• ×

09:24 مساءً , الثلاثاء 14 يوليو 2020

قائمة

تحرّر من الماضي وتعلَّم من أخطائك

 0  0  1.2K
 يُقال إنّ الإنسان يتمتّع بنعمة التذكّر للاستفادة من أخطاء الماضي. تؤدي الذاكرة إذاً دوراً عملياً! لكننا قد نرغب أحياناً في التحرر من الذكريات المترسّخة فينا لأنها تسبب لنا ألماً كبيراً.

يروي أحد الفرنسيين، 45 عاماً، أنه عاش في فييتنام مدة ثماني سنوات، علماً أنه وُلد ونشأ في فييتنام من والدين فييتناميّين إلى أن اندلعت الحرب ضد الولايات المتّحدة. يضيف هذا الرجل قائلاً: «كانت تلك الفترة رهيبة. غرق البلد كلّه في فوضى عارمة. سرعان ما خسر والدي عمله واضطرت والدتي لإرسالي إلى الدير كونها لم تعد تملك المال لإعالتي. لم تأتي بحثاً عني بعدها إطلاقاً. بعد مرور عام، تبنّتني عائلة فرنسية. لا أخفي عنكم أنّ السنوات الخمس الأولى من حياتي كانت كابوساً حقيقياً. كلّ ليلة، كانت الذكريات عن عائلتي، وبلدي، والحرب، والمجازر، تطاردني. حتى اليوم، ما زلتُ أفكر بتلك الأمور. في الواقع، لا يمرّ يوم من دون أن أفكّر فيها. لا يزال الماضي حاضراً في زاوية صغيرة من رأسي وهو يتبادر إلى ذهني من وقتٍ لآخر. صحيح أن هذه الذكريات تسمح لي بالتقدّم في الحياة ومواجهة المشاكل اليومية الصغيرة، لكنها تبثّ فيّ أيضاً شعوراً بالرعب وكمّاً هائلاً من الانفعال الذي لا يمكن تفريغه أبداً».

الماضي حاضر فينا

بما أنّ الماضي ينمّي خبرتنا في الحياة لأننا نستخلص منه العِبر ويبقى محفوراً في ذاكرتنا دائماً، من الصعب التخلّص منه في غالبية الأوقات. أحياناً، نعمد إلى تكريم الماضي لا استذكاره، عبر شعائر معيّنة مثل الاحتفال بأعياد الميلاد التي تسجّل وجودنا في الذاكرة وفي الزمن، أو ذكرى ما كنّا عليه منذ عام، أو عامين، أو ثلاثة أعوام، فنسترجع الحياة الماضية والأخطاء التي لا يجب تكرارها.

يؤكد أحد المفكّرين في هذا السياق أنّ «الإنسان هو نتيجة لذاكرته، لأنّ سلوكه الحاضر ينجم عن آثار متراكمة من اللحظات، الحوادث، والتجارب القويّة التي عاشها في الماضي».

الذاكرة العائليّة والهويّة

ترتبط هذه الآثار جزئياً بذاكرتنا العائلية التي تحرّك ذكرياتنا الأولى، ومعاناتنا الأولى، ولحظات السعادة الأولى. وفقاً لعلماء النفس، تمثّل الذاكرة العائلية التربة التي تغذّي ماضينا. ومن خلالها، نصقل أساس هويّتنا. ينقل الأهل إلينا معارفهم وضحكاتهم، لكنهم ينقلون أيضاً مخاوفهم وألمهم. هكذا نتربّى وننمو تدريجياً على هذا الكمّ من المعطيات المتباينة.

تتيح الذاكرة العائلية إذاً إعطاء كلّ فرد ذاك الشعور الغريب بهويّته الخاصّة.

اضطرابات

بالنسبة إلى البعض، تُبنى هذه الكميّة من الذكريات بشكل أساسي على الألم، وتولّد جروحاً عميقة بعض الشيء (اغتصاب، وفاة شخص من العائلة، هجران...). يفسّر المحللون النفسيون أنّ هذه الجروح النفسية نادراً ما تعطي الفرصة في بناء قاعدة نفسية مستقرّة، إذ غالباً ما تولّد اضطرابات سلوكية، وقد تصل إلى حدّ منع الفرد من عيش حياة حرّة فعلاً، فتغرقه في حالة دائمة من الاكتئاب. كذلك تولّد مشاعر بالوحدة العميقة التي تحرم الفرد من طاقته الإيجابية كلّها.

تكرار الماضي

في هذا المجال، كان الطبيب سيغموند فرويد يؤكد وجود آلية ذهنية مترسّخة فينا جميعاً لتكرار الماضي، ما يدفعنا إلى استعادة مشاعر الطفولة. تتحكّم هذه الغريزة التي تولد معنا بجميع علاقاتنا العاطفية وتجبرنا نوعاً ما على إعادة تجسيد المواقف نفسها طوال الحياة. من هنا يتّضح جليّاً أنّ الفرد الذي تعرّض مثلاً للضرب العنيف من أحد والديه سيبقى متأثراً دائماً بهذا الحدث الذي هزّ حياته. قد يعيد تجسيده بنفسه كما هو، أو على العكس من ذلك تماماً، قد يمتنع بشكل قاطع ومرضيّ عن الاقتراب من الأطفال خوفاً من إيذائهم.

ضرورة فهم الحالة

على الرغم مما ذُكر كلّه، يمكن الحدّ من هذه النزعة لتكرار الماضي وتخطيها كليّاً في بعض الحالات. هنا يأتي دور العلاج النفسي والتحليل النفسي. كيف يحصل ذلك؟ أولاً، لا بدّ من تحديد الصدمة العاطفية التي عاشها الفرد المعنيّ. لفعل ذلك، يعمد المعالِج النفسي إلى إطلاق «عملية بحث» في لاوعي المريض وفي ذاكرته لاستخراج العناصر المزعجة منها. يُذكَر أنّ هذا الغوص في أعماق «الأنا» يحصل دائماً حين يكون المريض في وضعيّة التمدّد لأنها تسهّل عودته إلى زمن الطفولة حين كان يعجز عن التحكم بجهازه العضليّ ولا يزال يعتمد على أمه. أما الخطوة الثانية فتقضي بدخول «مرحلة تأبين الماضي».

مرحلة «تأبين الماضي»

لا يعني «تأبين الماضي» محوه أو نسيانه، بل فهمه واستيعابه وقبوله كعنصر من حياة الفرد. لكن لا تتم مرحلة التأبين هذه بسهولة لأننا نضمّ في داخلنا سلسلة من مشاعر الندم والأسف والألم التي تشكّل عبئاً على الذاكرة. يكمن دور المعالِج النفسي والمحلل النفسي إذاً في تفريغ هذا العبء وتخفيفه ليتمكّن كلّ مريض من إيجاد السبيل الصحيح لتحقيق الإصلاح الضروري في نفسه وليتمكّن من التحرر في حياته.

هدف ذلك تفادي تحوّل جروح الماضي إلى نقاط ضعف مستقبلاً.

رأي الخبراء

- هل يمكن أن يحمل الجسد، تماماً كالذاكرة، آثاراً مؤلمة من الماضي؟

نعم، طبعاً. تحتفظ المرأة التي تعرّضت للاغتصاب مثلاً بآثار عن صدمتها في الذاكرة. لكنّ جسدها يُخفي في أعماقه أيضاً جروحاً تعيق وظيفته.

- ما معنى ذلك؟

إنها جروح تمنع الفرد من التمتّع بقدراته الجسدية إلى أقصى حد، وتحدّ من شهوته الجنسية. في الواقع، الجسد والفكر على علاقة وثيقة. ما لا يستوعبه الأول، لا يستوعبه الثاني! يعاني الشخص الذي أُصيب بجروح نفسيّة في الماضي من نوع من الألم الجسدي.

- كيف يمكن تحرير الجسد من ماضٍ مؤلم؟

للتحرر من الماضي، على الفرد أن يتعلّم كيفيّة بذل الجهد اللازم لتخطّي الذات، من خلال التكلّم عن المشكلة وإدراك جوانبها كافّة. عليه تعلّم كيفية رؤية نفسه من الداخل وتفريغ عواطفه الجيّاشة عبر الوثوق بشخص آخر. يقود شفاء الروح عموماً إلى شفاء الجسد. في النهاية، ما تقبله الروح، يقبله الجسد أيضاً.

ندى، 33 عاماً: «كنتُ أسيرة الماضي!»

«لفترة طويلة، كان الأمر أقوى منّي: كنتُ أكرر السيناريو نفسه في جميع علاقاتي العاطفية. أظنّ أن ذلك يعود إلى زواجي الأول الذي باء بالفشل. أحببت زوجي وبقيت معه طوال ثلاث سنوات، لكنه لم يبادرني بأيّ عاطفة حقيقية. لكننا كنا نُعتبر ثنائياً مستقراً. كنا نعيش معاً ونخطط للمشاريع المستقبلية، لكن المشكلة كانت أنه ما كان يحبّني فعلاً. كان يمضي وقته في خيانتي. كان يعترف بذلك أحياناً ولا يفعل أحياناً أخرى. كنتُ أتغاضى عن الأمر وأعلّق آمالاً وهميّة بأن الأمور ستصطلح. لكنه هجرني في النهاية. أخذتُ وقتاً طويلاً لتقبّل الواقع. ثم قابلتُ رجلاً آخر. في البداية، كان كلّ شيء ممتازاً، لكن سرعان ما شعرت بالخوف. لمنع نفسي من الوقوع في حبّه، أعدتُ تجسيد صورة زوجي السابق (خيانة، جفاء عاطفي...). كنتُ أفعل ذلك في جميع علاقاتي العاطفية اللاحقة، ولم تكن أيّ علاقة تدوم أكثر من أربعة أشهر. أخيراً، قررت استشارة الطبيب النفسي وفهمتُ أني كنتُ أسيرة الماضي وأدركتُ أهمية تخطّيه. اليوم، عاد كلّ شيء إلى مساره الطبيعي».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy