• ×

10:33 مساءً , الجمعة 3 يوليو 2020

قائمة

حرير العنكبوت أكثر سماكة وقوّة من المعادن!

 0  0  1.1K
 يُستحسن على الأرجح ألا تكون العنكبوت شارلوت حاضرة لتعلم أنّ شبكتها الرائعة تشهد تطوّراً كبيراً على يد البشر، ولا أحد سواهم.

حرير العنكبوت، أحد إنجازات الطبيعة في عالم الهندسة، وهو أقوى من الفولاذ من ناحية الوزن. صرّح العلماء، الأسبوع الماضي، بأنهم جعلوه أقوى من الفولاذ من ثلاث إلى عشر مرّات (وفقاً للطريقة التي تُقاس بها قوّته) من خلال تسريبه مع ذرّات من المعادن كالتيتانيوم، والألمنيوم، والزنك.

يبدو أنّ هذه العمليّة تعيد تجسيد أمر يفعله الجراد والدود البحري، وهي حيوانات معروفة بقلّة ذكائها. كذلك تساعد في توضيح بعض النقاط الدقيقة عن كيمياء البروتينات. وقد تؤدّي في النهاية إلى نشوء أنواع جديدة من المواد القويّة والخفيفة والمشابهة لألياف الكربون.

حدث الاكتشاف صدفةً على يد سونغ مو لي، خرّيج هندسة في معهد ماكس بلانك في ألمانيا.

قال المشرف عنه، ماتو كنيز، وهو عالم كيمياء في مركز البحوث: «هكذا تسير الأمور غالباً. تسعى إلى تحقيق هدف مميّز تأمل بالوصول إليه، لكنك غالباً ما تصادف على طريقك شيئاً مختلفاً. ويكون ذلك في غالبية الأحيان من العلوم المدهشة».

تهتمّ بحوث كنيز بتكنولوجيا النانو، ما يُنتِج بُنىً ميكانيكيّة متناهية الصّغر من خلال التلاعب بعدد صغير من الذرّات. من بين التقنيّات التي يستعملها، تقنيّة «ترسيب الطبقة الذريّة» حيث تُغَطّى المواد بطبقة رفيعة من مادّة أخرى تكون نوعاً من المعادن في معظم الحالات.

عندما قَدِم لي، وهو من أصول كوريّة، إلى مختبر كنيز، كان من بين مشاريعه التحقيق في ما يمكن أن تفعله تقنيّة ترسيب الطبقة الذريّة إذا ما طُبّقت على المواد البيولوجيّة. عادةً تُستَعمَل على المواد الصلبة الشبه موصلة والمكوّنة أساساً من ثاني أوكسيد السيليكون، كتلك الموجودة في رقاقات الكمبيوتر. لكن ما الذي قد يحصل إذا كانت المواد ناعمة وهشّة نسبياً؟.

للإجابة عن ذلك، يمكن اللجوء إلى تركيب نوع من المواد العضويّة، ربما سلسلة طويلة تُسمّى البوليمر، وإخضاعه لتقنيّة ترسيب الطبقة الذريّة. لكن كمحاولة أولى، أخذ لي طريقاً أسهل لأنه كان متأكداً من أنّ هذه العمليّة ستدمّر أيّ مادّة ناعمة.

تُخزَّن الآلات التي يستعملها في تقنيّة ترسيب الطبقة الذريّة في قبو مبنى ما. الفوضى تعمّ المكان، وقد تبيّن أنه موطن لعدد من العناكب. في أحد الأيّام، منذ عامين، خطرت على بال لي فكرة اختبار حرير العنكبوت كنموذج لـ{المادّة الحيويّة الناعمة».

حرير معقّد

وجد لي عنكبوتاً في حديقة مع خيوط، وهي تلك التي ينسجها من غدّتين موجودتين على بطنه. فقام بلفّ الخيط حول مشبك ورق ووضعه في الغرفة الخاصّة بترسيب الطبقة الذريّة.

حين أخرجها، كانت مادّة مختلفة تقريباً. فأمسك الخيط بملقط، علماً أنّ خيط الجذب أقلّ لزاجة من خيط الشبكة، وقذف مشبك الورق إلى الأعلى وإلى الأسفل من دون قطع السّلك.

قام لي بممارسة هذه الخدعة أمام كنيز الذي لم يصدّق عينيه. تماماً مثل لي، توقّع أن تدمّر تقنيّة ترسيب الطبقة الذريّة، وهي عمليّة تشمل تسخين شيءٍ ما على حرارة 160 درجة فهرنهايت، المادّة الحيويّة.

في هذا السياق، قال كنيز: «توقّعنا أن ينقطع، لكن حصل العكس تماماً».

ظنّ كنيز في البداية أنّ العمليّة كَسَت حرير العنكبوت بما يشبه غطاءً من خزف. لكنّ المهندس لي كان يعلم أنّ الخيط لن يصمد طويلاً ولن يظلّ سهل الثني إذا كان ذلك صحيحاً. فراح يبحث عن تفسير أفضل.

فوجد أنّ تقنيّة ترسيب الطبقة الذريّة، على عكس ما تفعله مع الموادّ الصلبة، تقوم بترسيب موادّ ناعمة مع ذرّات معدنيّة، فضلاً عن دسّ ذرّات في شريط ذي سطح رفيع. لكنّ النتيجة لم تكن الحصول على بنية تتجمّع فيها الذرّات المعدنيّة وتُلامس بعضها بعضاً. بدل ذلك، رُشّ التيتانيوم والعناصر الأخرى عبر الحرير مثلما يتداخل الزبيب في رغيف خبز.

في الواقع، يُعتبَر حرير العنكبوت أكثر تعقيداً من الخبز بكثير.

مثل جميع البروتينات، حرير العنكبوت مصنوع من أسلاك طويلة مؤلّفة من جزيئات على شكل خرزات تُسمّى الأحماض الأمينيّة. يمكن أن تتلاصق الأسلاك في صفائح أو تتباعد على شكل لوالب. عندما تغلب الصفائح أو اللوالب على قسم من جزيئة بروتين، تكون بنيتها عاديّة أو «بلوريّة». في الأقسام حيث تُطوى سلسلة الأحماض الأمينيّة أو تتجمّع على شكل عنقود من وقت لآخر، تُسمّى البنية «لامتبلورة».

يشبه القسم المتبلور قليلاً سحّاباً مرفوعاً. أما القسم اللامتبلور، فهو يشبه السحّاب الذي يكون أحد أطرافه (أو الطرفان معاً) مفتوحاً، ليتمكّن النصفان من اتّخاذ أشكال متعددة. يمكن لحرير العنكبوت أن يتمطّط إلى ما نسبته 40% من طوله من دون أن ينقطع. ومزيج الأجزاء البلّورية واللابلّورية هو الذي يعطي الخيط هذه الميزة المطاطية.

يعود تماسك المزيج كلّه جزئياً إلى «الروابط الهيدروجينيّة». لا يشبه ذلك «الروابط التساهمية» في المركّبات الكيماوية حيث تتداخل ذرّتان وتتشاركان الإلكترونات. لكنّ قوة الروابط الهيدروجينية ليست قريبة منها حتى، بل هي أشبه بتجاذبات مغنطيسية خفيفة.

وفقاً لبحوث لي، عندما سخِّن حرير العنكبوت، تحطّمت روابط هيدروجينية عدّة. تتّسم المركّبات التي تحتوي على المعدن والتي تُستعمَل خلال تقنيّة ترسيب الطبقة الذرّية بأنها رجعيّة جداً، وهي تبحث عن أقسام البروتينات التي كانت جزءاً من عمليّة التلاعب بالرابطة الهيدروجينية لكنها أصبحت فجأةً متوافرة للقيام بارتباطات تساهميّة أنجح.

يعتقد لي أنّ النتيجة كانت نشوء خيط أقلّ تبلوراً بقليل من حرير العنكبوت الأصليّ، على أن تكون أجزاؤه المختلفة مشدودة إلى بعضها بعضاً بشكل أكبر. هكذا يصبح الخيط أكثر سماكة وقوّة.

صرّح كنيز بأنّه يشكّ في أن تُطبَّق عمليّة ترسيب المعدن في حرير العنكبوت عمليّاً. لكنه يشتبه في أنها قد تكون مفيدة مع موادّ حيويّة أخرى، تكون من صُنع الإنسان أو ربّما طبيعيّة.

وأضاف قائلاً: «إذا تمكّنا من نقل العمليّة، ثمة عدد ضخم من التطبيقات المحتملة، أي أشياء مثل العظام الاصطناعيّة والجِلد الاصطناعي. ويُحتمل أيضاً ظهور مواد جديدة في مجال صناعة المركّبات أو في المجال الفضائي. ثمة حاجة دائمة لمواد خفيفة الوزن تكون مستقرّة ميكانيكياً».

يسعى معهد ماكس بلانك إلى الحصول على براءة اختراع لهذه العمليّة.

نسيج لا ينقطع

أدخل العلماء معدناً إلى خيوط العنكبوت، ما زاد قوتها خلال اختبارات الشد.

العملية: عمل الباحثون على تسريب ماء ونوعاً من التيتانيوم على مراحل إلى داخل خيوط العنكبوت، ما خلف طبقة رقيقة من ثاني أكسيد التيتانيوم على سطحها. وساهمت هذه العملية أيضاً في إدخال ذرات من التيتانيوم إلى البنية الكيماوية لبروتين الخيوط. كذلك استُخدمت مركبات من الألومنيوم والزينك.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy