• ×

04:49 مساءً , الأربعاء 21 أكتوبر 2020

قائمة

إليزابيث الثانية.. آخر الملكات (1)

 0  0  3.3K
 
إليزابيث الثانية.. آخر الملكات (1)
سيارتها رفعت قليلا حتى تتمكن من النزول
جدة لسبعة أحفاد لكنها لا تقبل الرضع أبدا



تأليف: مارك روش - ترجمة وإعداد: سليمة لبال
قد يكون عنوان الكتاب \'إليزابيث الثانية - آخر الملكات\' عنوانا استفزازيا، لكنه في نظر مؤلفه مارك روش مراسل جريدة لوموند الفرنسية في لندن منذ عشرين سنة، يعبر عن حقيقة واقع يؤكد انفراد ملكة بريطانيا بالكثير من الخصوصيات التي تجعل منها آخر الملكات بغض النظر عمن سيتداول الحكم في بريطانيا من بعدها.
يقال إن الملك فاروق ملك مصر، قال ذات مرة: إنه لن يبقى على وجه الأرض خلال سنوات سوى خمسة ملوك، هم ملوك لعبة الورق وملك بريطانيا، وبالفعل ضاع الملك فاروق وتاجه، فيما لا تزال اليزابيث الثانية محتفظة بكل شيء.
ولدت اليزابيث الثانية في عام 1926 وعاشت مراهقتها خلال الحرب العالمية الثانية لتتوج ملكة عام 1953، فهي بذلك من بين آخر الشخصيات الكبيرة التي عاشت مآسي القرن العشرين، لكنها أيضا من الشخصيات الأكثر تكتما والتزاما بالبروتوكول وبالتقاليد التي رفضت الأميرة ديانا الانصياع لها ذات مرة.
يغوص الكتاب في تفاصيل الحياة الشخصية للملكة اليزابيث: من طريقة تناولها إفطار الصباح برفقة زوجها فيليب، إلى ممارسة مهامها كملكة، إلى هواياتها ودقائق غرفة ملابسها وحقيبة يدها ومجوهراتها.
هو عالم ساحر، ذلك الذي عمد مارك روش أن يدخلنا فيه، ليس فقط ببروتوكولاته وإنما أيضا لأنه ينقل الوجه الأخر الذي لا نعرفه عن اليزابيث الثاني أو \'ليليبيت\' مثلما كان يناديها والداها. ويستعرض أيضا طفولة هذه السيدة التي وجدت نفسها فجأة ملكة.
من المؤكد أن عالم الملوك مثير جدا، لكن الإثارة في قصة اليزابيث من نوع آخر، ذلك أنها امرأة أراد لها القدر مشوارا وحياة أخرى غير تلك التي رسمها لها والداها، ولم يكونا يطمحان إلا إلى تزويجها مثل سائر بنات العائلة كي تنصرف إلى تربية أولادها.. لكنها أصبحت ملكة.
لا يبدأ يوم الملكة اليزابيث الثانية كسائر أيام البشر العاديين. فللملكة طقوس وتقاليد لا تستطيع أبدا أن تخالفها، ذلك أنها نشأت في جو من البروتوكولات لا يستطيع احد من الناس العاديين اتباعه أو تحمله، ولعل ذلك أهم ما حمل الراحلة ديانا على التمرد على هذه الحياة \'الغريبة\'.
لكن يا ترى كيف يعيش الملوك؟ وهل يتناولون قهوتهم ويتبادلون الحديث على طاولة الفطور مثلما نفعل نحن كذلك؟وهل يجوز لهم تصفح الجريدة أثناء ارتشاف القهوة أو متابعة الأخبار على شاشة التلفزيون أثناء الأكل؟ الأمر عادي بالنسبة لنا، لكن دعونا ندخل قصر بكينغهام حيث تقيم الملكة اليزابيث وزوجها الأمير فيليب ونقارن!

حليب بقرات الملكة على الطاولة

تبدأ الملكة اليزابيث الثانية يومها بتناول فطور الصباح برفقة الأمير فيليب، وهو فطور مشكل من خبز التوست ومربى البرتقال والشاي الذي يضاف اليه القليل من الحليب. والحليب المفضل لدى اليزابيث الثانية هو ذلك الذي تدره البقرات التي تسهر على تربيتها بنفسها في ويندسور.
وتحرص الملكة جدا على مثل هذه التفاصيل، التي تقوم على ضبطها مع مجموعة من الخدم، يشتغلون في شكل منسق جدا لتفادي أي اصطدام بينهم، فتراهم يمشون على حافتي السجاد، وإذا ما تقاطعت أعينهم مع عيني الملكة أو زوجها، يتوقفون وتنحني رؤوسهم لجلالتها.
يتناول الزوجان إفطارهما بهدوء وببطء، وعادة ما يستمعان معا إلى الركن الإذاعي الأخلاقي \'فكرة اليوم\' الذي يبثه راديو البي بي سي 4، وبعد أن يتبادلا الحديث، ينصرف كل واحد منهما إلى يومياته المفضلة.
وفيما تحبذ الملكة قراءة يومية راسينغ بوست، يحبذ الأمير الاطلاع على الدايلي تلغراف، وحينما يحين موعد العمل تدخل الملكة مكتبها. هو مكتب فسيح جدا وجدرانه خضراء ومذهبة وبه مدخنة ملونة بالبيج والبني.

.. وتدخل المكتب للعمل

تجلس الملكة يوميا إلى سكرتيرها شيبوندال، الذي لازمها منذ نهاية الحرب، حيث تسخر وقتها لمراسلاتها، فتراها تقرأ الرسائل المحولة لها، فيما تلمح قبالتها بعض صور العائلة الملتقطة باللونين الأبيض والأسود.
وتوقع الملكة الوثائق الرسمية بالحبر الأسود، فيما توقع مراسلاتها الخاصة بالحبر الأخضر، وتشتغل في غياب سكرتيريها.وهنا علينا أن نذكر بان عدد مستخدمي مكتبها يبلغ أربعة عشر فردا في المجموع وكلهم في الطابق الأرضي.
عند الساعة الحادية عشرة يدخل السكرتير الخاص للملكة ومنصبه يعادل منصب مدير الديوان في الأنظمة الرئاسية، يحييها قائلا \'صباح الخير جلالة الملكة\'، ثم يحني رأسه قليلا. ويقضي البروتوكول بأن يبقى السكرتير واقفا إلى أن تدعوه الملكة إلى الجلوس.
يطلع الاثنان على الوثائق السرية والمهمة، المخبأة بعناية في علب وضعت في حقيبة أرجوانية اللون ومصنوعة من الجلد، لا يملك مفتاحها غير الملكة. وتناقش هذه الأخيرة بعد هذه الجلسة مع سكرتيرها الخاص تظاهرات القصر المقبلة، وكذا حفلات تدشين المنشآت الجديدة والاستقبالات التي ستشرف عليها إضافة إلى السفريات التي ستقوم بها.
أجندة الملكة ليست مرنة على الإطلاق، ذلك أن لا شيء في حياتها متروك للصدفة ولعل اكبر دليل على ذلك هو عدم تغيير التواريخ والمواعيد المحددة على مستوى قصر بكينغهام منذ أكثر من نصف قرن من حكمها.
وأما جدول أعمالها فهو مضبوط بالدقيقة ولها إجازة تقدر بعشرين أسبوعا سنويا وهو ما يعني أنها تستفيد من إجازة هي أربعة أضعاف الإجازة التي يستفيد منها بريطاني متوسط المدخول.
ومن التواريخ المهمة في حياة الملكة ويومياتها، تاريخ 21 ابريل الذي يصادف عيد ميلادها، ويتم الاحتفال به رسميا في الشهر نفسه ومن خلال استعراضات كبيرة، وأما الحدث الأكبر في يوليو، فهو حفلات حديقة القصر الملكي التي يدعى لها 32 ألف شخص وتقام ثلاث منها في لندن وواحدة في اسكتلندا، وأما الخريف فتتم خلاله احتفالية افتتاح الدورة البرلمانية التي تخطب فيها الملكة وتستقبل الدبلوماسيين المعتمدين في بلادها.
يضاف إلى كل هذا سلسلة الزيارات الرسمية التي يقوم بها قادة دول أجنبية لبريطانيا وزياراتها هي سواء إلى الضواحي أو إلى خارج المملكة المتحدة.

رحلة بالقطار إلى ستافورد

هذا المساء، تستقل جلالة الملكة القطار الملكي باتجاه ستافورد، الواقعة على بعد ساعتين عن مدينة لندن.كان بإمكانها أن تطير على متن مروحية، لكنها فضلت قضاء الليلة في مقصورتها والتمتع بحركة القطار وهو يمر عبر الحقول الخلابة.
كان المسؤولون المحليون وصحافة المدينة في انتظار الملكة اليزابيث، التي ارتدت ثوبا ورديا، يناسب فصل الربيع ويسهل أيضا تمييزه، فيما تمت إضافة مادة الرصاص إلى ثنيات التنورة وأكمام السترة، ليحول ذلك دون تأثرها بهبات الريح، فلا ترتفع فتسبب حرجا للملكة.
غادرت الملكة محطة القطار في موكب بسيط جدا، يتشكل من ثلاث سيارات، تسبقها دراجتان ناريتان. وسيارة جلالة الملكة من نوع بنتلي، من دون لوحة ترقيم ورفعت بعض الشيء حتى تتمكن هذه المرأة القصيرة القامة من النزول منها بسهولة.
أما سيارة المرسيدس رباعية الدفع، فكانت تشبه متجرا لبيع الزهور من كثرة باقات الزهور التي أهداها الجمهور المصطف على جانبي الطريق إلى سيدة الشرف التي ترافقها على الدوام القوات البحرية البريطانية.
وأما في الجهة المقابلة فكان هناك كل من السكرتير الخاص المساعد والمكلف بخلية تنسيق الزيارات.
جلس إلى جانب السائق مصور القصر، فيما استقل أربعة من الحراس الشخصيين السيارة الثالثة في غياب الوزراء والمدعوين، عكس ما تجري عليه العادة في النظام الجمهوري المعتمد من قبل قصر الاليزيه.
همس احد أفراد الشرطة المنتمين إلى فريق دائرة الحماية الملكية إلى جهاز إرساله \'ارجواني واحد وارجواني خمسة في زاوية الرؤية\' وكانت الملكة ودوق ادمبورغ يهمان بدخول كنيسة سانت ماري في ستافورد.
ويتشكل جهاز الأمن الظاهر للعيان من ثلاثة رجال وامرأة مرفقين بضابط من الفرقة الخاصة بمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى عدد من أفراد الشرطة بالزي المدني. ويعني الرمز الأحمر ER المثبت على جيب كل سترة أن من يرتدونها مزودون بأسلحة نارية، عكس رجال الشرطة الموزعين في مفترقات الطرق الاستراتيجية وهم الوحيدون، الذين يسمح لهم البروتوكول بترك ستراتهم مفتوحة في حضور الملكة، تحسبا لاستعمال مسدساتهم النمساوية الصنع، وهي من نوع غلوك.



شروط الزيارة الملكية

وحسب احد حراس الملكة الشخصيين، فإنها تتابع بحذر شديد تعليمات أفراد شرطتها، في وقت يجبر فيه ابرز القناصين على البقاء بعيدا عنها، فيما يضم حرسها الشخصي ثماني ضباط شرطة يتناوبون على العمل أربعا وعشرين ساعة على أربع وعشرين ساعة.
ويلعب الأمن دورا محوريا في التحضير لكل زيارة تقوم بها الملكة، أما البرنامج الرسمي لزيارة ستافورد فيقع في عشر صفحات كاملة، ذلك أن الزيارة كانت مبرمجة منذ سنتين خلتا وأما التحضير لدقيقتين فقط منها فيتطلب ثلاث ساعات كاملة.
ويجب أن يستجيب اختيار المدينة التي تزورها الملكة لعدد من الشروط، أولا عدم تفضيل الجنوب على الشمال، والتجمعات السكانية الكبرى على الضواحي، وبلديات اليسار على بلديات اليمين. وعلى الزيارة بدورها أن تعمل على اندماج المظاهر الأربعة لمملكة اليوم: العظمة والبساطة والديموقراطية والوحدة الوطنية، بالإضافة إلى أهمية الوفاق والاعتراف بالنجاح المهني، وأيضا إيجاد المواضيع الكفيلة بفرض نفسها في نشرة أخبار المساء التي تبثها البي بي سي.
أدى تقدم عمر الملكة وزوجها، إلى تقليص عدد التظاهرات والنشاطات العلنية التي يحضرها الاثنان خلال زيارة واحدة إلى أربعة فقط، بحيث تراجع ظهورها إلى 425 مرة خلال عام 2006، مقابل 509 خلال عام 1996.
لقد زينت ساحة بلدية ستافورد بالأعلام ولافتات الترحيب بالملكة، فيما اكتظت جموع البسطاء من المواطنين الذي جاؤوا لتحيتها على حافتي الشوارع كلها..
ولكن هذه الجدة الفخورة بأحفادها السبعة لا تقبل الرضع و إنما تبتسم لهم ولا تلامس يديها إلا عددا من الأيادي التي تمد لها، في حين يحدد البرنامج لها بعض الثواني فقط للتحدث باحترام مع الجماهير.
وتتميز اليزابيت بهذا النوع من الظهور الذي ترى فيه أهمية مزدوجة، فهي متاحة للرائين وغير متاحة في الوقت نفسه، تذهب إلى الجهور، لكنها لا تلمسه أبدا... إنها باختصار ملكة... وبينها وبين الجمهور حد فاصل دوما.
بمجرد أن غادرت الملكة الساحة العمومية، ذهب كل واحد من المستقبلين إلى بيته وفرحة كبيرة تغمر قلبه، بعد أن شاهد الملكة وان لم يكن ذلك إلا للحظات معدودات.

وبروتوكول آخر عند الغذاء

تتناول الملكة الغداء في فندق المدينة وكان القصر قد نصح بثلاث وجبات، وعليه فقد حضرت بلدية ستافورد شرائح سمك ودجاج بالفطر إضافة إلى قالب حلوى بالبرتقال.
وبطبيعة الحال يجب ألا يكون الغداء دسما فاللحوم الحمراء وثمار البحر والتوابل ممنوعة تماما، وإثقال المعدة الملكية مرفوض، لان البرنامج لم يمنحها سوى خمس دقائق للأكل.
وجلالة الملكة لا تحب أن تكون محتارة أو مضطربة فهي تشرب الماء المعدني وإذا ما تناولت كأسا من الخمر فهي تفضله من نوع ريسلينغ لقلة نسبة الكحول فيه.
وطبقا للبروتوكول، فإن الملكة بوسعها التحدث مع من يجلس على يمينها خلال تناول المقبلات والتحدث مع من يجلس إلى يسارها فور الانتقال إلى تناول الطبق الرئيسي وتتحدث مع الاثنين معا أثناء تناول الحلوى أو الفاكهة في نهاية الطعام.
وتتعرف هذه الخبيرة بالأصول الاجتماعية على الوسط الذي نشأ فيه محدثها والمدرسة التي تردد عليها فورما يفتح فاه ويبدأ في تحريك شفتيه، كما تنتبه إلى بعض التفاصيل كالأحذية وربطة العنق وياقة القميص والجوارب..... الملكة ارستقراطية وتملك الحاسة السادسة المتعلقة باستشعار درجة الإشباع الاجتماعي التي وصل إليها جليسها.

\'شر\' الإعلام

دشنت الملكة فيما بعد استديو إنتاج تلفزيوني بجامعة ستافوردشير ولأنها تكره كاميرات التصوير، فقد منع احد مرافقيها بهدوء طالبين كانا مكلفين بتصوير الحدث.
وتعتبر اليزابيث الثانية وسائل الإعلام شرا لا بد منه وتحاول أن تظهر بابتسامة جميلة كلما اشتعلت أضواء الأنوار الكاشفة .
وفي ستافوردشير قطعت الملكة قالب حلوى، يصل وزنه إلى 28 كيلوغراما بمناسبة عيد ميلادها الثمانين اهدته لها جمعية ريفية في حضور جمهور متقدم في العمر نوعا ما، لكنه يتقاسم معها العديد من القيم البريطانية كبرودة الأحاسيس والصبر.
تناولت الملكة في صمت كأسا من الشاي، فيما رفضت تذوق قطعة من الحلوى التي تقاطعت ألوانها مع ألوان القبعة التي ترتديها.
ويفرض العمل على الملكة واجبات كلاسيكية مثل تقليد الأوسمة وهي تظاهرة لم تتغير منذ 1876، وتتكرر حوالي عشرين مرة سنويا وهي بالنسبة لاليزابيث الثانية طريقة أخرى للقاء جمهورها.
ويقف إلى جانب الملكة سادس أكبر ضباط المملكة وهو حفيد الوزير الأول للملكة فيكتوريا - التي حكمت بريطانيا وايرلندا والهند ما بين سنتي 1837 و1901 - وهو من ينادي على أول اسم، فيقف أمام الملكة، التي تقلده وسامه .
وتتذكر الملكة جيدا الأسماء، ذلك أنها تطلع على القائمة الاسمية وعلى البطاقات الشخصية للمقلدين قبل الحفل.
مثل أمام الملكة الخياط جوليا ماكدونالد مرتديا قميصا من الساتان الأسود وياقته مزينة بوسام رائع مرصع بالماس. لقد تطرقت الملكة في حديثها إلى جمال هذه الأحجار النفيسة، هي تعرفها جيدا، ذلك أن تاجها الملكي مرصع بأربع ياقوتات حمر واحدى عشرة زمردة وست عشرة بلورة و2873 ماسة.
ثم شكرت الملكة الطباخ الكبير جاري رودس، الذي يشبه نجوم الروك، بعد أن أصبحت وصفاته، مصدر الهام كل من يريدون التعرف على الطبخ البريطاني، وللتذكير بدأ بطل السمك هذا مشواره مساعد طباخ في القصر، ليتدرج شيئا فشيئا في مهامه ويصبح امهر طباخ تعرفه المملكة المتحدة.




--------------------------------------------------------------------------------

الحلقة الثانية:
عندما وضع الوزير الاسترالي يده على كتفها

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy