• ×

08:23 صباحًا , الخميس 2 يوليو 2020

قائمة

الثريّات... بريق وسط دخان بغداد

 0  0  1.3K
 الوقوف قرب الزجاج خطر مميت في بغداد التي اعتادت الانفجارات، فكيف بالأحرى الجلوس في متجر مليء به؟ يكفي أن تسألوا مثنى الجبوري، الذي اضطر إلى استبدال واجهات متجره لبيع الثريات خمس مرات بعد أن دوّت الانفجارات في شارعه. ويعبر الجبوري عن دهشته من حسن حظه، قائلاً: «الغريب أن أياً من الثريات لم يصب بأذى!».

صحيح أن عدد المتفجرات تراجع، لكن مدينة بغداد ما زالت تعاني من مشاكل كبيرة في الكهرباء. لذلك يعتبر سكانها أدوات الإنارة الفاخرة كماليات باهظة، خصوصاً تلك التي يُفضّلها زبائن الجبوري من عشاق الثريات. فهي أدوات متقنة الصنع تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء بأذرعها الذهبية المحملة باللمبات. وكلما ازداد عدد اللمبات، برزت حبيبات الكريستال.

لكن الجميع يحتاج إلى بريق ما في حياته، على حدّ تعبير الجبوري الذي يتحدث عن مدى افتتان بلده بالثريات على رغم صعوبة حمايتها من غبار العراق الدائم والوميض الشديد عند انقطاع التيار الكهربائي فجأة.

انتشار واسع

أمضى هذا التاجر بعض الوقت في بريطانيا. ولاحظ أن الناس هناك يفضّلون مصابيح الطاولة أو الجدران. غير أن الوضع مختلف في العراق. فلا يمر يوم في هذا البلد من دون أن ترى ولو ثريا واحدة. فهي تنتشر في كل مكان، من المساجد والكنائس إلى قصور صدام حسين القديمة والأبنية الحكومية والمنازل. وتزداد أدوات الإنارة هذه حجماً مع تنامي رغبة المستهلكين في تزيين منازلهم بكل ما هو كبير وفاخر.

يذكر الجبوري: «هذه طبيعة العراقيين. فهم يفضّلون الثريات الكبيرة، لأنهم يعشقون التباهي بما يملكونه. صحيح أن التيار الكهربائي يبقى مقطوعاً باستمرار، لكنهم يحبون تزيين منازلهم بها والنظر إليها».

مع تنامي دخل الطبقة الوسطى وانخفاض العنف في البلد إلى أدنى درجاته منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في مارس (آذار) من عام 2003، نشطت حركة البيع وبلغت أوجها منذ بداية الحرب، بحسب الجبوري.

يقول الجبوري، الذي يدير منذ 20 عاماً متجراً صغيراً يُدعى «الحريث» قرب نهر دجلة: «يعتمد بيع الثريات إلى حد كبير على الوضع العام. فهي من الكماليات ولن يشتريها الناس ما لم يشعروا بالطمأنينة والسعادة».

يبدو الجو داخل «الحريث» وغيره من متاجر الثريات المصطفة بجانبه مختلفاً تماماً عن المشهد خارجها. ففي نهاية الشارع يقف رجال الشرطة والجنود عند نقطة تفتيش محصنة بجدران مضادة للهب. وعلى الناصية المجاورة تكدس حطام بناية دمرت خلال الحرب وتعذّر إصلاحها. وتشير لفافات الأسلاك الشائكة إلى مدخل المنطقة الخضراء على بعد أربعمئة متر تقريباً.

لا يسع المار إلا أن يقف لتأمل متجر الحريث وما يحتويه من عاصفة الكريستال تلك. يُجلس الجبوري الزبائن على أريكة حمراء ورمادية من المخمل والستان، ويقدم لهم مشروباً فيما يرفعون بصرهم عالياً باتجاه السقف ومعروضاته البراقة. تتوهّج الحبيبات باللونين الأبيض الناعم والأخضر الزمردي. وتتدلى القلادات مثل خيوط الماء المتجمد.

تتراوح أسعار معظم الثريات بين 250 و300 دولار، لكن ثمة استثناءات. ففي الواجهة الأمامية تلمع ثريا تمتد من السقف إلى الأرض ويصل ثمنها إلى 3500 دولار. وتتوسط الغرفة واحدة أكبر حجماً تطلّب جمع قطعها الـ6556 ثلاثة أيام ويبلغ سعرها 2500 دولار (إنها أقل ثمناً بسبب بساطة حبيبات الكريستال التي تتدلى من قاعدتها الذهبية).

زبائن

يُشعِر الجبوري، الذي لا يعرف عملاً غير التجارة، كل زبون بأنه مميز. قال لرجل دخل متجره ليتأمل أحد النماذج الصغيرة: «نبيعها عادة بمئتين وخمسين ألف دينار (215 دولاراً)، لكن تصبح بمئتي ألف إكراماً لك». وبعد إتمام الصفقة، دفع إلى يد الزبون سبحة من الزجاج الفيروزي قدّمها له هدية.

لا يملك الجبوري ثريات في منزله. فهي على حد قوله تتطلب الكثير من العمل، خصوصاً الكبيرة منها التي تفقد بريقها ما لم ترشّ بالماء وتُلمَّع باستمرار. لكن مَن يملك أكبر ثريا في العراق؟ سؤال مثير للجدل. فعندما سلّم قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بتريوس السلطة إلى الجنرال راي أوديرنو في إحدى قاعات قصر الفاو الذي كان سابقاً ملكاً لصدام، فكر في هذه المسألة جنود وصحافيون اصطفوا على الدرج ذي الإفريز الرخامي المحيط بثريا هائلة الحجم. وأصر بعضهم على أنها الأكبر في البلد وثاني أكبر ثريا في العالم. فوفق سجل القصر التاريخي الذي قدمه الجيش الأميركي، تضم ثريا قصر الفاو 256 لمبة. ويذكر أحد التقارير الذي نسب إلى «مؤرخ عسكري» لم يرد اسمه: «مَن رأوا الثريا معلقة قرروا ألا يسيروا تحتها مجدداً».

ولعل هذا قرار حكيم. كانت ثريا أصغر حجماً بكثير تتدلى طوال 48 عاماً فوق مذبح كنيسة مار يوسف للكلدانيين في شرق بغداد. إلا أنها سقطت أرضاً ذات ليلة. لم يسمع أحد صوت تحطّمها. وفي صباح اليوم التالي وجدها أبناء الرعية الذين قدموا لحضور قداس السادسة والنصف مهشّمة، على حدّ تعبير الأم الرئيسة وردة. وتضيف: «لقد تحمّلت الكثير منذ العام 1960».

استبدلت تلك الثريا بأخرى جديدة. تتدلى الثريا الجديدة تحت القبة الزرقاء داخل الكنيسة بجوّها المنعش. ويتولى عمال الكنيسة يومياً تنظيف حبيباتها الكثيرة. في بعد ظهر أحد الأيام، شغّل عمال الكنيسة المولد ليعرضوا كامل بهاء الثريا، التي قلما تُضاء بسبب نقص في الكهرباء. وما هي إلا ثوان حتى تحول شكلها البيضاوي من أداة إنارة جميلة لا لون لها إلى مجرة متلألئة جذبت الأنظار كافة إلى المذبح.

منافس

باع أحد منافسي الجبوري، حيدر ماجد الحسين، ثريا بقيمة 24 ألف دولار إلى مقام الإمام كاظم في بغداد في منطقة الكاظمية. وعمل 12 رجلاً طوال 10 أيام لتركيب الثريا التي يصل علوّها إلى ثمانية أمتار وعرضها إلى مترين ونصف.

في مختلف أرجاء الشرق الأوسط، تُزيَّن المساجد والكنائس بأدوات إنارة فاخرة يُسدد ثمنها بواسطة هبات تقدمها الحكومة أو المؤمنون الأثرياء. ويُقال إن مسجد الشيخ زايد في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة يضم أكبر ثريا في العالم، طولها 15 متراً وعرضها 10 أمتار.

يؤكد الحسين بفخر أنه يعرف مكان أكبر ثريا في العراق لأنها كانت معروضة في متجره. تُعلق هذه الثريا في قصر الرئيس العراقي جلال طالباني ويبلغ طولها نحو 8.5 أمتار وعرضها 4 أمتار وتتألف من مئة ألف قطعة كريستال تقريباً، بحسب الحسين.

تراجعت الأعمال بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة حين أقفل أثرياء عراقيون كثيرون منازلهم وهربوا من البلد، وفق ما يقوله الحسين. ويتابع موضحاً: «يعتمد عملنا على الأغنياء، لا الفقراء». وطوال فترة من الوقت، زار متجره أميركيون قدموا عبر مدخل المنطقة الخضراء في الجهة المقابلة من الشارع. لكنهم توقفوا بعد ارتفاع عمليات العنف.

وعلى غرار الجبوري، لم يتعرض الحسين لأي أضرار خلال عمليات التفجير ولم يخسر ثريا واحدة. إلا أن زهرية زجاجية زرقاء كبيرة كُسرت في أحد الانفجارات. لكنه ما زال يعرضها في مدخل متجره كمذكِّر لما كانت عليه الأوضاع.

يُصنع معظم ثريات الجبوري في الصين. فلا يستطيع الزبائن العاديون تحمّل كلفة زجاج المورانو أو قطع الكريستال البوهيمي المصنوعة في أوروبا. لذلك لا داعي لتخزينها.

يوضح الجبوري أن زبائنه أيضاً تبدّلوا منذ الحرب. فلا يحب كثيرون من طبقة الأغنياء الجديدة في العراق أدوات الإنارة الفاخرة المصنوعة في أوروبا ولا يقدّرون ثمنها. ويشكك الجبوري في مصدر مالهم، ملمحاً إلى أنهم يلجأون إلى الجريمة والفساد: «يصعب شرح هذا الوضع. تشعر بأنهم غريبون من لباسهم وطريقة كلامهم. يبحثون دوماً عن الأكبر والأزهى. عليّ جني المال، لكنني أكره بيع منتجاتي لهؤلاء الناس».

يتذكر الجبوري زبوناً دخل متجره ذات مرة برفقة عائلته قبل سنوات من اندلاع الحرب. كان الرجل أفقر من أن يشتري ثريا، إلا أنه سأله إن كان بإمكانهم تأمّل الثريات والاستمتاع ببريقها

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy