• ×

07:52 صباحًا , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

حمضنا النووي... مفتاح الأسرار والأكاذيب!

 0  0  918
 رغب أكثر من 140 شخصاً يحملون الشهرة «كنكايد» في معرفة سلسلة نسبهم. فقرروا الخضوع لفحص الحمض النووي وتشاركوا النتائج عبر الإنترنت. نتيجة لذلك، اكتشفوا أن أسلافهم كانوا أبطال حرب وبحارة ومناضلين نجوا من مجاعة البطاطا الإيرلندية (عام 1845). كذلك وجدوا بينهم أبناء غير شرعيين وبعض الكاذبين والمخادعين.

بات معظم هذه الوقائع راهناً تاريخاً قديماً عن أسلاف ماتوا منذ زمن وصارت مغامراتهم العابثة جزءاً من لغز علم الأنساب غير المتخصص. لكن بعض هذه الاكتشافات قد يكون له تأثير في حياة الناس اليوم. مثلاً، تفاجأ أخوان من آل كنكايد حين اكتشفا أنهما يتحدران من والدين مختلفين. فواجها والدتهما المسنّة بهذه الحقيقة، لكنها أنكرت أن تكون خانت زوجها، الرجل الذي طالما اعتبراه والدهما، أو أن تكون تبنّت أحد الولدين.

يقول دون كنكايد (76 عاماً)، رجل من ولاية تكساس يشرف على مشروع آل كنكايد وشهد محنة الأخوين: «صُعق البعض حين كشف فحص الحمض النووي حقيقة نسبه». ومع انتشار الفحوص الجينية التي تهدف الى الحصول على معلومات طبية أو إجراء أبحاث جنائية أو التحقق من سلالات النسب، بدأ الناس يكتشفون صدفة أسراراً كثيرة عن عائلاتهم. ولعل أكثرها إيلاماً معرفة الولد أن الرجل الذي طالما دعاه «والدي» ليس في الحقيقة أباه.

في هذا الصدد يذكر الدكتور إريك توبول، رئيس قسم طب الجينوم في معهد سكريبس للأبحاث في لايولا بكاليفورنيا: «ستشكل هذه المسألة مشكلة متفاقمة». وسيزداد الذين يسألون زوجاتهم ووالديهم: «ماذا حدث قبل 25 عاماً؟». ويحذّر الأطباء أحياناً من أن اختبار الحمض النووي قد يسفر عن نتائج غير متوقعة. لكن تدخّلهم يتوقّف عند هذا الحد.

يرفض الأخوان كنكايد الحديث عن تجربتهما، ويصفانها بالأليمة، على حدّ تعبير الناطق باسمهما. لكن آخرين من عائلة كنكايد ينظرون إلى هذه المعضلة نظرة فلسفية، على اعتبار أن التلاعب بسلسلة نسبهم حدث قبل أجيال. يقول بيري كنكايد (66 عاماً): «أنا واثق من أن تاريخ آل كنكايد يتخلله بعض المغامرات العابثة. ولا أعتقد أن هذا الواقع يقتصر على عائلتنا».

إذاً، كم واحداً ليس ابن أبيه؟ أثار هذا السؤال اهتمام الباحثين بصفته نافذة إلى الهوة بين قيم بعض المجتمعات المعلنة وسلوكه الفعلي. أُجريت عام 2005 مراجعة لسبع عشرة دراسة استندت إلى فحوص دم وحمض نووي خضعت لها مجموعات عدة. واستخلصت المراجعة أن الجواب يختلف باختلاف البلدان والحضارات. لكن المعدل العام يبلغ تقريباً 4%.

علاوة على ذلك، أظهرت دراسة أجرتها أخيراً جامعة ميريلاند، وشملت 56 مركزاً لزراعة الكلى، أن 70% من هذه المراكز صادفت حالة على الأقل تبيّن فيها تلاعب في النسب إثر إجراء الفحوص الضرورية للبحث عن واهب أعضاء محتمل.

فتح فحص الحمض النووي الباب على شتى الاحتمالات. فمن الممكن حصول مفاجآت كلما أجرى أفراد العائلة الواحدة الفحص. مثلاً، يعمد الباحثون، الذين يعملون على تحديد بصمة بعض الأمراض الجينية، إلى مقارنة حمض الولد النووي بحمض الوالدين. وتَظهر في بعض الحالات نتائج غير متطابقة، ما يطرح احتمال لجوء أحد الوالدين إلى الخداع.

في مجال الأبحاث، يوقّع كثيرون وثيقة تلزم الباحثين بإبقاء أي تلاعب في نسبهم سراً وعدم كشفه لهم أو لأي إنسان آخر. لكن في المجال الطبي، غالباً ما تفرض الحقيقة نفسها بطريقة قاسية. لنفترض أن طفلاً وُلد وهو مصاب بداء «تاي ساكس» أو التليّف الكيسي أو غيره من الحالات المرضية التي يكون فيها الوالدان حاملين جينة معينة. وحين يخضع الوالدان للفحص يتبين أن الوالد لا يحمل هذه الجينة. هنا تقع مهمة إخبار الوالدين بالنتائج على عاتق المستشارين الجينيين، الذين يحاولون الموازنة بين الأخلاقيات والضرورة الطبيّة.

في هذا السياق توضح أندريا أثرتون، مستشارة في مستشفى ميرسي للأطفال في مدينة كنساس بميسوري: «يخشى المستشارون الجينيون مسائل التلاعب بالنسب، لكنهم يُضطرون في مرحلة ما من عملهم إلى التعامل معها». يعمد المستشارون إلى إخبار الأم أولاً، التي تكون غالباً على علم بهذا الواقع أو تشك فيه، على حدّ قول المستشارين الجينيين.

تتذكر آنا موراليس، مستشارة جينية في جامعة ميامي، قضية طفل شُخصت إصابته بنوع من مرض الشُّقرة (Albinism)، الذي غالباً ما يترافق مع أمراض في الرئتين والكليتين. تقول موراليس إن والدة الطفل أخبرتها «بأنها على علاقة برجل آخر». وتستطرد موضحة: «أكدت لي أنها ستتعرض لخطر كبير إن عرف زوجها. فقد هدد بمعاقبتها إذا اكتشف أنها تخونه». فامتنعت موراليس عن إخباره. لكن نتيجة لإخفاء هذه المعلومات، سيعيش الزوج حياته معتقداً أنه يحمل مرضاً وراثياً.

يؤكد الدكتور واين غرودي، طبيب اختصاصي في علم الوراثة، أن إخفاء هذا النوع من المعلومات ليس بالأمر البسيط. فقد يقرر هذا الرجل الامتناع عن إنجاب الأولاد. وفي حال حبلت الزوجة، ستعرّض الكذبة الجنين لفحوص غير ضرورية وهو بعد في الرحم.

انتشار

توسعت ظاهرة فحص الحمض النووي لتشمل أكثر من 36 شركة منذ بداياتها قبل تسع سنوات. وتختلف خدمات هذه الشركات، فمنها من يقوم بفحوص للتأكد من النسب ومنها من يجري عمليات مسح لمئات آلاف الجينات بحثاً عن أي استعداد للإصابة بأمراض معينة. تتطلب عمليات المسح هذه أخذ مسحة (swab) من الخد وعيّنة من اللعاب. وتتراوح كلفتها بين مئة وألف دولار.

في فحوص النسب، يظهر الخداع من خلال مقارنة الصبغي Y، الذي ينقله الأب إلى ابنه. يفحص بعض الشركات الحمض النووي في الميتوكوندريا، الذي يرثه الولد عن أمه. لكن هذه الفحوص لا تُعتبر ذات شأن في تحديد سلالات النسب لأن اسم الشهرة يرثه الولد غالباً عن أبيه.

يملك جميع الرجال المتحدرين من الدم نفسه الصبغي Y ذاته، باستثناء تشوّهات طفيفة تتراكم على مر الأجيال. لذلك إذا كان الأب والإبن يملكان صبغيين مختلفين جداً، فيعني ذلك أن لا صلة قرابة بينهما. أما إذا كان الأقارب يحملون أصباغ Y مختلفة، فيمكننا الاستنتاج أن أحد أفراد سلالة النسب التي تجمعهم يخفي سراً دفيناً.

بناء على ذلك، إذا كان الصبغي Y لا يشبه أصباغ مَن يحملون الشهرة نفسها ونشروا نتائج فحوص حمضهم النووي على الإنترنت، فمن الطبيعي أن نتساءل عما إذا كان أحد أفراد هذه العائلة يخفي خيانة ما. يندرج معظم الـ 147 فرداً من آل كنكايد في أربع مجموعات رئيسة للحمض النووي. إلا أن حمض عشرة من آل كنكايد لم يتطابق مع سائر المجموعات.

حول هذه المسألة، يقول بوب كنكايد من منطقة ستار تانيري في فرجينيا، الذي تبين أن حمضه لا ينتمي إلى عائلة كنكايد: «يمكنك أن تطلق العنان لمخيلتك. فنحن لا نعرف، مثلاً، إن كان أحد أفراد العائلة تبنى ولداً صبياً». أما بيري كنكايد، الذي يعيش في إدمنتون في كندا، فقد ظن أنه يعرف الكثير من أسلافه بعد أن أمضى عقدين في تتبّع أوراق العائلة. ثم أجرى فحص الحمض النووي. فأظهرت النتائج أن لا صلة قرابة بيولوجية تجمعه بالذين لاحق شجرة عائلتهم. لكن هذا الواقع لم يزعجه لأن واقعة الخيانة حدثت على الأرجح قبل بضعة أجيال، على حدّ تعبيره. ويضيف موضحاً: «أشبه والدي كثيراً، حتى أنني أسير مثله».

كذلك ذكر دون سيفرس، مدير بيانات (47 عاماً) من ديموان في أيوا، أن جده الأكبر، وليام سيفرس الذي وُلد عام 1918، لم ينتمِ إلى آل سيفرس. عمل والد وليام سيفرس البيولوجي مدير مكتب بريد وكان يُدعى جورج كنكايد، وكانت والدته خادمة الأسرة. عندما حبلت، دبّرت العائلة مسألة زواجها من أحد أفراد آل سيفرس.

ويتساءل دون سيفرس، الذي يحمل حمض آل كينكايد النووي، عما إذا كان الناس لا يزالون اليوم يتكبدون العناء كله لإخفاء أسرار مماثلة.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy