلد إسلامي، فاستمرت في السلطة لمدة عامين من القلاقل والاتهامات بالفساد والتهديد بسحب الثقة، حتى أقالها الرئيس الباكستاني اسحاق خان في أغسطس 1990 بموجب سلطاته الدستورية في إقالة الحكومة والدعوة لانتخابات جديدة، فاز بها نواز شريف.
وظلت بوتو من عام 90 حتى عام 93 تناضل ضد اتهامات الفساد التي لاحقتها وزوجها، هذا الذي اكتسب مسمى زرداري عشرة بالمائة، نظراً لحصوله على هذه النسبة من الصفقات التي كان يقوم بها، كما دب الخلاف بينها وبين أمها نصرت بوتو التي عادت من الخارج، وأصبحت عضوة في المجلس التشريعي، كما أصبحت نائباً لرئيس الوزراء إسحاق غلام خان، كان الخلاف بسبب عودة شقيقها مرتضى الذي سعى إلى أن يكون زعيم الحزب، أو ساعدها الأيمن فيه، على أن تترك زوجها عاصف زرداري، لكن بي نظير التي فازت للمرة الثانية برئاسة الوزراء من عام 1993 حتى 1996 تمسكت بعنادها، بل وزادت من دور زوجها في السلطة، فعينته وزيراً للاستثمارات الخارجية، ووسعت في نفوذه وصلاحياته، حتى قيل ان عائلة بي نظير اختلست ثلاثة مليارات دولار وهي في السلطة، وقال مسؤول باكستاني ان هذه الأموال من تجارة المخدرات.
وظل الخلاف قائماً بين بي نظير وأخيها مرتضى الذي سعى للتحاور مباشرة مع عاصف زرداري، لكن اجتماعهما معاً أتي بتعميق أكبر للخلاف، وانتهى الأمر بمقتل مرتضى في سبتمبر 1996، ورغم أنه لم توجه إدانة قانونية لبي نظير أو زوجها في ذلك، غير أن كل أصابع الاتهام الشعبية اتجهت نحوها، ومن ثم حين أقالها رئيس البلاد بتهمة الفساد، ووقفت وزوجها في المحكمة الباكستانية لتواجه تهمتي الفساد واستغلال النفوذ، ومثلما قضت ثلاث سنوات في السجن عقب فترتها الأولى في رئاسة الوزراء قضت ثماني سنوات عقب الفترة الثانية، وجمدت الحكومة الباكستانية أرصدة عائلة بوتو في البنوك السويسرية، بينما رفضت بريطانيا أن تفعل هذا فيما يخص أموالهم في بنوكها بحجة أنه لا يوجد قانون بين البلدين يسمح بهذا، وقد نال حزب بوتو هزيمة ساحقة أمام نواز شريف عام 1997.
مصير زوجها
وبعد ثلاث سنوات من خروج بوتو من السلطة خرجت بمحض إرادتها من باكستان بأمها وأولادها إلى لندن ثم دبي كي لا تواجه مصير زوجها، ففي يونيو 1998 وجهت مجموعة من المحامين السويسريين اتهاماً لبوتو وزوجها بغسل الأموال في البنوك السويسرية، وفي إبريل 1999 أدانتها محكمة في مدينة روالبندي الباكستانية بتهمة الفساد، وحكمت عليها بالسجن لمدة خمسة أعوام ومنعها من ممارسة العمل العام، وفي ابريل 2001 نقضت المحكمة الدستورية العليا حكم محكمة روالبندي وأمرت بإعادة المحاكمة، لكن بوتو التي دفعت بأوراقها من لندن لم تحضر، وحكمت المحكمة عليها بالسجن ثلاث سنوات، وفي عام 2002 صدر قرار بمنعها من دخول البلاد لعدم حضورها المحكمة، كما أقر برويز مشرف تشريعاً يقضي بعدم السماح بالترشيح للمرة الثالثة لرئاسة الوزراء .
لكنها بحكم علاقاتها مع واشنطن ولندن استطاعت أن تقنع كلا البلدين بأن تتقاسم السلطة مع برويز مشرف لمنع باكستان ذات القوى النووية من السقوط في براثن الإسلاميين، وستكون بمنزلة توازن قوي أمام نفوذهم المتزايد في الجيش وغيره من المؤسسات الإسلامية، هذه التي تربطها بدرجات متفاوته علاقات مع جماعة طالبان المتمركزة على الحدود في أفغانستان، كما أنها ستجعل باكستان جناحاً قوياً في مواجهة محور الشر المتمثل في طالبان وكوريا وإيران حسب التصور الاميركى.
ويبدو أن برويز لم يكن راغباً في هذا الاتفاق، لكنه أصدر قراراً بالعفو عن بعض السياسيين ومنهم بي نظير التي نشطت في التصريح بأنها ستكون رئيسة الوزراء الباكستانية المقبلة، ومن ثم يمكنها إقامة علاقات مع إسرائيل، بل وزيارة الدولة الصهيونية في عقر دارها حال فوزها برئاسة الوزراء، لكن هذه الرئاسة لم يكن برويز مشرف ولا الإسلاميون يرغبونها في الوقت نفسه.
صدام بين الأسلمة والتغريب
لا يمكن القول ان مجهودات زرداري وحدها هي التي جلبت اللعنة على كليوباترا الجديدة حسبما حاولت أن تظهرها نوال مصطفى في كتابها المتعاطف بوضوح مع أول رئيسة وزراء في دولة إسلامية، فهذه اللعنة قديمة قدم شجرة عائلة آل بوتو السياسية في باكستان، وبالتحديد منذ جدها شاه نواز الذي تلقى تعليمه العالي في انكلترا، وعاد ليعمل في السياسة على نقيض والده خودا بوكس الذي كان موظفاً في السكك الحديدية بالهند، ومن ثم أصبح نواز واحداً من كبار السياسيين بمدينة جوناجاد، وجمع ثروة جعلته أكبر مالكي الأراضي في المدينة وعلى رأس قائمة أغنى أغنياء إقليم السند، وتزوج من خورشيد بيجم التي اسلمت وانجبت له ولدا وثلاث بنات، ولم تقل لنا نوال مصطفى عن ديانة لاخي باي قبل أن تصبح خورشيد بيجيم، لكنها قالت أن نواز أنشأ حزب شعب السند عام 1940، وكان على علاقة طيبة بممثل الحكومة البريطانية والحاكم العام لباكستان اسكندر علي ميرزا، الذي تحول فيما بعد إلى رئيس جمهورية باكستان بعد استقلالها عام 1956، وقد جعلت هذه العلاقة من نواز سياسياً شهيراً رغم أن دوره انصب فقط على إقليم السند .
كان الولد الوحيد الذي انجبه نواز هو ذو الفقار علي، ومن ثم أهله من صغره لأن يكون وريثه السياسي، فتلقى تعليمه الأولي في المدرسة العليا لكاتدرائية بومباي، ثم استكمل دراساته العليا في جامعة كاليفورنيا بأميركا ، ثم جامعة بركلي، ثم جامعة اكسفورد في بريطانيا التي حصل منها على شهادة الحقوق، وتزوج مرتين الأولى من ابنة عمه لكنه لم ينجب منها، والثانية من الإيرانية نصرت أصفهاني فانجب منها أربعة أبناء، بي نظيرعام 53 ومرتضى عام 54، وسانام المولودة عام 57، وشاه نواز عام 1958، وتأثر بشخصية مؤسس باكستان محمد علي جناح، واشتغل بالمحاماة عقب عودته من الدراسة في الخارج، ولمع اسمه عام 54 بسبب رفضه للانفصال بين باكستان الشرقية والغربية، وزادت شهرته - حسبما تقول مصطفى- حين سافر عام 57 مع الوفد الباكستاني لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى فيها الخطاب الرسمي لبلاده وهو في عمر 29 عاماً، ورأس وفد بلاده في العام التالي في أول مؤتمر دولي في جنيف لمناقشة قانون البحار، وفي العام نفسه صار وزيراً للتجارة في عهد اسكندر ميرزا، ليكون أصغر وزير في باكستان، ثم شغل منصب وزارة الخارجية من 63 حتى 66، وأحدث عدة انجازات كاتفاقية الحدود بين الصين وباكستان عام 63، ولكنه مع تفاقم الخلافات بينه وبين الرئيس محمد أيوب خان الذي خلف ميرزا خرج ذو الفقار من الوزارة، وأسس في العام التالي 1967 حزب الشعب الباكستاني، وفي عام 71 هزمت باكستان هزيمة ساحقة من الهند، كان من نتائجها أن استقلت باكستان الشرقية تحت مسمى بنغلادش عن باكستان الغربية، فاستقال أيوب خان وفاز حزب الشعب في الانتخابات البرلمانية وأصبح ذو الفقار رئيساً للوزراء، وخلال رئاسته اتخذ منحى اشتراكياً فأمم البنوك واهتم بالصناعات الثقيلة واستطاع الحصول على مفاعل ذري من فرنسا، وانسحب من الكومنولث عقب اعتراف بريطانيا ببنغلادش، وتوصل عام 1972 إلى اتفاقية مع الهند استعاد بمقتضاها الأراضي الباكستانية المحتلة.
لكن كل هذه الانجازات لم تستطع أن تشفع له أمام التيار الإسلامي المتزايد، فقد رأوه يتخذ موقفاً علمانياً في البلاد، ويحدث تقارباً مع الشيوعية في روسيا والصين، سواء من خلال العلاقات أو الزي الصيني الذي يرتديه، ومن ثم نهضت المعارضة الإسلامية، وقام ذو الفقار عام 1976 بترقية وتعيين ضياء الحق الذي لم تكن له أي مطامع أو ميول سياسية إلى قيادة الجيش كي يكون مؤتمن الجانب.
لكن المعارضة زادت، ودخلت البلاد في حالة من الفوضى عقب مقتل الزعيم الديني مفتي محمود، واستدعى الجيش للسيطرة على الأوضاع، لكن الجنود القادمين من إقليم البنجاب رفضوا مواجهة المتظاهرين، فاستغل ضياء الحق ضعف ذو الفقار والأحزاب السياسية عن مواجهة الفوضى وقام بانقلاب أبيض اعتقل فيه الحكومة وفرض الأحكام العرفية، وبعدها أفرج عن ذو الفقار وحدد موعداً للانتخابات البرلمانية لكنه شعر أن حزب الشعب قوي وقادر على كسبها، فاعتقل بوتو من جديد بتهمة قتل مفتي محمود وسوء استغلال السلطة، وانتهى الأمر بإعدامه في 4 يوليو 1997.
جمع العلاقات
ومثلما أورث شاه نواز ابنه ذو الفقار السياسة، وساعده على أن يكون أصغر وزير في السلطة الباكستانية، ووضعه على الطريق الغربي لتعلم السياسة والعلم وجمع العلاقات، فقد فعل ذو الفقار بأبنائه خاصة بي نظير التي أوصى أن تكون رئيسة الحزب من بعده رغم أنها لم تبلغ الثلاثين من عمرها، فقد تعلمت في هارفرد الأميركية، ثم نقلها الى اكسفورد البريطانية قليلة الخدمات بالنسبة للجامعة الأولى، والأكثر جدية في تعليمها منها، وحين اشتكت له ما تعانيه قال لها ان عليها أن تتقبل وضعها الراهن كي تتعلم كيفية العمل تحت ضغط، لكنها حين عادت عقب الدراسة لم تشهد من حكم والدها غير عام واحد حدثت بعده المأساة، وكان عليها أن تعمل حسب منهج اكسفورد، ومن ثم فقد جلبت لنفسها الضغوط سواء باستمرارها في زواجها من زرداري أو تحديها للرغبات الشعبية المناهضة لبقائه في السلطة وعلاقاتها البريطانية والأميركية وفي النهاية الإسرائيلية، وهذا ما حاولت أن تنفيه عنها نوال مصطفى.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy