• ×

06:13 مساءً , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

الإسلام في الشتات... تركيا تسدّ نقص الأئمة في ألمانيا

 0  0  1.1K
 الإسلام في الشتات...تركيا تسدّ نقص الأئمة في ألمانيا

تفتقر ألمانيا إلى مدارس تعلّم الدين الإسلامي، لذلك لجأت المجتمعات المسلمة فيها منذ زمن إلى استقدام رجال دين من الخارج. وفيما تفكّر ألمانيا في الاعتماد على أئمة من داخل البلد، تعمل دول مثل تركيا (ترسل أئمة توظفهم الدولة إلى أوروبا لخدمة مجموعات كبيرة من الأتراك في الشتات) على سد هذا النقص.

لم يكن في مظهر الرجال الذين تجمعوا في صف لتعلّم اللغة الألمانية في أنقرة - تركيا في صباح أحد الأيام الباردة ما يدل على أنهم رجال دين مسلمون. إذ كانوا يرتدون بزات وقمصاناً بأزرار، فبدوا أشبه بموظفين يعملون في مكتب أو طلاب دراسات عليا، فيما راحوا يقرأون الجمل الألمانية في كتابهم الدراسي.

قرأ رجل يرتدي بزة رمادية بصوت عالٍ: {ما زالت بيرغيت ديتشمان تبحث}. ثم مسّد شاربه الأسود وقد علت وجهه نظرة ملؤها الحيرة. فسأل المدرّسة: {ما معنى ديتشمان؟}. فأوضحت له أنه اسم عائلة ألماني، اسم المرأة التي ما زالت تبحث.

يشير سؤاله هذا إلى مدى الصدمة الثقافية التي سيواجهها. فهؤلاء الرجال القادمون بمعظمهم من قرى الأناضول ومدنها سينتقلون في غضون أشهر قليلة إلى ألمانيا ليخدموا طوال أربع سنوات كأئمة في المساجد في مختلف أنحاء البلد. من نافذة صفهم في معهد غوته في أنقرة، كان بإمكان الطلاب رؤية مآذن مسجد كوكاتيب البيضاء والرمادية التي ترتفع عالياً، حتى أنك تخالها متدلية من السماء الزرقاء الصافية. وفي هذا الجو بدا المجتمع الألماني مفهوماً بعيداً، خصوصاً أن معظم هؤلاء الأئمة لم يزر ألمانيا سابقاً، فكيف بالأحرى في حال تحدثه إلى امرأة تُدعى ديتشمان!

سد الفجوة

تفتقر ألمانيا إلى برامج دينية إسلامية محددة يمكنها تخريج علماء مسلمين ألمان. لذلك، تُضطر المجتمعات المسلمة فيها غالباً إلى استقدام أئمة وعلماء دين من الخارج، لكن أخيراً بدأ صانعو السياسات الألمانية يعيدون النظر في ما إذا كان هؤلاء هم حقاً خير مرشحين لخدمة المجتمعات المسلمة في ألمانيا. وجاءت هذه الخطوة بعدما أوصى مجلس العلوم والإنسانيات الألماني (مجموعة استشارية تقدّم النصح لحكومات الولايات والحكومة الفدرالية) في شهر فبراير (شباط) الفائت بضرورة الإسراع في إنشاء برنامجين جديدين أو ثلاثة لتعليم الدين الإسلامي داخل الجامعات الألمانية العامة. ويمكن اعتبار هذه البرامج خطوة تقدمية في أمة يمكن لبناء مسجد صغير مع مآذن أن يثير فيها الخوف من توسع الانتشار الإسلامي في أوروبا.

لكن ألمانيا تبحث دوماً عن علاج لما يعتبره كثر من مواطنيها صعوبة اندماج سكانها المسلمين متعددي الخلفيات، الذين يبلغ عددهم أربعة ملايين وينتمون بمعظمهم إلى الأقلية التركية الكبيرة في ألمانيا. لذلك بدأت هذه الدولة تفكر في تطوير شكل ألماني من الإسلام يكون متأصلاً في المؤسسات الألمانية، أو على الأقل إعداد أئمة تكون الألمانية لغتهم الأم ويعرفون جيداً المجتمعات التي سيخدمونها. فهذه الخطوات تشكّل في نظرها سياسة اندماج حكيمة.

ثمة اتفاق مع رئاسة الشؤون الدينية التركية (وكالة حكومية تُدعى {ديانة{تشرف على تطبيق الإسلام في تركيا وتعيّن الأئمة لخدمة مجتمعات كبيرة من الأتراك في الشتات) يقضي بأن ألمانيا تستطيع الاستفادة من تعليم مزيد من الأئمة الألمان في مؤسساتها الدينية الخاصة. لكن علي الديري، رئيس العلاقات الخارجية في {ديانة}، يتساءل: {كيف يستطعون ذلك في حين أن المؤسسات الألمانية والأوروبية مختلفة تماماً عن مؤسسات الدول الإسلامية؟}.

من مكتبه في أنقرة حيث تقبع على جدار صورة لمصطفى أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، يتابع الديري: {أتمنى على الأمد البعيد أن تنجح أوروبا بطريقة ما في تطوير مؤسسات قوية وجيدة تعلّم الدين الإسلامي}. لكنه يحذر من أن إنشاء مثل هذه البرامج يستغرق وقتاً طويلاً لقلة عدد العلماء المسلمين الناطقين بالألمانية القادرين على التدريس في الجامعات.

علاقات وثيقة مع تركيا

بدأت {ديانة} بإرسال الأئمة إلى ألمانيا في منتصف ثمانينات القرن الماضي. آنذاك، كان عدد من الحركات الإسلامية الأكثر تشدداً المحظورة في تركيا قد اكتسب شعبية متزايدة بين المسلمين الأتراك في ألمانيا. وفي خطوة يعتبرها الخبراء ولو جزئياً محاولةً لمحاربة تأثير هذه الحركات، أسست {ديانة}في عام 1984 الاتحاد الإسلامي التركي التابع لمكتب الشؤون الدينية في ألمانيا. واليوم، أصبح هذا الاتحاد، الذي يحافظ على علاقات وثيقة مع تركيا, إحدى أكبر المنظمات الإسلامية في ذلك البلد. وانتسب إليه نحو 880 من مساجد ألمانيا ومؤسساتها الإسلامية الألفين والخمسمئة تقريباً.

كان هذا الصف المؤلف من 16 مسؤولاً دينياً في أنقرة (خمسة منهم نساء سيخدمن في الخارج كمدرسات للقرآن) قد شارف على إنهاء المقرر الذي تفرضه {ديانة} ويدوم أربعة أشهر. ذات يوم، تجمع كثير من هؤلاء الرجال بعد الصف في الغرفة المشتركة في بيت الطلاب. خلال فترة الأربعة أشهر تلك، تشارك الطلاب في غرف ضيقة تضم خمسة أسرة منفردة، حتى أن المساحة المتبقية بالكاد تتسع لسجادة صلاة. يوضح هؤلاء أنهم يؤمنون بشكل متسامح جداً من الإسلام. وهم يبدون مسالمين إلى أبعد الحدود عندما يتحدثون عن معتقدهم. يذكر مراد عبد الله، رجل طويل في التاسعة والثلاثين من عمره ارتفع رأسه فوق رؤوس سائر زملائه: {يحب كل مسلم الجميع}. ويضيف زميله هالوك ديشي، رجل في التاسعة والعشرين لحيته سوداء مشذبة: {يحبون لا البشر فحسب، بل مخلوقات الله كافة}.

جذور

يملك الأئمة مفهوماً أقل مثالية عن حياة المسلمين في أوروبا. ففيما يتحلقون حول التلفزيون لمشاهدة نشرات الأخبار (يستمتعون أحياناً ببرنامج ألعاب شهير يُدعى {الزواج} هدفه التوفيق بين عدد من الشبان والشابات)، يناقشون {الخوف من الإسلام} الذي يزداد انتشاراً في أوروبا. ويتطرق البعض إلى التصويت لحظر المآذن في سويسرا ومعارضة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ويذكر كثيرون أنهم سمعوا بمشاكل الاندماج التي تواجه الأتراك في ألمانيا، إلا أن هذه الظاهرة لا تزال لغزاً في نظرهم. يوضح ديشي: {لا يمكننا تخيّل نوع المشاكل التي تواجهها العائلات هناك}. لكنه يذكر لاحقاً: {هذا كله غير مهم لأن عملنا واحد أينما ذهبنا: تعريف الناس إلى الإسلام}.

كان كونيت آياس يجلس بجوار ديشي وهو يرتشف الشاي. وُلد هذا الشاب البالغ 33 عاماً في ماينز في ألمانيا، وهو يتذكر بفرح أيام طفولته الباكرة في هذا البلد قبل عودة عائلته إلى تركيا. شارك في الحوار الدائر، قائلاً عن المجتمع الذي يخدمه في ألمانيا: {هدفنا مساعدتهم على ألا ينسوا جذورهم}. طبعاً، عليهم احترام نمط حياة الآخرين، لكن يجب أيضاً أن يعيشوا {حياة تركية}، على حد تعبيره.

بعد ذلك، دخل الغرفة إدريس لاب، رجل في السادسة والأربعين من عمره سبق أن خدم في ألمانيا كإمام في آسن وهاغن، وانخرط في مقرر متقدّم لتعلّم الألمانية في معهد غوته في أنقرة، مخصص للمسؤولين الدينيين الذين خدموا كأئمة في أوروبا وسيُعيّنون اليوم كملحقين مهمتهم الإشراف على الأئمة. يتحدث لاب وزملاؤه في الصف عن صعوبة الخدمة كإمام في ذلك البلد، حيث لا يُعتبر الإمام مجرد شخص يقود الصلاة، بل أيضاً مرشداً اجتماعياً ومستشاراً أخلاقياً.

أعد لاب، رجل مرح لديه شارب رمادي، فنجان شاي وراح يخبر الجميع قصصاً عن حياة {الخوجا}، لقب ينم عن احترام ويُطلق على الإمام غالباً. كان لاب يتلقى اتصالات في منتصف الليل. فيقول له المتصل: {خوجا، تشاجرت مع زوجتي}. تابع موضحاً أن الإمام يتعامل مع أجيال عدة من الأتراك، لكل منها خبراته المختلفة وتطلعاته الخاصة: \'مع أربعة أجيال تبقى مشغولاً دوماً. يعمل الإمام 25 ساعة يومياً\'. ثم أطلق ضحكة أشارت بشيء من المرح إلى ما ينتظر الأئمة الشبان.

تكثيف الجهود

كان عدد ممن يزورون ألمانيا للمرة الأولى متحمسين لفهم المشاكل التي تواجه المجتمعات التركية هناك ولمساعدتها، حتى لو لم يعرفوا السبيل إلى ذلك. ذات يوم، دخل محمد سيفيز، أحد الشبان الذين سيتوجهون إلى أوروبا، مكتبة صغيرة في معهد غوته وسأل أمينها عن فيلم In July لفاتح أكن. يقول سيفيز إنه اكتشف أخيراً أكن، مخرج ألماني المولد مشهور وابن مهاجرين تركيين تصوِّر معظم أفلامه حياة الأتراك في ألمانيا.

جلس سيفيز إلى طاولة في مقهى قريب وراح يشرب كوباً من الشوكولا الساخنة ويتحدث عن شخصيات فيلم أكن الشهير لعام 2004 Head On. يتناول هذا الفيلم قصة شابة من هامبورغ لديها ميول انتحارية تزوجت سكيراً لتهرب من سيطرة أبيها وأخيها الظالمين. لم تكن انتهاكات الشابة في الفيلم ما أقلق سيفيز، بل عدم تعاطف عائلتها معها. وأكّد أنه يود مساعدة أمثالها من الشبان في ألمانيا. يوضح سيفيز: {إذا نجحت في تحسين ظروفهم، فسيعطي ذلك معنى أكبر لحياتي. ولكن كيف عساي أساعدهم؟}. ثم أومأ بيديه، مظهراً أنه تمعّن في المسألة وقال: {لا أعلم}.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy