• ×

07:45 صباحًا , الأربعاء 21 نوفمبر 2018

قائمة

ونستون تشرشل... منقذ أوروبا

 0  0  4.6K
 ونستون تشرشل... منقذ أوروبا

قبل 70 سنة تقريباً، كان جيش هتلر يحقق نصراً تلو آخر. ثم وقف ونستون تشرشل في وجه هذا الطاغية، وحسم صراعهما هذا نتيجة الحرب العالمية الثانية. ومنذ ذلك الوقت صار رئيس الوزراء البريطاني السابق هذا أحد ابرز شخصيات القرن العشرين. فهل شهرته هذه في محلّها؟

لم يلتقِ أدولف هتلر ونستون تشرشل يوماً. لكن هل كانت ستتبدل مجريات الأحداث التاريخية التي شهدها القرن العشرون، لو أن ذلك النازي اتخذ قراراً مختلفاً في ربيع عام 1932؟

كان هتلر يقف في ردهة فندق Grand Hotel Continental في شارع ماكس جوزف في ميونخ. لحيته طويلة، ومعطفه فضفاض... وأخذ التعب منه كل مأخذ بسبب حملته الانتخابية. في الغرفة المجاورة، تحلّق تشرشل وعائلته وبعض المقربين منه حول طاولة العشاء. وكانوا يتناولون الطعام، منتظرين قدوم هتلر.

كان ذلك البريطاني القصير القامة، الممتلئ الجسم، المتحدر من إحدى أهم العائلات الإنكليزية يتمتع بشهرة واسعة. فقد أصاب نجاحاً في عالم الصحافة ووضع كتباً حققت أعلى المبيعات. كذلك، تبوأ قبل الحرب العالمية الأولى مناصب عدة، من بينها وزير الداخلية ورئيس مجلس التجارة وقائد القوات البحرية. أما خلال الحرب العالمية الأولى، فعُيّن وزير الذخيرة، ثم وزير الحرب ووزير سلاح الجو. وبعد الحرب، تولى وزارة المستعمرات، ليصبح بين عامي 1924 و1929 وزير الخزانة.

لم يبدِ هتلر اهتماماً كبيراً

كان تشرشل آنذاك عضواً في المعارضة، وقدِم إلى ميونخ لإجراء بحث يتعلّق بكتابه الجديد. وخلال إقامته في تلك المدينة، أراد استغلال الفرصة والتعرف إلى هتلر الذائع الصيت، الذي كان أتباعه يحطمون جمهورية فيمار. فرتّب ابن تشرشل والمسؤول عن الصحافة الخارجية الألمانية، إرنست {بوتزي} هانفشتانغل، لقاء بين الرجلين خلال مأدبة عشاء في فندق Continental. لكن هانفشتانغل أغفل إخبار آل تشرشل أن الفوهرر لم يبدِ اهتماماً كبيراً بهذا اللقاء ولم يحسم أمره بشأن القدوم إلى العشاء.

تقدّمت الأمسية ولم يظهر هتلر. وبعد تناول الحلوى، استأذن هانفشتانغل وهرع إلى مقصورة الهاتف في الفندق ليتصل بالفوهرر ويعرف إذا كان ينوي الحضور. فرأى هتلر واقفاً في ردهة الفندق، حيث راح يتجاذب أطراف الحديث مع أحد كبار داعميه.

طلب هانفشتانغل من زعيم الحزب النازي التحدّث إليه على انفراد، وأخبره أن تشرشل سيعتبر تغيّبه عن مأدبة العشاء إهانة في حال رأه واقفاً هناك. ثم أردف: {سيد هتلر، يجب أن تأتي. فهذا بالغ الأهمية}. لكن زعيم الحزب صمَّم على رأيه، قائلاً: {هانفشتانغل، تدرك أن مشاغلي كثيرة راهناً وأننا نخطط لننطلق باكراً صباح غد. عمت مساء}.

تلقى تشرشل رفض هتلر المجيء برحابة صدر. وفي وقت لاحق من تلك الليلة، جلس هانفشتانغل إلى البيانو في غرفة الموسيقى في الفندق وراح الجميع ينشدون معاً أغاني اسكوتلندية. ولكن عبّر تشرشل في مذكراته عن أسفه لأن هتلر {ضيّع فرصته الوحيدة لمقابلتي}.

لو التقى هتلر تشرشل في ميونخ، فهل كان سيدرك أنه يواجه نداً قوياً وخصماً صلباً، رجلاً يستمتع بالحرب، رجلاً سيرغمه في النهاية على الانكسار؟

رجل عشق الخطر

قتل تشرشل عدداً من الأعداء خلال خدمته في الجيش حين كان شاباً. إلا أن هذه التجربة لم تؤثر فيه. فيعتقد رئيس الوزراء العدائي هذا: {لم تحلّ أي مشكلة في التاريخ إلا بواسطة الحرب}. فقد عشق تشرشل الخطر وهوى المغامرة. حتى عندما كان رئيس وزراء في ستينياته، اعتاد الوقوف على سطح مبنى الحكومة في لندن خلال الغارات الجوية الألمانية ليراقب هذا المشهد الدموي من الأعلى، بينما قبع أعضاء حكومته في الملاجئ تحت الأرض.

شكّلت الحرب بين هتلر وتشرشل صراعاً بين رجل من البورجوازية الناشئة وابن الارستقراطية الغنية، بين زاهد متقشف ومسرف يسعى وراء اللذة، بين متمسك بعقيدته ومؤيد للحلول العملية، بين قاتل ومغامر، بين ثوري متعصب وسياسي ملكي واقعي.

بعد مرور ثماني سنوات على رفض هتلر القدوم إلى العشاء في ميونخ، كان الصِّدام بين هذين الرجلين سيرسم مصير العالم.

بريطانيا تتحدّى الديكتاتور

في صيف عام 1940، كان هتلر، مستشار الرايخ الألماني آنذاك، أقرب ما يكون إلى الانتصار في الحرب. فقد اجتاحت ألمانيا بولندا واحتلت النرويج وأذلّت فرنسا، التي اعتُبرت قوة عظمى. وبدا أن هتلر سينجح في السيطرة على كامل أوروبا، بعد أن تحالف مع الاتحاد السوفياتي، وظل الأميركيون متمسكين بحيادهم وينتظرون ما ستفضي إليه التطورات.

لكن المفارقة أن بريطانيا العظمى، الدولة الوحيدة التي يحترمها هتلر ويكن لها الإعجاب، هي مَن وقفت في وجهه. فقد أعلن تشرشل أنه يضع هدفاً واحداً نصب عينيه: {النصر، النصر مهما كان الثمن، النصر على رغم الأهوال كافة، النصر مهما كان الدرب طويلاً وصعباً}.

حافظت بريطانيا على عزمها هذا طوال سنة (منذ سقوط فرنسا حتى مهاجمة هتلر الاتحاد السوفياتي في 22 يونيو (حزيران) عام 1941)، على رغم الغارات الجوية الألمانية على مدينتي لندن وكوفنتري والانتصارات الألمانية في أفريقيا والبلقان واسكندنافيا وخطر الإفلاس الوطني. ولا شك في أن الفضل في هذا التصميم يعود إلى تشرشل.

أصبح رئيس الوزراء هذا، بسيجاره الكوبي الشهير وقبعاته المثيرة للريبة وربطات عنقه المرقّطة، أبرز رمز للمقاومة ضد ألمانيا النازية. فكلما ظهر أمام الشعب، رفع الناس المحتشدون أيديهم وباعدوا بين السبابة والوسطى، راسمين علامة النصر، كما اعتاد هو أن يفعل.

وصف هتلر خصمه بأنه {مجنون}، {معاق}، و{مخرب العالم}. فردّ عليه تشرشل، ناعتاً إياه بـ{الرجل الشرير} و{النتاج الشرير لأخطاء وعيوب سابقة}. كذلك، أكّد تشرشل أن {أوروبا لن تستسلم لعقيدة الكراهية التي ينشرها هتلر}. وسرعان ما اتضح أن الخاسر في هذا الصراع سيدفع الثمن غالياً: حياته.

كان للتصميم البريطاني أهمية كبرى في تحديد مسار الحرب العالمية الثانية. فكيف كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً على القارة الأوروبية لو لم تتمكن من استخدام الجزر البريطانية كحاملات طائرات عملاقة؟ وماذا لو استطاع هتلر استخدام الفرق والطائرات الحربية، التي كانت تخوض الحرب ضد إنكلترا، على الجبهة الشرقية؟ فما كان هتلر يحتاج إلى أكثر من ذلك ليهزم ستالين. صحيح أن الجيش الأميركي والجيش الأحمر، الذي تكبد خسائر فادحة، حققا النصر الأخير، لكن وقوف تشرشل بعزم وثباته على موقفه في العام 1940 أديا دوراً كبيراً في فوزهما.

أبهى لحظات بريطانيا

مرت سبعون سنة منذ اختبرت بريطانيا {أبهى لحظاتها}، على حدّ تعبير تشرشل. لكن تأثير هذه اللحظة لم يتضاءل مطلقاً. ثمة حروب قليلة تُعتبر حروباً بحق، حروباً ينتصر فيها الخير.

يتقاطر اليوم مئات آلاف الزوار إلى متحف تشرشل وغرف حكومة الحرب في قبو مبنى وزارة الخزانة البريطانية في منطقة منتزه سانت جيمس في لندن، حيث كانت الحكومة تجتمع خلال الحرب. فيتجولون في غرف تعود إلى العصر الباروكي وحدائق قصر بلنهايم الرائع الجمال، حيث ولد تشرشل عام 1874. ويستمتعون بمناظر منزل تشرشل، شارتويل، المطلّ على مروج المنطقة التي تُعرف بـ{ويلد أوف كنت}.

لطالما شكّل تشرشل أحد رموز القرن العشرين. فقد أُعجب به رجال الدولة والأحزاب السياسية في مختلف أنحاء العالم، من المستشارين الألمانيين السابقين هيلموت كول وهيلموت شميت إلى الرئيسين الأميركيين بيل كلينتون وجورج بوش الابن. حتى أن بوش استعار تمثالاً صغيراً لرئيس الوزراء هذا من المجموعة الفنية الخاصة بالحكومة البريطانية ووضعه في مكتب الرئيس في البيت الأبيض، لأنه اعتبر تشرشل رجلاً صاحب رؤية أمل في أن يتشبه به. وذكر بوش أن هذا البريطاني {هاجم... ولم يخشَ تراجع شعبيته... وهذا ما جعل العالم مكاناً أفضل}.

عنصر أسطوري

كما هي الحال مع شخصيات التاريخ العظيمة كافة التي تسير على درب الخلود، تشمل إنجازات رئيس الوزراء خلال زمن الحرب عنصراً أسطورياً، عنصراً تحدث عنه تشرشل مرات عدة. فخلال حياته، راقه أن تحكم عليه كتب التاريخ إيجاباً لأنه كان ينوي تدوينها هو بنفسه.

وهذا ما فعله هذا السياسي، الذي وضع عدداً من الكتب التاريخية. فحقق عمله {الحرب العالمية الثانية}، الذي يتألف من ستة أجزاء، أعلى المبيعات، وكان السبب وراء فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 1953. عشق القراء أسلوب تشرشل الحيوي المتقن، فضلاً عن وفرة الطُّرف التي رواها هذا الأرستقراطي السليط اللسان. ومن هذه الحوادث المضحكة حرب الكلام الضروس التي دارت بينه وبين الليدي نانسي أستور، أول امرأة تحتل أحد مقاعد البرلمان. فقد قالت له ذات مرة: {ونستون، لو كنت زوجتك، لوضعت لك السم في القهوة}. فأجابها: {نانسي، لو كنت زوجتي لشربته}.

ومذاك، درس عدد كبير من المؤرخين والصحافيين والمعلّقين السياسيين خطط تلك الحرب، حللوا طرق صنع القرارات، وقيّموا الوثائق السرية. ومن المفاجئ أن بعض الوثائق لا يزال سرياً حتى اليوم. لكن المواد المتوافرة تتيح لنا تكوين رأي خاص عن هذا الصراع، الذي شكّل نقطة تقاطع بين مساري رجلين لا يجمع بينهما أي قاسم مشترك.

لم يبرع كلٌّ من هتلر وتشرشل في المدرسة وظنَّا، على غرار الشبان كافة، أنهما سيصبحان رجلين عظيمين. فقد أمل هتلر في أن يغدو فناناً ناجحاً. أما تشرشل، الذي يكبره بأربع عشرة سنة، فبنى لنفسه حياة مهنية عسكرية بعد إخفاقه في دراسته.

قتال الخنادق

شكّلت الإمبراطورية البريطانية آنذاك {ملعباً ضخماً ومصدر مغامرة للشبان البريطانيين}، حسبما وصفها المؤرخ الألماني بيتر ألتر. وشعر تشرشل بالانجذاب إلى ساحة المعركة. وبما أنه برع في فن الكتابة، سعى الى أن يكون مراسلاً على أرض القتال، منتقلاً من كوبا المدارية والغابات الهندية إلى الصحاري السودانية.

وبعدما أسره {البوير} الثوار في جنوب أفريقيا، هرب من معسكر الاعتقال وعَبَر الصحراء حتى بلغ ما يُعرف اليوم بموزمبيق. فحوّله هربه هذا والدرب الذي اجتازه إلى بطل قومي، بطل يستطيع إمتاع الملايين بمقالاته وخطاباته وكتبه.

فضلاً عن ذلك، كان تشرشل وهتلر كلاهما غريبين عن محيطهما. لكن الفارق كبير بين التحدّر من عائلة تشيكلجروبر في منطقة النمسا السفلى الفقيرة المليئة بالغابات والعيش في كنف عائلة تقيم في قصر بلنهايم وتعتبر دوق مالبورو، أحد أشهر القادة العسكريين في التاريخ البريطاني، من أسلافها.

في عام 1898، كان هتلر لا يزال في المدرسة. أما تشرشل، البالغ 23 سنة، فقصد مقر الحزب المحافظ في لندن ليرى ما إذا {كان الناس سينتخبونه}. وهذا ما فعلوه تحديداً.

كي نفهم ظاهرة تشرشل، من الضروري أن نأخذ في الاعتبار تأثير أصوله التاريخية. فكل ما أراده رؤية صورته تعلّق إلى جانب لوحات أسلافه في صالة عرض العائلة وفي بريطانيا، التي شعر أسلافه بأنهم ملزمون بحمايتها. وقد أحسن تشرشل التعبير حين قال: {الإمبرطورية البريطانية هي الأهم في نظري. فما يناسبها يناسبني، وما يسيء إليها يسيء إلي}.

نجح هذا السياسي البليغ، الواسع الحيلة، والدائم الحركة في تبوؤ منصب في الحكومة. وبينما كان هتلر يعيش حياة بوهيمية بعدما طُرد من المدرسة، كان تشرشل يتشاور مع قادة العالم، من بينهم القيصر الألماني، الذي دعا وكيل وزارة المستعمرات إلى حضور مناورات فصل الخريف في منطقة سيليزيا عام 1906.

هزيمة ألمانيا

قبل الحرب العالمية الأولى، لم يكن تشرشل أحد الناشطين السياسيين في لندن. لكن عندما بدأ بلده يخسر عدداً كبيراً من الجنود في عام 1914، تحوّل إلى داعم شرس للحرب، مصراً على أن ألمانيا {يجب أن تشعر بالهزيمة}.

مجدداً، بدا هتلر وتشرشل على طرفي نقيض. فلم يُرقَّ هتلر إلى أعلى من رتبة جندي أول، بينما كان تشرشل، الذي أصبح قائد القوات البحرية، يأمر أكبر أسطول حربي في العالم.

ساهمت الحرب في تقصير المسافات بين هذين الرجلين، اللذين أصبحا لاحقاً خصمين. فقد تحمّل تشرشل مسؤولية الفشل الكارثي لعملية الإنزال البريطاني في منطقة الدردنيل الخاضعة لسيطرة الجيش العثماني، واستقال عام 1915. وكي يصحّح خطأه، تطوّع للخدمة على الجبهة برتبة مقدّم. فعُيّن في منطقة فلاندر، إذ كان هتلر يخدم في الجيش الألماني. ولم تتعدَّ المسافة التي فصلت بينهما الثلاثة عشر كيلومتراً.

كبح قتال الخنادق حب تشرشل للحرب. وما هي إلا أشهر قليلة حتى استقال ليُعيّن في منصب وزاري آخر. أما هتلر، فاضطر إلى خوض الحرب حتى النهاية.

البريطانيّون المنتصرون

شهدت تلك الحقبة اضطرابات مخيفة. فكانت الإمبراطوريات الأوروبية العظمى تتفكك وكذلك عالم الجندي الأول هتلر. فقد اعتقد هذا الاشتراكي الدارويني البالغ 29 سنة أنه فهم علة وجود البشرية من خلال رحى حرب فيردان ({على كل جيل أن يشارك في حرب واحدة على الأقل}). ولكن عقب الهزيمة الألمانية، قرر أن {يصبح سياسياً}.

أُعجب هتلر بالبريطانيين المنتصرين. يذكر المؤرخ هرمان غرامل بسخرية أن كتابات هتلر الباكرة تشير إلى أن هذا النازي كان يفضّل أن يصبح فوهرراً في بريطانيا، بدلاً من ألمانيا. فقد اعتبر هذه الإمبراطورية نموذجاً لإمبراطوريته العنصرية، لأنه افترض أنها تقوم على الصلابة وحس التفوق العنصري.

بدأ هتلر يحلم بـ{نظام عالمي آري}، يسيطر فيه الألمان على أوراسيا والبريطانيون، شركاؤهم الأقل شأناً، على محيطات العالم. وتخيل هتلر موت جزء كبير من البشرية أو استعباده.

تبيّن أن تشرشل نفسه تأثر بالمشاعر التي سادت تلك الحقبة. فبصفته مناصراً للملكية، راعته الثورة الروسية، واعتبر في البداية أن المؤامرة البلشفية اليهودية مسؤولة عنها. حتى أنه تعاطف مع الفاشي الإيطالي بنيتو موسيليني، الذي دعاه تشرشل {العبقري الروماني}. لكن تشرشل تخلى عن مواقفه هذه بالسرعة عينها التي تبناها بها. فلم تثر أجندات الأحزاب أو المخططات العقائدية اهتمامه. وأخبر والدته ذات مرة أن تسرعه في إصدار الأحكام {عيب فكري}. فقد بدّل انتماءه الحزبي مرتين، منتقلاً من الحزب المحافظ إلى الليبرالي ليعود إليه بعد فترة.

في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، بلغت تقلباته المهنية نهايتها. فقد اختلف تشرشل مع حزبه لأنه أراد منح الهنود حقوقاً أكبر، أمر اعتبره تشرشل الموالي للإمبراطورية خطراً يهدد بريطانيا العظمى.

تقاعد تشرشل المستاء في منزل شارتويل، حيث اعتنى البستانيون والطباخون والخدم بحاجات هذا المسرف المحب للذة، الذي عانى انهياراً عصبياً. فبدأ يشرب الكحول صباحاً ويعيش حياة بذخ. وبما أنه ألّف الكتب التاريخية لجني المال (حققت نجاحاً كبيراً)، حين كان يعمل في مجال السياسة، عاد إلى الكتابة.

اعتبر الشعب تشرشل البالغ 56 سنة رجلاً قديم الطراز يعيش في القرن التاسع عشر ويرفض التغيير. لكن توقعاته للمستقبل كانت بالغة الدقة. فعندما حاز هتلر على نحو 20% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية عام 1930، قال تشرشل لدبلوماسيٍّ من برلين إن زعيم الحزب النازي {سيستغل أول فرصة سانحة ليلجأ إلى القوة المسلحة}. وتمسّك تشرشل بوجهة نظره هذه.

إلى التسلّح

ما كاد هتلر يمسك بزمام السلطة، حتى راح تشرشل يُطالب بحملة تسلّح واسعة في بريطانيا العظمى. واعتقد في تلك المرحلة أن التحالف مع الاتحاد السوفياتي السيئ السمعة أفضل خطوة قد تقوم بها بريطانيا. وما السبب؟

قرأ تشرشل أجزاء من كتاب {كفاحي} لهتلر، واحتقر أساليب هذا الديكتاتور. لكن ذلك لم يشكّل مصدر مخاوفه الوحيد. ففي عام 1937، ذكر تشرشل في ملاحظات وجهها إلى هتلر: {لا يسعنا القول إننا نقدّر طريقة تعاملك مع اليهود أو البروتستانت أو الكاثوليك في ألمانيا... لكن هذه المسألة ليست من شأننا، ما دامت تقتصر على ألمانيا}.

شكّلت شعارات مقاربة توازن القوى البريطانية التقليدية الدافع الذي حفّز تشرشل. فقد نصّت هذه المقاربة على أن القوى العظمى توازن إحداها الأخرى على اليابسة، بينما تهيمن بريطانيا العظمى على البحار.

وفي رسالة لأحد الأصدقاء، كتب تشرشل أن بريطانيا لم تستسلم مطلقاً لأعظم القوى في القارة، ولا حتى ملك إسبانيا فيليب الثاني (في القرن السادس عشر)، ولا ملك فرنسا لويس الرابع عشر (في القرن الثامن عشر)، ولا نابليون (في القرن التاسع عشر)، ولا القيصر فيلهلم الثاني (في القرن العشرين).

طالما تحالفت بريطانيا مع ثاني أعظم قوة. لكن القبول بالهيمنة الألمانية {يخالف كامل تاريخ بريطانيا}، على حدّ تعبير تشرشل.

أوقفوه!

ارتكزت خطوات تشرشل على مبادئ السياسة العملية، تلك المبادئ نفسها التي دفعت تشرشل إلى الانقلاب ضد ستالين بعد الحرب العالمية الثانية.

ولا شك في أننا نعذر تشرشل إذا شعر بأنه ملزم بمهمة خاصة. فسلفه، دوق مالبورو، القائد الأعلى للجيش البريطاني، هو مَن أوقف زحف الملك الفرنسي لويس الرابع عشر. وأرّخ تشرشل حياة الدوق في ثلاثينيات القرن الماضي.

طالب تشرشل حكومته بردع الرايخ الثالث. أعلن: {أوقفوه! أوقفوه! أوقفوه في الحال! يمثّل هتلر الخطر الأكبر الذي يهدد الإمبراطورية البريطانية}.

لكن تحذيراتها لم تلقَ أذناً صاغية. فقد فضّل زملاؤه المحافظون، الذين كانوا يناصرون رئيس الوزراء آنذاك، نيفيل شامبرلاين، التهدئة في تعاملهم مع الألمان، لأنهم خشوا حرباً عالمية أخرى واعتقدوا أن بإمكانهم دوماً إرضاء هذا الديكتاتور. لذلك، صار حفيد دوق مالبورو يناضل بمفرده.

لم يكن الصراع قد بدأ بعد. والمفارقة أن الزعيم النازي حاول التقرّب من تشرشل لأنه خاف من أن يؤدي هذا السياسي البريطاني دوراً كبيراً في نهاية المطاف. فدعا عضوَ البرلمان هذا، صاحب الماضي العريق، إلى ألمانيا مرتين، بيد أن تشرشل رفض الدعوة. كذلك استقبل تشرشل موفدين من برلين والتقى السفير النازي يواكيم فون ريبنتروب، الذي حاول إقناع تشرشل الميال إلى الحرب بفوائد التهدئة.

وقف ريبنتروب مع ضيفه تشرشل أمام خارطة ضخمة في السفارة الألمانية في لندن، بينما راح هذا النازي يوضح أن الألمان بحاجة إلى مساحة أكبر لتأسيس ألمانيا الكبرى في أوكرانيا وروسيا البيضاء. لكنه أكّد لتشرشل أنهم لن يتعرضوا للإمبرطورية. ولكن على البريطانيين في المقابل أن يتقبلوا توسّع ألمانيا شرقاً.

غير أن تشرشل اعتبر تقسيم الأراضي هذا غير مقبول. فردّ ريبنتروب فجأة: {في هذه الحالة، لا مفرّ من الحرب}.

بداية الصراع

سرعان ما تخلى هذان السياسيان عن قفازاتهما وتبدّل الجو السائد. فراح هتلر الغاضب يكيل النعوت لتشرشل واصفاً إياه بـ{مفتعل الحروب}. أما تشرشل، فبدأ يتجاهل تدريجاً قواعد التعامل الدبلوماسي. فصار ينتقد بشدة اضطهاد اليهود. وكتب في مقال نُشر في إحدى الصحف عام 1939 أن الرايخ الثالث يمثل نوعاً جديداً من الشرور.

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية بعد بضعة أسابيع، شاء القدر أن يكون هتلر هو مَن يمهد الطريق أمام عودة تشرشل السياسية. فقد ألقى غزو ألمانيا بولندا ضوءاً جديداً على توقعات تشرشل الباكرة. وتبيّن أن هذا السياسي كان مصيباً في رأيه. وساهم تكتّل النازيين ضده ونعته بـ{الكذاب الوسخ} و{الخنزير المنتفخ} في زيادة شعبيته.

استسلم شامبرلاين للضغط الشعبي وعيّن تشرشل في حكومته. وفي ربيع عام 1940، خلفه تشرشل كرئيس للوزراء.

مساء العاشر من مايو (أيار)، كان تشرشل البالغ 65 سنة جالساً في سيارة ليموزين متوجّهة إلى قصر باكنغهام، حيث طلب منه الملك جورج السادس تشكيل حكومة جديدة. وفي مذكراته، كتب تشرشل: {شعرت بأن القدر كان يخط حياتي وأن أيامي السابقة ما هي إلا تمهيد لهذه الساعة ولهذه التجربة}. وهكذا بدأ الصراع.

تصرّف النازيون كما لو أنهم يرحبون بهذا التطور. كتب جوزيف غوبلز، وزير الدعاية النازي، في يومياته: {باتت الجبهات واضحة. ونحن نفضّل ذلك}. كذلك، احتوت يومياته تعليقات أخرى تعبّر عن احترامه لرئيس الوزراء البريطاني الجديد. فقد قال غوبلز عن تشرشل إنه {رجل يتمتع بمواهب كثيرة} و{لا يمكن توقع تصرفاته}، وإنه {روح الهجوم الإنكليزي}. والمفارقة أن يوم الجمعة الذي تسلّم فيه تشرشل منصبه كان يوماً بغيضاً بالنسبة إلى هتلر.

يأس

في ساعات الصباح الباكرة، سافر هتلر إلى أوسكرشن قرب كولونيا في قطار مصفّح خاص يُدعى {أمريكا}. ومن هناك اصطحبت مواكب عدة الديكتاتور ومرافقيه إلى رودرت، قرية تقع قرب بلدة باد مونستريفل حُصّنت ونُشرت فيها نقاط التفتيش. دخل هتلر إلى حصن صغير بسيط قابع على تلة تُدعى إسلزبورغ (جبل الحمار). احتوى هذا الحصن كراسيَ من قش خصّصها هتلر لضيوفه. فلم يُرِد هذا الحاكم المتعصّب المتقشف أن يصفه التاريخ كرجل عاش حياة ترف وبذخ.

لم تكن الجبهة الغربية قد شهدت أي تطور منذ اندلاع الحرب. فقد أحجمت فرنسا وبريطانيا العظمى عن المخاطرة بالتصدي لألمانيا. كذلك، تردد هتلر في مهاجمتهما. لكن الوقت كان قد حان للمضي قدماً.

في الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والثلاثين سُمع دويّ المدافع في البعيد للمرة الأولى. فرفع هتلر يده وأشار إلى الغرب، ثم قال: {أيها السادة، إنها بداية الهجوم على القوى الغربية}.

هجوم الجيش الألماني

بدا الجيش الألماني أضعف من القوات المسلحة المشتركة الفرنسية والبريطانية والبلجيكية. فكان الألمان أقل عدداً وعتاداً، وخصوصاً الدبابات والمدفعية.

لكن الهجوم الألماني أصاب النجاح. فغزت الجيوش الألمانية بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، إذ أوهمت العدو أنها ستشن هجومها الرئيس من هذه الدول، كما فعلت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى. وتقدّمت في الوقت عينه الوحدات الألمانية المؤللة عبر تلال منطقة الأردين، التي اعتبرها الفرنسيون عائقاً طبيعياً أمام الهجمات. وهكذا ظهرت فجأة في الجهة الخلفية من الجبهة. وما هي إلا بضعة أيام حتى بات عدد كبير من فرق جيش الحلفاء مهدداً بالحصار.

توجّس هتلر من انتصار الجيش الألماني السريع هذا، وخشي أن يكون متوجهاً نحو فخ. لذلك حاول كبح جماح ضباطه وراح {يرغي ويزبد، قائلاً إنهم سيفسدون العملية برمتها}، حسبما يذكر فرانز هالدر، رئيس هيئة الأركان الألمانية.

كذلك، فاجأ التقدّم الألماني تشرشل. فقد أقر لاحقاً أنه استخفّ بالتغييرات التي طرأت منذ الحرب العالمية الأولى نتيجة ظهور عدد كبير من الآليات المصفحة السريعة. فكتب تشرشل في مذكراته: {لم تعِ فرنسا وبريطانيا كلتاهما تأثير الآليات المصفحة التي تستطيع تحمّل نيران المدفعية واجتياز مئات الكيلومترات يومياً}.

سافر تشرشل مرات عدة إلى فرنسا بغية تشجيع حلفائه الفرنسيين على الصمود. ووعدهم بإرسال أسراب من الطائرات (أمر لم يفعله) وعدد من الفرق (التي ما كان يملكها). ولكن بعد زيارته الأولى إلى وزارة الخارجية في باريس في 15 مايو، أفاد: {ارتسمت علامات اليأس على الوجوه كافة}.

ثم تطلع رئيس الوزراء هذا من النافذة. فرأى في الخارج في حديقة كاي دورساي سحب الدخان المتصاعدة من نيران متأججة. ولاحظ مسؤولين مرموقين يدفعون بعربات محملة بالوثائق لرميها فيها. {فكانوا يستعدون لإخلاء باريس}، كما كتب تشرشل لاحقاً.

هتلر يتحالف مع تشرشل

عندما أُرغمت البعثة العسكرية البريطانية وأجزاء من الجيش الفرنسي على الانسحاب إلى شمال فرنسا، ذكر تشرشل بمكر: {إذا قاتلت جهة وامتنعت الجهة الأخرى عن القتال، تصبح الحرب عندئذٍ غير متكافئة}. إلا أن تشرشل كان مصمماً على مواصلة الحرب.

في تلك المرحلة، تحوّل هتلر من دون أن يدري إلى حليف لتشرشل. فعندما حدّ من تقدّم الألمان، أتاح هذا الديكتاتور للبريطانيين تنظيم أكبر حملة إخلاء في تاريخهم العسكري في ميناء دانكيرك في شمال فرنسا. ويعتقد معظم المؤرخين العسكريين أن لندن كانت ستُضطر إلى الإذعان لهتلر لو أن عملية الإخلاء فشلت. لكن هتلر زعم لاحقاً أنه عفا عن البريطانيين لأنه أرادهم أن {يعترفوا بهيمنة ألمانيا على القارة}. ثم أضاف مستدركاً: {لم يقدّر تشرشل كرمنا وشهامتنا}.

لكن الشهامة لم تكن من شيم هتلر. وثمة أدلة على أن قرار وقف الاندفاع الألماني خطأ استرتيجي ارتكبه قادته العسكريون ووافق عليه هتلر نفسه. لكنه سارع إلى تصحيحه بعد يومين. إلا أن الأوان كان قد فات لوقف عملية الإخلاء البريطانية.

كان مئات الآلاف من جنود الحلفاء ينتظرون على الشواطئ في أواخر مايو (أيار)، متحصنين وراء أرصفة ميناء دانكيرك وحواجزه البحرية. غير أن مدفعية الألمان وطائراتهم الحربية، التي تُعرف باسم ستوكا، حوّلت فترة انتظارهم تلك إلى جحيم. وعندما وصلت السفن، اضطر الجنود الذين نزلوا إلى المياه الباردة لإبعاد جثث رفاقهم الموتى أو الدوس عليها.

استخدمت البحرية الملكية سفنها، وصادرت أيضاً زوارق سريعة ومراكب إبحار ويخوتاً ومراكب مزودة بمحركات لنقل أكبر عدد ممكن من الجنود. وخلال عملية الإجلاء، عبرت القنال الإنكليزية نحو ألف سفينة لتعيد فرق الجيش الإنكليزي إلى أرض الوطن.

وقد حالف الحظ البريطانيين لأن السحب المنخفضة أعاقت رؤية الطائرات الألمانية. كذلك تصدى سلاح الجو الملكي للألمان لبضعة أيام، ما أتاح للبريطانيين الوقت الكافي لإجلاء الجيوش بنجاح. ومع سقوط دانكيرك في يد الألمان في 4 يونيو (حزيران)، كان معظم جنود الحلفاء قد فرّ.

فرح البريطانيون بنجاح جهود الإنقاذ، إلا أن هذا النصر أخفى كارثة كبيرة. فقد صمد الفرنسيون والبريطانيون في وجه الألمان طوال أربع سنوات في الحرب العالمية الأولى. لكن في الحرب العالمية الثانية، لم يحتج النازيون إلا إلى بضعة أسابيع للوصول إلى أبواب باريس. فهل حُسم الصراع بين هتلر وتشرشل؟

أقوى أسلحة تشرشل

خلال عملية الإخلاء، عرض موسوليني أداء دور الوسيط في اتفاق سلام بين بريطانيا وبرلين. لن نعرف يوماً ما دار من نقاشات في لندن، إذ كُتب في سجلات الحكومة أن تدوين المناقشات التي تدور بين الوزراء سيُعلّق موقتاً.

كان أنصار استرضاء ألمانيا وحلفاء رئيس الوزراء السابق شامبرلاين لا يزالون في الحكومة. وكان تشرشل بحاجة إلى دعمهم لأسباب تتعلق بالسياسة المحلية. ترأس وزير الخارجية اللورد هاليفاكس، إنكليزي كاثوليكي يعشق الصيد، الشريحة المطالبة بالسلام مع ألمانيا. ومع أنه عارض السلام بعناد، أراد الاطلاع على مختلف الآراء في لندن.

بدا تشرشل متردداً أيضاً، أو لعلّه كان يقوم بمناورات تكتيكية فحسب. تشير السجلات الرسمية إلى أن الحكومة قد تدرس مسألة عقد السلام مع هتلر، شرط أن يرضى بعودة المستعمرات الألمانية السابقة ويقبل بحصر الهيمنة الألمانية في أوروبا الوسطى. فقد عرف تشرشل يقيناً أن هتلر لن يقبل بهذه الشروط.

إنكلترا {دولة رقيق}

بعد ظهر 29 مايو (أيار)، كان الوقت قد حان لاتخاذ القرار الحاسم. فجمع رئيس الوزراء الحكومة الموسعة وأوضح للحاضرين أن هتلر سيسعى إلى تحويل بريطانيا العظمى إلى {دولة رقيق}، سواء عقد هذا البلد السلام مذلولاً أو {حارب من أجله}. لذلك أضاف مؤكداً أن على بريطانيا مواصلة القتال.

أخبر تشرشل أن عباراته هذه لقيت ترحيباً واسعاً، حتى أن بعض أعضاء الحكومة قفز عن الطاولة وركض إلى كرسيه وراح يصرخ ويربت على كتفه. لكن مصدراً آخر وصف ما حدث بأقل غلو، مشيراً إلى أن كامل الجالسين إلى الطاولة تمتموا بالموافقة. في مطلق الأحوال، بدا القرار واضحاً: ستستمر الحرب.

راقت الحرب تشرشل. فبحلول عام 1945، كان هذا السياسي البريطاني قد قطع نحو 180 ألف كيلومتر. فقد قصد الجبهات لتفقّد الجنود. وخلال رحلاته هذه، اقترب كثيراً من خطوط الأعداء، حتى أن قادته خافوا على حياته.

عشق رئيس الوزراء هذا الحرب. لذلك وصفه هوربرت جورج ولز عقب الحرب العالمية الأولى بقوله: {يعتقد على نحو ساذج أنه ينتمي إلى طبقة موهوبة ومميزة من البشر وُضعت بين يديها حياة الناس العاديين وشؤونهم. وهذه، في رأيه، المواد الخام لمسيرة مهنية مذهلة... ولعل الأهم رغبته في عالم مأساوي مليء بالأشرار يبرز فيه بطل واحد}.

شكّلت الكلمات أقوى أسلحة تشرشل. قال جون كينيدي، ابن السفير الأميركي إلى لندن آنذاك الذي اتصف أيضاً ببلاغته في الخطابة وتبوأ لاحقاً منصب رئيس الولايات المتحدة، إن تشرشل أرسل اللغة الإنكليزية إلى الحرب. فألقى خطابات مؤثرة، حتى أن النازيين أنفسهم أعجبوا بفصاحته. وذكر غوبلز: {على رغم فظاظته، يفرض عليك تشرشل احترامه}.

لعلّ المشكلة الوحيدة التي شابت خطابات تشرشل اعتماده عبارات استُخدمت سابقاً. مثلاً، ذكر في مجلس العموم في 4 يونيو (حزيران) كلماته الشهيرة التالية: سنحارب على الشواطئ، سنحارب في المطارات، سنحارب في الحقول وعلى الطرقات، سنحارب على التلال، لن نستسلم مطلقاً}. لكن مقطعاً مماثلاً يرد في مجموعة قصص روديارد كيبلينغ The Jungle Book.

ألمانيا صحراء

لا يزال الخبراء حتى اليوم منقسمين بين مَن يعتبر أن رئيس الوزراء كان يحاول محاربة المناخ الانهزامي من خلال كلماته المتقدة وبين مَن قال إن عباراته عكست مشاعر شعب عاقد العزم. لم يخاطب تشرشل الشعب مباشرة إلا في مرات قليلة. ولكن خلال هذه المناسبات، تسمّر ثلاثة أرباع البريطانيين أمام أجهزة الراديو، وراحوا ينصتون إلى كل حرف يتفوّه به.

حاول رئيس الوزراء لاحقاً التقليل من شأن كلماته، معتبراً أن {ما من حاجة إلى استنهاض الروح الوطنية البريطانية} وأن {ما من أمر يحرّك الإنكليزي أكثر من خطر الغزو}.

شدّد تشرشل على التزامه الكامل بالحرب. بينما عمل الرايخ الثالث على تسخير العمال ونهب البلدان التي احتلها، كان على البريطانيين المساهمة مباشرة في الحرب. يخبر سيباستين هافنر، مهاجر ألماني، أن البوابين كانوا لا يزالون يقفون أمام الفنادق الفخمة في عيد الفصح عام 1940 وكان نحو مليون شخص يبحثون عن عمل. ولكن ما هي إلا أشهر قليلة حتى اختفى الناس من الشوارع ووضع مكتب الحرب يده على الفنادق. آنذاك، كان تشرشل يحلم بهجمات جوية على الرايخ الألماني. وأعلن خلال مأدبة غداء: {سنحوّل ألمانيا إلى صحراء، نعم، إلى صحراء}.

تشرشل أقوى رئيس وزراء بريطاني في التاريخ. فلم يسبق أن أُديرت شؤون الإمبراطورية بهذه الطريقة الغريبة أو أن حكمها رئيس وزراء صرّف الجزء الأكبر من شؤون الحكم وهو مستلقٍ. فقد اعتاد تشرشل الاستلقاء على سريره وهو يلبس رداءه الأحمر ويمضغ السيجار ويرتشف ماء الصودا المثلّج. فيملي على مساعده المذكرات التي حملت غالباً العنوان {أعمال اليوم}.

كانت الجزر البريطانية، وفق أسطورة تشرشل، عاجزة عن مقاومة هتلر في صيف عام 1940. وتملكت {حمى الخوف من الغزو} من تشرشل أيضاً. فقال لأحد أصدقائه بلهجة ملؤها التشاؤم: {سنموت أنا وأنت في غضون ثلاثة أشهر}.

متى يستسلم تشرشل؟

أقام تشرشل ستائر من الرمل أمام الأبنية الحكومية الأساسية بغية حماية الجنود وإعاقة أي هجوم ينفذه المظليون الألمان. كذلك أزيلت اللافتات من المناطق الحكومية لبعض الوقت بغية منع المهاجمين من تحديد مواقعهم. وكان تشرشل مصمماً على المشاركة في الحرب هو بنفسه، إذا دعت الحاجة، متمرناً على إطلاق النار من مسدسه من نوع مانليشر في حقل الرماية في تشيكرز، مقر رئيس الوزراء الصيفي.

ندرك اليوم أن خطر الغزو الألماني كان بعيداً، على الأقل في صيف عام 1940. فقد توصّل هتلر وكبار قادته العسكريين إلى الخلاصة أن البحرية البريطانية قوية جداً. واعتبروا أن عملية إنزال بري خيار مستبعد، إلا إذا تمكنوا من شلّ سلاح الجو البريطاني. فضلاً عن ذلك، بدا من المستحيل شن هجوم عبر القنال قبل نهاية سبتمبر (أيلول). وفي مايو عام 1941، شعر الألمان أن فرص نجاحهم في تسديد ضربة لبريطانيا تحسنت. ولكن حتى في تلك الفترة، لم يتحمسوا لفكرة غزوها.

يذكر أحد الضباط أن هتلر بدا {متردداً أكثر من أي وقت مضى. فلم يعرف ما الأهداف التي يريد تحقيقها ولا كيف يريد تحقيقها}. فقد توقع الديكتاتور أن ينتصر أنصار التهدئة في لندن بعد سيطرته على فرنسا. لكنه سرعان ما وجد نفسه عالقاً مع حلفاء إما يحتقرهم (إيطاليا) أو يرغب في تدميرهم (الاتحاد السوفياتي)، بينما كان يشنّ حرباً ضد بلد كان يفضل لو يصبح شريكه. حتى أن أحد المسؤولين النازيين الرفيعي الشأن اشتكى، قائلاً: {يريدون مد اليد الألمانية إلى إنكلترا}.

طاولة المفاوضات

قرّر هتلر المتردد في النهاية قصف بريطانيا بغية دفعها نحو طاولة المفاوضات. فقد شبّه نفسه بمارتن لوثر، الذي رفض معارضة روما، غير أنه شعر ألا خيار آخر أمامه.

بدايةً، ركّز هتلر هجماته على المرافئ والمطارات ومصانع الأسلحة. فكانت الطائرات الحربية الألمانية تظهر يوماً بعد آخر في سماء جنوب إنكلترا، ما منع تشرشل من زيارة منزل شارتويل العزيز على قلبه، لأنه كان يقع ضمن مرمى الطائرات الألمانية.

راح إنكليز كثر يتأملون ما يحدث بقلق، بينما كانت الطائرات الحربية البريطانية من نوع سبيتفاير وهاريكاين تتصدى لسلاح الجو الألماني، مخلّفة وراءها في السماء دوائر من البخار الأبيض. ثم ما تلبث القطع المعدنية والرصاصات أن تبدأ بالتساقط على حدائق كنت وساسكس.

كان سلاح الجو البريطاني المتفوّق تقنياً، إذ اعتُبرت راداراته وما امتلكه من أنظمة إرشاد وتحذير الأكثر تطوراً في العالم حينذاك. فضلاً عن ذلك، كانت مصانع الطائرات البريطانية تُنتج عدداً أكبر من الطائرات، مقارنة بالمصانع الألمانية.

ولعل أهم العوامل التي ساعدت البريطانيين على الصمود موقع جزيرتهم. فعندما كانت الطائرات البريطانية تتعرض لإصابة، نجا الطيارون بحياتهم بالهبوط بمظلات داخل أراضيهم ليتولوا مهمات جديدة، أحياناً في اليوم عينه. أما الطيارون الألمان فكانوا يغرقون في البحر. وإذا حالفهم الحظ وهبطوا على اليابسة، انتهى بهم المطاف إلى معسكرات سجناء الحرب.

حرب خاطفة

مع أن سلاح الجو الألماني كان يُحرز تقدماً كبيراً على الجبهة البريطانية، إلا أن هتلر لم يفز بهذه الحرب. ففي 24 أغسطس (آب) عام 1940، قصف الألمان للمرة الأولى أحياء سكنية في لندن، ربما عن طريق الخطأ. عندئذٍ أصدر تشرشل الأمر بمهاجمة برلين. صحيح أنه لم يتوقع أن يؤدي قصف العاصمة الألمانية إلى نتائج عسكرية مهمة، لكن تشرشل يوضح أن هذه الخطوة كانت {مفيدة لمعنوياتنا جميعاً}.

ومع أن الأذى الذي لحق ببرلين لا يُذكر، حملت هذه الهجمات هتلر على التعهّد: {إذا أعلنوا أنهم سيهاجمون مدننا على نطاق واسع، فنحن سنمحوا مدنهم كلها}.

عند هذه المرحلة، اختفى تعاطف هتلر مع البريطانيين. وهكذا بدأت الحرب الخاطفة. فراحت صفارات الإنذار في لندن تزعق ليلة بعد أخرى، معلنةً قدوم الطائرات الحربية الألمانية. وبحلول ديسمبر (كانون الأول) عام 1940، كان نحو 14 ألف شخص قد لقوا حتفهم في العاصمة البريطانية، احتراقاً أو اختناقاً أو سحقاً تحت الأنقاض.

كذلك تضرر قصر باكنغهام ومقر مجلس العموم. لذلك، انتقلت وزارة الحرب بقيادة تشرشل إلى الأقبية تحت وزارة الخزانة في منطقة منتزه سانت جيمس. ويستطيع الزوار اليوم النزول إلى هذه الأقبية، فهي لا تزال على حالها منذ زمن تشرشل. يرى الزائر في هذا المكان غرفة الخرائط بخرائطها الضخمة التي تغطي الجدران وهواتفها البنية الغربية، فضلاً عن المطبخ بطاولته الحديدية الكبيرة. وحدها الجرذان اختفت مع رائحة السيجار البشعة ورائحة الفضلات البشرية المنبعثة من الحمامات.

لم يكن تشرشل وأعضاء حكومته في مأمن في هذه المنشأة، التي دُعّمت لاحقاً. ولو تعرض المبنى لضربة مباشرة لعنى ذلك نهاية الصراع بين هتلر وتشرشل.

لا شك في أن النازيين فرحوا بخراب لندن. لكنهم وقعوا أيضاً في الحيرة. فقد سأل غوبلز: {متى يستسلم هذا المخلوق المدعو تشرشل؟ لا تستطيع إنكلترا الصمود إلى الأبد}. لكنها صمدت.

أظهر تشرشل مدى تصميمه بتجوّله في المناطق المدمرة من لندن وكوفنتري وبيرمنغهام. فظهر في الصور منحني الكتفين قليلاً، ما عكس قوة عزيمته، حتى أن رسامي الكاريكاتور صوّروه ككلب بولدوغ.

راح الشعب يصرخ، مطالباً بالانتقام. واستجاب تشرشل لطلبه. فشنّ البريطانيون أول هجوم كبير على مدينة مانهايم الألمانية في ديسمبر (كانون الأول) عام 1940.

{الولايات المتحدة إلى الحرب}

في نهاية عام 1940، أقرّ هتلر علناً أنه عاجز عن حمل خصمه على الاستسلام من خلال حملات القصف الجوي. وكان قد تخلى قبل أشهر عن خططه غير المتقنة لغزو بريطانيا.

هكذا وقع هذان الرجلان في حالة من الجمود، إذ لم يستطع تشرشل أيضاً إسقاط خصمه، لأن الجيش البريطاني وحده كان عاجزاً عن إنزال الهزيمة بالألمان. فماذا حدث بعدئذٍ؟

وضع تشرشل خطة منطقية. وإذا صدّقنا رواية ابنه راندولف، يكون قد بدأ بتنفيذ هذه الخطة في 18 مايو (أيار) عام 1940. في ذلك اليوم، كان راندولف منتظراً خارج غرفة الحمام لينتهي والده من الحلاقة. فجأة، توقف تشرشل عن الحلاقة وقال لابنه الذي يقف أمام الباب المفتوح: {أعتقد أنني وجدت المنفذ}. فأجابه راندولف: {أتعني أن بإمكاننا تجنب الهزيمة؟}. ردّ تشرشل: {طبعاً، أعني أن بإمكاننا تجنّب الهزيمة. سأجر الولايات المتحدة إلى الحرب}.

وكان من الطبيعي أن يطرح تشرشل هذه الفكرة. فأمه أميركية، وكان يعشق هذه القوة العظمى الجديدة ويعرف مقدراتها. إلا أن الشعب الأميركي رفض التدخل في حروب الأوروبيين. فكانت شحنات الأسلحة الأميركية قليلة. وعلى رغم تحذيرات تشرشل ومحاولاته التقرب من واشنطن، يجمع المؤرخون، حتى الميّالون إلى تشرشل، على أن الوضع ما كان ليتبدل لو لم تقدم حليفة هتلر، اليابان، على قصف بيرل هاربر في ديسمبر (كانون الأول) عام 1941, مقحمةً بالتالي الولايات المتحدة في الحرب.

رقص تشرشل فرحاً عندما بلغته هذه الأخبار. وقال للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت: {يبسّط هذا بالتأكيد الأمور. ليكن الله بعونك}.

بحث هتلر أيضاً عن خيارات جديدة وتفاجأ حين رأى أن البريطانيين لم يتزعزعوا. وتوصَّل في النهاية إلى نظرية مفادها أن تشرشل يرفض الاستسلام لأنه كان يعتمد سراً على الاتحاد السوفياتي، الذي كان متحالفاً مع هتلر. هكذا تمسّك الديكتاتور النازي بهذه الفكرة غير المنطقية وعقد العزم على مهاجمة ستالين، أمر نوى القيام به منذ البداية. قال هتلر: {بعد القضاء على روسيا، تفقد إنكلترا كل أمل}.

هتلر اجتاح الاتحاد السوفياتي

في مايو (أيار) عام 1941، شهدت الغارات الجوية الألمانية على بريطانيا العظمى تراجعاً كبيراً، لأن الطائرات الحربية توجهت شرقاً. وبعد ستة أسابيع اجتاح الجيش الألماني الاتحاد السوفياتي.

يا له من إطراء للشعب البريطاني! فقد ظنَّ هتلر أن غزو موسكو سيكون أسهل من احتلال لندن. وقبيل انهياره عام 1945، اشتكى هتلر من أن تشرشل كان {الأب الحقيقي لحربه}.

مع بداية الهجوم على الاتحاد السوفياتي، نجا النظام السياسي البريطاني. وما عاد على تشرشل تحقيق أي إنجاز إضافي. لكنه دفع ثمناً باهظاً لقاء هذا النصر، لأن الحرب سرّعت تفكك هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف. والمفارقة أن تشرشل، أحد أنصار الإمبراطورية، هو مَن أُرغم على تسريع انهيارها. لكن لم يكن أمام هذا السياسي الواقعي غير خيار واحد: شراكة مع الولايات المتحدة الديمقراطية أو ألمانيا النازية. ولم يُعتبر هذا خياراً صعباً، إذ بدا واضحاً أيّاً من هاتين الدولتين يناسب المصالح البريطانية.

مع انضمام الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة إلى الحرب، كان على تشرشل التخلي عن مكانته كخصم هتلر الرئيس، لأن الحلفاء الآخرين شاطروه عبء الحرب منذ ذلك الحين فصاعداً. وعلى رغم أن تشرشل وعد حليفه الجديد، الاتحاد السوفياتي، بالمساعدات كافة التي {يسمح بها الوقت والجغرافيا وموارد إنكلترا المتنامية}، بقيت الشحنات البريطانية ضئيلة. وظلّ تشرشل لبعض الوقت يعارض شنَّ القوات الغربية هجوماً على القارة، {الجبهة الثانية}، مخافة أن يتحول إلى كارثة. لذلك قال ستالين ساخراً: {يخشى البريطانيون القتال. يجب ألا تتخيلوا الألمان رجالاً خارقين}.

ضحايا القصف البريطاني

أمل البريطانيون في أن يساهموا بفاعلية في إنزال الهزيمة بالألمان. لذلك بدأوا يقصفون المدن الألمانية دورياً في ربيع عام 1942. وبدا تشرشل مصمماً على المضي قدماً في هذه الغارات، على رغم الشكوك التي ساورته أحياناً. فبعد مشاهدة فيلم عن المدن الألمانية المدمرة، سأل: {هل نحن وحوش؟ هل نبالغ في قصفنا هذا؟}. لكنه فكَّر أيضاً في إلقاء غازات سامة على المدن الألمانية، لكن جنرالاته عارضوه.

صحيح أن غارات سلاح الجو الملكي البريطاني على مصانع الأسلحة وسكك الحديد قصّرت الحرب بضعة أشهر، بيد أن المدنيين كانوا أبرز ضحايا هجماته على المناطق السكنية. فقد أودى القصف بحياة 600 ألف شخص، معظمهم من النساء والمسنين والأولاد. وترك عدداً من المدن شبه مدمر.

وعندما دُكّت مدينة درسدن قرابة نهاية الحرب في فبراير (شباط) عام 1945، أقرّ تشرشل نفسه بأن هذا القصف كان {مجرد عمل إرهابي ودمار عبثي}.

بحلول تلك الفترة، كان الصراع قد حُسم منذ زمن. وما بقي أمام الحلفاء سوى قرار واحد: ماذا يفعلون بهتلر والألمان بعد أن يُهزموا؟ كما هي الحال دوماً مع تشرشل، فقد تأرجح بين طرفين نقيضين، بين سلام ظالم وكرم نبيل. لكن في النهاية، طغت أفكار ستالين وروزفلت على طروحاته.

الألمان خارج أوروبا الشرقيّة

ساهم تشرشل في طرد الألمان من أوروبا الشرقية، حسبما أفاد المؤرخ ديتليف براندس. فقد دعم مطالب الحكومتين البولندية والتشيكوسلوفاكية اللتين كانتا آنذاك في المنفى في لندن. وأكّد تشرشل أن أمام الألمان {وقتاً قصيراً لجمع ما هو ضروري والمغادرة}.

قصد بكلماته هذه في البداية شرق بروسيا وإقليم السوديت، لكنه سرعان ما أضاف بوميرانيا وأجزاء من سيليزيا إلى خطته.

ولعل أحلك ساعات تشرشل كانت خلال مؤتمر طهران عام 1943، حين اختار ثلاثة ثقب كبريت لتمثل ألمانيا وبولندا والاتحاد السوفياتي. كان تشرشل قد وافق على طلب ستالين ضم جزء من بولندا إلى الاتحاد السوفياتي. فوضع الثقب الثلاثة على الخارطة ليصوّر النتيجة. وبدفعه ثقاب الاتحاد السوفياتي نحو الغرب، بدّل أيضاً موقع الثقابين الآخرين. وقد اعتبر ستالين انحراف الثقاب البولندي نحو الغرب ممتعاً.

لكن كان على الألمان إخلاء المناطق التي أُلحقت ببولندا. لذلك، جُمع الملايين ونُهبوا وطُردوا من أرضهم، ما أدى إلى موت عشرات الآلاف خلال المسيرات القسرية.

{الكارثة المريعة}

انتقد تشرشل لاحقاً سلوك البولنديين والسوفيات العنيف، واصفاً إياه بـ{الكارثة المريعة}، كما لو أن التطهير العرقي لم يكن يوماً مأساة. وماذا كان سيحل بهتلر الذي كان المسؤول عن هذه المصائب كلها بإشعاله الحرب في المقام الأول؟ قبل المحرقة النازية، فكّر تشرشل في نفي هتلر وكبار القادة النازيين إلى جزيرة معزولة، تماماً كما نُفي نابليون إلى ألبا. أو لعله كان ثملاً عندما تحدّث عن هذه الفكرة.

مع بدء المحرقة، سارع إلى سحب هذه الأفكار الغربية عن الطاولة. وعلم تشرشل بالجرائم التي ارتكبها النازيون بعدما نجح البريطانيون في حلّ شفرة استخدمها الألمان لكتابة تقارير وكالات الاستخبارات والشرطة عن المجازر التي ارتُكبت بحق اليهود في الاتحاد السوفياتي في صيف عام 1941. في تلك السنة عينها، أخبر رئيس الوزراء البريطاني حكومته أنه سيعدم هتلر كرجل عصابة، بواسطة كرسي كهربائي من دون محاكمة، في حال ألقى القبض عليه. فقد اعتبر تشرشل هتلر {منبع الشر}.

لكن كما نعلم، انتحر هتلر في مخبئه قبل أيام من سقوط ألمانيا عام 1945. وكتب تشرشل في مذكراته أن هذه كانت النهاية الفضلى لهذا الديكتاتور النازي.

هكذا انتصر تشرشل وانتهى صراعه مع هتلر. وفي يوليو (تموز) عام 1945، عندما تجوّل المنتصر في شوارع برلين المهدَّمة، طلب الذهاب إلى المكان حيث أنهى هتلر حياته. كذلك زار الموقع في باحة مقر مستشار الرايخ حيث أُحرقت جثة الديكتاتور.

طبعاً، لم يُعلَن مسبقاً عن زيارة تشرشل إلى برلين. لكن عدداً كبيراً من الناس احتشد أمام المقر. وعندما سار تشرشل بين الجماهير، تفاجأ حين سمع الألمان يحتفلون به كبطل. ومن بين المجتمعين كلهم، رجل واحد هزّ رأسه مستنكراً.

هذه هي قصة تشرشل. فثمة مَن يكرهونه لأنه كان من أنصار الإمبراطورية، لأن حياة الفرد لم تعنِ له الكثير، لأنه بالغ في حملات القصف التي شنَّها، ولأنه وافق على التطهير العرقي. لكن مهما كانت مساوئه، لا يسعنا إلا أن نشعر بالامتنان له لأنه فاز في هذا الصراع.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy