• ×

02:21 صباحًا , الأربعاء 16 أكتوبر 2019

قائمة

أمين معلوف يضع اختلال العالم تحت المجهر

 0  0  3.6K
 أمين معلوف يضع اختلال العالم تحت المجهر

صدر للروائي اللبناني الفرنكوفوني المعروف والحائز جائزة «غونكور» الفرنسية أمين معلوف كتاب بحثي بعنوان «اختلال العالم» عن «دار الفارابي» بيروت، وهو ليس رواية بل تكملة لبحث أصدره الكاتب بعنوان «الهويات القاتلة» الذي بات يدرّس في جامعات عالمية كثيرة.

يقول أمين معلوف في «الهويات القاتلة»: «منذ غادرت لبنان للاستقرار في فرنسا، كم من مرة سألني البعض عن طيب نية إن كنت أشعر بنفسي «فرنسياً» أم «لبنانياً». وكنت أجيب سائلي على الدوام: «هذا وذاك!»، لا حرصاً مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذباً لو قلت غير ذلك. فما يحدد كياني وليس كيان شخص آخر هو أنني أقف على مفترق بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافية. وهذا بالضبط ما يحدد هويتي».

يتساءل أمين معلوف، انطلاقاً من سؤال عادي غالباً ما طرحه عليه البعض، عن الهوية، والأهواء التي تثيرها، وانحرافاتها القاتلة. لماذا يبدو من الصعب جداً على المرء الاضطلاع بجميع انتماءاته وبحرية تامة؟ لماذا يجب أن يترافق تأكيد الذات، في أواخر هذا القرن، مع إلغاء الآخرين غالباً، هل تكون مجتمعاتنا عرضة إلى الأبد للتوتر وتصاعد العنف، لأن البشر الذين يعيشون فيها لا يعتنقون الديانة نفسها، ولا يملكون لون البشرة عينه، ولا ينتمون إلى الثقافة الأصلية ذاتها، هل هو قانون الطبيعة أم قانون التاريخ الذي يحكم على البشر بالتناحر باسم هويتهم؟ والحال أن الفرضية أو القضية الرئيسة في الكتاب الجديد مفادها أن اختلال أو عدم انتظام العالم ليس سببه بالدرجة الأولى «صراع الحضارات» بل مشكلة «فراغ كل الحضارات من محتواها»، لا سيما الحضارتان اللتان ينتمي إليهما الكاتب، أي الحضارة العربية (الاسلامية) والحضارة الغربية. فالغرب، في نظره، خان قيمه، والعالم العربي علق في مأزق تاريخي الماضوي وفوبيا الاستعمار.

اختلال العلاقة بين الشرق والغرب ليست سوى أحد عناصر اختلال العالم العالمي الأشمل، الذي يتطلب أن تجتمع الإنسانية كافة لتواجه الإلحاحات والحاجات الطارئة ومن بينها مثلاً الاضطرابات المناخية التي تهدد الشعوب كافة. يوضح معلوف: «إن هذه السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين تؤشر على علامات عدة للخلل العالمي. من بينها: الخلل الفكري الشمولي، الذي يجعل أي تعايش بين الثقافات صعباً، وأي حوار بين الحضارات مستحيلاً». ويتساءل: «هل بلغت البشرية مرحلة «اللاكفاءة الأخلاقية»؟».

يشير معلوف في البداية إلى أن سقوط جدار برلين منحنا الأمل في ولادة عالمٍ جديد، وأن نهاية المواجهة بين الغرب (الرأسمالي) والاتحاد السوفياتي (الشيوعي) أزالت التهديد النووي الذي كان مسلّطاً فوق رؤوسنا منذ 40 عاماً، ومنحتنا الشعور بأن الديمقراطية لن تلبث أن تنتشر في أنحاء المعمورة. لكن بسرعة تبيّن لنا أن الأمور كانت على خطأ.

النظرة المتطرفة

يتوقف معلوف مطولاً عند أسباب الانهيارات المالية، الحضارية، الثقافية، الأيديولوجية، الجيوسياسية، والبيئية المناخية، التي نعيشها. وفي الكتاب يتوسع في الحديث عن الأزمة المالية ومسبباتها، وعن ما يسميه «النظرة المتطرفة» التي سادت منذ ثمانينات القرن الماضي التي تقول إنه يجب التخلص من كل ما يحد من حرية السوق، وتجاهلت الجانب الاجتماعي في الاقتصاد الذي خضع لما عرف بـ{الليبرالية المتوحشة».

يعتبر معلوف إن إطلاق الرأسمالية من دون ضوابط، سوى قانون المنافسة واقتصاد السوق، أوصل إلى هذه الكوارث وإلى انهيار مصارف كبرى في العالم عمرها عشرات بل مئات السنين. ففي الوقت الذي تتطلّب هذه الأخطار تكاتفاً شاملاً منا، تُجبرنا بنياتنا السياسية والقضائية والذهنية على التفكير والتحرّك وفقاً لمصالحنا الخاصة. وفي هذا السياق، يرى معلوف أننا لم نعرف سابقاً حقبة مثل حقبتنا الحالية يبدو فيها المسؤولون عن الاقتصاد القومي غير قادرين على متابعة تركيبات أرباب المال البهلوانية، ويظهر فيها المضاربون ببلايين الدولارات في حالة جهلٍ تام للاقتصاد السياسي وفي ذهنية غير مبالية بنتائج أفعالهم على المؤسسات والعمّال وأهلهم وأصدقائهم بالذات. فحين تصبح عملية كسب المال مفصولة عن أي مجهودٍ فكري أو مادّي وعن أي نشاط اجتماعي مفيد، وحين تتحوّل البورصات إلى «كازينوات» عملاقة يتقرر فيها مصير مئات الملايين من الناس، الأغنياء والفقراء، بضربة نرد، وحين تتصرّف المؤسسات المالية مثل أولادٍ فاسدين وثملين، وحين يتم سحق اقتصاد أعوام طويلة من الكدّ ببضع ثوانٍ وبوسائل باطنية لا يفهمها حتى المصرفيون أنفسهم، نكون أمام خللٍ تتخطى نتائجه الميدان المالي والاقتصادي ويصبح أزمة أخلاقية لا سبيل للخروج منها، وفقاً إلى معلوف، إلا بتبنّي سلّم قيَمٍ جديد تُمنح فيه الثقافة والتعليم دوراً رائداً لقدرة أربابهما على توفير وسائل فكرية وأخلاقية تساعدنا على الخروج من أزمتنا الخطيرة. فالحل الوحيد لعدم استهلاك مواردنا الطبيعية هو، بالنسبة الى معلوف، تفضيل أشكالٍ أخرى من الرضا ومصادر أخرى من المتعة ككسب العلم وتطوير حياةٍ داخلية زاهرة.

مصير الحرية

يخشى معلوف على «مصير الحرية» المهدد بالعنف والعنصرية واليأس، «وذلك على رغم الإنجازات الكبيرة كافة التي حققها الإنسان ليصل إلى ما وصل إليه في مجالات الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان». ويتطرق الكاتب إلى ظاهرة سياسية مقلقة، أطلق عليها اسم «الشرعيات الضائعة»، منطلقاً من «الأصوات القليلة التي أعيد فرزها في فلوريدا عام 2000، وكرست فوز بوش بالرئاسة في الولايات المتحدة، وما ترتب عن فوزه من تحولات دولية كبيرة. فهل من المنطق أن يترك لبضعة أصوات من الناخبين في فلوريدا حق تقرير مصير العالم؟}.

يتحدث معلوف طويلاً عن التجارب السياسية، التي مر بها العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، لا سيما المد القومي العربي والناصرية والبعث واليسار والمقاومة، وفشلها في التغلب على التحدي الإسرائيلي، ليخلص إلى القول بأن ذلك مهد لصعود التيارات والدعوات الدينية الإسلامية السياسية، المعادية للغرب. يتطرق معلوف إلى الطائفية ويرى أنها تشكل نفياً لفكرة المواطنية، وأنه: «لا يمكن بناء نظام سياسي حضاري يقوم على هذا الأساس. فإقامة نظام حصص، يجعل من الأمة قبائل متناحرة. وهذا ما يجري في لبنان». ويتوقف معلوف طويلاً عند مسألة الأقليات. وهذه المسألة عنده، مع قضية المرأة، تشكل أحد أبرز مؤشرات التقدم الأخلاقي أو العودة إلى الوراء.

ويرى الكاتب أن الخلاص هو في «العودة إلى القيم القديمة أو التقليدية»، بل «في اختراع قيم جديدة». ليس في «العودة إلى الماضي» بل في «بناء مستقبل جديد». مستقبل يقوم على نوع من العلاقات الجديدة بين الدول، وعلى إدارة جديدة لموارد وخيرات وثروات الكرة الأرضية. وعلى قيم مشتركة بين الشعوب والثقافات.

أما «القيم» التي يمكنها أن تجمع بين البشر، لا أن تفرقهم وتضادهم، فهي في نظره «القيم الثقافية». صحيح أن اندريه مالرو، قال ـ أو نسب إليه القول ـ بأن «القرن الواحد والعشرين سيكون قرن الأديان أو لا يكون». لكن الدين، يقول معلوف، قد يهدي البشر ويمكن لهم أن يستخدموا الدين ضد بعضهم البعض. وفي ختام كتابه يوضح: «العالم ليس سائراً نحو نهايته، لكن نحن البشر مسؤولون عن مصير أفضل أو كارثي له، عن تصور هذا المصير وبنائه».

يمكن القول إن أمين معلوف يثير السجال في أي شيء يطرحه للنقاش، فهو وإن وصف بعض النقاد «العباقرة» رواياته بأنها تنتسب الى رواية القطار، إلا أن ما تتضمنه هذه الروايات يبدو أشد وقعاً من «الرواية الثقافية» التي ينظّر لها بعض المثقفين.

يضيق المجال هنا للإحاطة بالمواضيع كافة التي تناولها معلوف في كتبه، منذ «الحروب الصليبية»، مرورا بـ{ليون الأفريقي»، و{سمرقند»، وما أدّته من دور في بناء جسور التواصل بين الثقافات والحضارات، فمعلوف لا يتخلى عن معركته الأساسية ضد أنواع التمييز كافة: اللون، العرق، الدين، الطائفة، الطبقة.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy