• ×

05:48 مساءً , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

كمبوديا... آثار تستحقّ التعب والمخاطرة!

 0  0  835
 في فترة الصباح الباكر من أحد أيام الآحاد في كمبوديا، وقفت عند خندق مائي يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر. كانت قطرات الندى تطفو على أوراق اللوتس التي ترقّط المياه. يقع على الطرف الآخر من أحد الجسور، عبر بوابة منهارة، «بانتاي شمار» أحد أكبر المعابد التي بنتها أمبراطورية خمير القديمة.

حين دخلنا أنا وأصدقائي عبر البوابة، وجدنا رجلاً يسوق أبقاره للرعي. وبفضل بنّاء ودود قادنا عبر مساحات كبيرة من الأحجار الساقطة لرؤية الرسالة التي كُتبت في زمن الماضي، فاجأتنا كتابة على إطار باب برج مقدّس تقول: نرحّب بمثل هذه الرفقة.

أعيد اكتشاف أعظم معابد مدينة أنغكور في كمبوديا، بعد أن أُغلقت لمدة ربع قرن بسبب الحرب. تستقطب هذه المعابد اليوم أكثر من مليون زائر أجنبي سنوياً، يندم الكثير منهم على أن أشخاصاً آخرين كثراً خطرت في بالهم الفكرة عينها. ففي فترة الازدحام، قد تتشكّل زحمة سير بشرية عند أدراج المعبد الذي كان مخصصاً سابقاً للملوك والكهنة.

لكن حين تبتعد عن أنغكور، تجد أماكن تضمن لك حسّ العزلة والاستطلاع. تستطيع الاستكشاف وفق إيقاعك الخاص، على وقع أصوات العصافير والنسيم الذي يحرّك الأوراق في الأعالي. وفي محال البطاقات البريدية ومقاهي الإنترنت، يمكنك البحث عن الكلمات التي تثير عجبك.

معبد «بانتاي شمار»

معبد «بانتاي شمار» من أروع هذه الأماكن. يستغرق الوصول إليه ساعات من السير على طرقات وسخة تكثر فيها المطبات والغبائر. لتمضية الليلة في هذا المكان، عليك التكيّف مع مساكن بدائية: غرف في منازل محلية مُضاءة بالشموع، ومياه حمّام مأخوذة من ذلك الخندق المائي عينه.

أمضيت الليلة، وتبيّن لي أن المنطقة تستحق الزيارة. استيقظت باكراً في الصباح التالي، كما هي حال جميع السكّان هناك، وانطلقت في نزهة في هواء البلاد النقي. مررت بدجاجات تبحث عن طعام لصيصانها، وصبية يراقبون فرناً من الطين كان يحترق فيه الفحم. لم أكن أرى معبداً فحسب بل نمط حياة.

يبني اليوم آلاف الأشخاص- مزارعو الرز، الرعاة، والباعة- منازلهم على الجوانب الأربعة كافة للمعبد. فيزرعون الخضار على ضفاف سلسلة من الخنادق المائية، ويراكمون القش داخل مبانٍ أقل قِدماً من منازلهم. فالزمنان القديم والحديث يتعايشان معاً.

تمضية الوقت ههنا تعني أداء دور جيّد، عبر إنفاق بعض الثروات في جزء من بلد بصدد التعافي من الحرب فوّت إلى حد كبير دولارات السيّاح التي تستقطبها أنغكور. يملك الناس هواتف خليوية (تُشحَن على المولّدات)، والبعض لديه جرّارات صغيرة، لكن لا يوجد كثير من مظاهر الثراء في تلك المنطقة.

بُني «بانتاي شمار» في موجة الإعمار الضخمة الأخيرة لإمبراطورية الخمير في عهد الملك البوذي في القرن الثاني عشر، جايافارمان السابع. كان المهندسون الذين يعملون لديه يفكّرون بشكل طموح ولو بمعايير الخمير. لاحتواء بناء ضخم، بنوا سدوداً ترابية وخنادق مائية شكّلت مربّعاً يبلغ طول كل جانب منه نحو كيلومتر ونصف. وفي وسطه، بنوا المعبد في داخل نظام خنادق مائية آخر مربع الشكل يبلغ طول كل جانب منه أقل من كيلومتر.

منذ أكثر من قرن، عثرت عالمة الآثار الفرنسية إيتيين أيمونييه على المعبد في حالة «دمار لا يوصف». ولا يزال كذلك على الرغم من جهود ذلك البنّاء الودود الذي ينتمي إلى فريق الترميم الصغير. لكن هذا ما يضفي جاذبيةً على الموقع. فاستكشافه يعني القفز فوق كومات ضخمة من الحجارة الكبيرة الساقطة. عبرنا على أبراج مدمّرة، وساحات ومماش خاصة بالاحتفالات. كانت الحجارة أحياناً عالية جداً إلى حد أننا كنا نسير على مستوى الأسطح.

لم يعد المعبد موقعاً دينياً رسمياً، لكن الكمبوديين يعتقدون، على غرار أسلافهم، بأن المكان لا يزال مقدّساً. في إحدى الغرف الصامدة، عثرنا على مزار معاصر صغير، يحمل صورةً لبوذا لابساً رداءً، حيث كان يقدّم الناس بُخوراً. يُقال إنه لطلب المطر يسير السكّان المحليون حول المعبد سائلين السماء المساعدة.

تتمثل أفضل أجزاء هذا المعبد في مئات الأمتار من النقوش التي تزيّن جدرانه الخارجية. كان علينا تسلّق مزيد من الحجارة للحصول على رؤية واضحة. شاهدنا أمامنا عيّنة كاملة عن شكل الحياة منذ 900 عام: مواكب لفيلة، سيدات مشهورات تعتني بهنّ خادمات، أطفال يلعبون بخشونة، قرويون على قارب، وخدم يطبخون على موقد.

مشاهد وصور

برزت أيضاً مشاهد كثيرة للحرب مع تشامبا، الدولة المنافسة الواقعة إلى الشرق والتي اندحرت منذ زمن طويل. يشكّل المعبد ككل ضريحاً لأربعة جنرالات قضوا في ذلك الصراع الطويل. في البر، يهاجم الرجال المسلّحون أحدهم الآخر بوحشية بواسطة الرماح (يمكن التعرّف إلى قوم تشامبا من خلال غطاء الرأس الذي يشبه البرعم). وفي المياه، تجدّف صفوف من الرجال في السفن الشراعية في حين يهاجم آخرون العدو بالرماح. تظهر صور أيضاً للإله فيشنو، بوجه التحديد، الذي يملك 32 ذراعاً منظّمة كأشعة من نور تنبع من الشمس.

يبدو أسلوب الحفر مشابهاً لحفر النقوش في معبد بايون في أنغكور، مع فارق وحيد أنه ما من داع إلى النضال لإلقاء نظرة. لقد عبرنا فعلاً ممرات لبضع دقائق في يومنا الأول مع مجموعة من نحو 20 سائحاً يتحدثون الفرنسية. لكننا لم نرَ زوّاراً آخرين في ذلك اليوم أو الذي تلاه.

في وقت لاحق من فترة بعد الظهر، ذهبنا لنتعرّف على ما كان يفعله الخمير القدامى بالماء. إلى الجهة الشرقية من المعبد، بنوا خزّاناً من المياه بطول نحو كيلومتر ونصف وعرض أقل من كيلومتر. يختلف العلماء الأكاديميون حول ما إذا كان هذا الجسم، وغيره، مجرّد واجب رمزي كبديل على الأرض للآلهة الخرافية، أم جزءاً من نظام ري واسع، أو كليهما. بغض النظر عن الحقيقة، ذُهلت من حجمه.

أصبح الخزّان جافاً إلى حدٍّ كبير، لكن بما أن أرضيته منخفضة ويجمع الماء قبل الأراضي المحيطة به، قُسِّم إلى حقول لزراعة الرز. ذهبنا في نزهة، وسرنا على طول قنوات الحقل لكي لا نبلل أقدامنا. وجّهنا التحية لأفراد عائلة مزارعة كانوا يعبثون بجرّار صغير. وقد جمعت إحدى النساء دلواً من العقارب والحشرات من حقل الرز، كانت ستبيعها كطعام. في آخر النهار، مررنا بمجموعة من الشبّان وهم يسوقون قطيعهم إلى المنزل.

أمضيت الليلة في منزل إحدى الأسر الكمبودية، التي كان أفرادها أصدقاءً لصديق لي. كانوا في غاية السخاء، فقد قدّموا غرفةً خاصة لي، ومياهاً معلّبة، وشبكات للبعوض، وغرضاً مميّزاً، هو عبارة عن بطارية سيارة مربوطة بنور وهّاج. كنت أستطيع إشعال النور طوال الليل لو رغبت.

منازل رسمية

نام أفراد آخرون من مجموعتنا في منازل رسمية، أي مضافات ومنازل أسر تستقبل الضيوف لقاء المال، وتبعد بضع خطوات عن بوابة المعبد. كان هذا النوع من المنازل مؤلّفاً من غرفتين فيهما أسرّة ضخمة مغطاة بشبكات للبعوض. وفي الأسفل، كان يوجد حمام رئيس مع مرحاض محفور في الأرض وحوض استحمام.

المكوث ليلاً في هذه المنطقة ينطوي على تجربة ثقافية أخرى. كان ثمة احتفال في الجوار، تسلّلت موسيقاه العالية إلى غرفتي ما إن شرعت في القراءة. من ثم في حوالي الساعة العاشرة، ساد السكوت، لأن المولّدات لا تعمل طوال الليل حتّى ولو للاحتفال.

استيقظت عند الفجر، واستحممت في مياه سوداء اللون بعض الشيء، ومن ثم توجّهت إلى الخندق المائي التي سُحبت منه. فشهدت مظاهر الصباح الباكر: الندى، والكلاب التي تجول مع أول بزوغ الفجر. أدّيت دور عالم آثار هاو لبعض الوقت، ولاحظت أن إحدى قنوات الري القديمة، التي جفّت اليوم، كانت ملحقة بالخندق المائي عند هذه الزاوية.

لاحقاً، رحنا نستكشف المنطقة سيراً على الأقدام. فوجدنا بين المنازل الخشبية الجدران الحجرية لآثار من القرن العشر كانت في الماضي أديرة أو معابد صغيرة. كانت الأوراق تغطي آثار بوابة أحد المعابد على بعد خطوات من المنزل، حيث كان الصبية الصغار يركضون حوله وفتاة مراهقة تكوي الملابس.

تناولنا الفطور في أحد الأكشاك في سوق المدينة بسبب غياب مطاعم مناسبة. كان عبارة عن حساء نودل بالدجاج شهي المذاق.

زرت أنغكور للمرة الأولى في العام 1969. في ذلك الحين، لم تكن لتجد أحداً غيرك في المعابد الكبيرة. سرت مرةً في ممرات، أضخمها أنغكور وات، من دون أن أصادف أحداً. من الجيّد أن أعرف بأنني لا زلت أستطيع المرور بتجربة مماثلة، لكن عليك النضال بعض الشيء.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy