• ×

01:15 مساءً , الأحد 5 يوليو 2020

قائمة

العباقرة والجنون (1) - ميشال فوكو... الجنون يغري لأنه معرفة

 0  0  3.5K
 العباقرة والجنون (1) - ميشال فوكو... الجنون يغري لأنه معرفة

ثمة من يقول إن الفيلسوفين ميشال فوكو ولويس ألتوسير كانا مهددين بالجنون في شبابهما الأول، لكن فوكو نجا من الخطر بعدما استطاع تأليف كتابه عن «تاريخ الجنون»، في حين أن التوسير غطس تماماً. الأمر اللافت هو أن التوسير يذكر دائماً فوكو عندما يتحدث عن مرضه العقلي أو جنونه. الواقع أنه تعرف الى فوكو منذ بداية شبابه الاول، وكان يعرف أنه يقف، مثله، على حافة الجنون ويعاني أزمة داخلية مرعبة. لكن تكمن عظمة فوكو في قدرته على الإفلات منها في اللحظة الأخيرة بعدما أوشك مراراً ان يسقط في الهاوية.

متى عرف التوسير أن فوكو نجا من العملية؟ عندما رأى كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، فبمجرد أن قرأ المقدمة، التي تشبه انفجار الزلازل أو البراكين، عرف أن صديقه شفي وانتصر على ذاته.

يعرّف فوكو الجنون بقوله: «الجنون يغري لأنّه معرفة. إنّه معرفة لأنّ هذه الصور العبثية كلها تمثّل في الواقع عناصر معرفة صعبة، ومنغلقة، وباطنية». على عكس ما هو سائد، أو بالأحرى ما كان سائداً، الجنون هو ضرب من المعرفة تتميّز بصعوبتها وانغلاقها وباطنيتها، كيف يمكن أن تجتمع هذه العناصر الثلاثة لتكوّن معرفة نقيضة للمعرفة السائدة؟ بهذا يأخذ الجنون بعداً أخلاقياً، أي أنّ المجنون هو الشخص الذي يعجب بنفسه. ثم يذهب، من جانب آخر، إلى اعتبار المجنون هو ذلك الشخص الذي يفقد القدرة على التحكّم بسلوكه، فتبدو عليه آثار اللامعقول في مشيته وحركات الجسم.

بدلاً من البحث عن تعريف الجنون، باعتباره أمراً ثابتاً عبر العصور، سعى فوكو إلى تحليل أسلوب تفكير البشر في تمييزهم بين العقل والجنون وتغيرات الخطاب حول هذا الموضوع التي تبلغ درجة التناقض أحياناً، وهو بذلك يقطع مع فكرة وجود «الجنون» كظاهرة نفسية واجتماعية ثابتة ويثبت أن الموضوع المدروس وأدوات دراسته يتم إنتاجهما عبر تطور المجتمعات، ويقطع كذلك مع فكرة الفصل بين أنواع المعارف ومستويات التحليل حين يوضح أن خطاب المعرفة وخطاب السلطة يرتبطان بعلاقات متراكبة، فهما يحيلان على بعضهما البعض ويغذي كل منهما الآخر خلال تحولاتهما. لعل هذه العلاقة ستصبح مركز اهتمام لدى فوكو، في بقية أعماله.

تاريخ الجنون

يبدأ فوكو كتابه «تاريخ الجنون» بالكلام على مرضى الجذام (البرص) وكيف عزلوا عن المجتمع وشُيدت مستشفيات خاصة بهم في ضواحي باريس، وكان يُنظر اليهم كحيوانات حلّت عليها اللعنة، لذا يجب إقصاؤها وإبعادها. هذه النظرة الدونية للبُرص كانت نقطة انطلاق فوكو في تقويمه للمعايير الأخلاقية في العصر الكلاسيكي، والغريب هو اعتبار البَرص مرضاً شيطانياً - إبليسياً يفرّغ من يتعرض له من مضمونه الانساني ويحشوه بالقش ويحرمه من الإقامة في مجتمع طبيعي.

في القرن الخامس عشر، كان المجانين يهيمون في البلاد على وجوههم، كما وصفت قصيدة سباستيان برانت «سفينة المجانين»، وكما صورت لنا لوحة هيرونيموس بوش، التي تحمل الاسم نفسه، والمستوحاة من هذه القصيدة. إضافة الى ذلك، برز موضوع الجنون، عموماً، في الأدب وصنع الأيقونات، لأنه كان ينظر إلى المجنون باعتباره مصدراً للحقيقة والحكمة ونقد الوضع السياسي القائم.

وفي عصر النهضة، احتلّ الجنون مكانة رئيسة: «إنه تجربة في ميدان اللغة، واجه من خلالها الانسان حقيقته الأخلاقية بقواعد وأنظمة تلائم طبيعته وحقيقته». والجنون هنا له شكله العقلي الخاص ويُنظر إليه باعتباره صفة مميزة للبشر، فالعقل اللامعقول والعقل المعقول يمكن أن يوجدا جنباً الى جنب.

أدرك فوكو، في بداية مساره الفكري، أنّ الجنون من القضايا التي تطرح نفسها بشدّة على الفكر الغربي، إذ وجد نفسه أمام قضيّة معقّدة جدّاً، ما دفعه إلى البحث في تاريخ الجنون في الفكر الغربي، وهي الدراسة التي طرح فيها الكاتب مفاهيمه وأفكاره في ضوء ما توصّل إليه من نتائج وتصورات سيكون لها بالغ الأثر، في ما بعد، في تطوير منهجه «الأركيولوجي».

ويسوق فوكو أمثلة على هذه العقلية الوحشية في التعامل مع المرضى النفسيين: «في فرانكفورت 1399 كان يكلف بعض البحارة بتخليص المدينة من أحمق يتجول عارياً في شوارعها. وفي السنوات الأولى من القرن الخامس عشر تم التخلص من أحمق مجرم بالطريقة نفسها وأرسل إلى مايانس، وأحياناً كان البحارة يلقون بالحمقى خارج السفينة قبل نقطة الوصول».

سفينة المجانين

تدل سفينة المجانين، رمزياً عند فوكو، على انتصار لا للسماء أو الأرض إنما للجنون. فالجنون يقود البشرية في كل مكان، لا بل يذهب فوكو أبعد مؤكداً أن أصل العالم يكمن في جنون من مختلف الأنواع، بدءاً بما هو أنطولوجي وانتهاءً بما هو سيكولوجي. لكن التركيز في كتاب «تاريخ الجنون» يقع على طبيعة الخطاب السلطوي الهادف إلى إدعاء الاصلاح والعناية والاهتمام بضحايا المرض العقلي. هنا يلاحظ أن القرن السابع عشر في فرنسا انطوى على قرارات تبدو للوهلة الأولى إنسانية، إلا أنها من حيث الماهية في غاية الفظاعة، فقد صدر مرسوم ملكي ينصّ على أن الملك أمر بتشييد أبنية على هيئة مستشفيات ومصحات وبيوت عجزة، مهمة القائمين عليها هي العناية بفقراء باريس ذكوراً وإناثاً، أياً تكن خطورة مرضهم من دون أن يُسألوا عن أصلهم أو عن عمرهم أو قابليتهم للشفاء أو عدم قابليتهم.

غير أن مكمَن السلبية في هذا الأمر هو، كما يرى فوكو، أن هذه المستشفيات العامة التي ظهرت إرهاصاتها عام 1661 هي أدوات قمع وإهانة للكرامة الانسانية، لأن المستشفى العام في ذلك الوقت كان سجناً وإصلاحية ومأوى ومارستاناً والنواة أيضاً التي انبثقت منها المستشفيات المعاصرة المتخصصة بالأمراض العقلية والسيكولوجية.

في كتابه «خمسون مفكراً صنعوا ثقافة القرن العشرين» يقول جان ليشته إن فوكو يذكرنا بأن العصر الكلاسيكي- عصر ديكارت هو عصر العقل أيضاً. من جهة، يسعى فوكو إلى تبيان كيف أن ديكارت يستبعد، في التأملات الأولى، الجنون من الشكّ المبالغ فيه: بإمكان ديكارت أن يشكّ في كل شيء ما عدا سلامته العقلية، من جهة أخرى يريد فوكو أن يعرف ما هو الجنون والعقل في عصر ديكارت، لذا كان الفرق بينهما يشكل مثل هذه القضية، أو كما ورد في صياغة متأخرة، أراد أن يدرس الطريقة التي يتم فيها تثبيت التقسيم بين الجنون والعقل اللذين يعرضهما كنتاج لصيرورات تاريخية، فهما لا يوجدان كمقولتين موضوعتين شاملتين. بالنسبة إلى البعض، يبدو مثل هذا التوجه نسبياً للغاية.

مع العصر الكلاسيكي (أي في القرنين السابع عشر والثامن عشر) تم اختزال الجنون بالسكوت والصمت، أو بالأحرى، ليس له صوت خاص به، لكنه يوجد بشكل مشوّش في الشخصيات المناهضة لما هو اجتماعي، مثل الفاجر أو الشاذ جنسياً أو الفاسق أو الخليع أو الساحر، هؤلاء الأشخاص يحتجزون في المستشفيات وإصلاحيات الأحداث والسجنون. على غرار ذلك، يعرّف الفكر في القرنين السابع عشر والثامن عشر الغضب الشديد الذي يشمل السلوك الإجرامي والجنوني بأنه «لا عقل». ثم يتغيّر شكل الجنون بين عصر النهضة والعصر الكلاسيكي، ليس هذا فحسب، بل تتغيّر استراتجيات المجتمع بدورها في التعامل مع الجنون.

حتى مجيء القرن التاسع عشر كان الجنون/ أو المرض العقلي، مسألة تخصّ الشرطة أكثر مما تخص الأطباء، ولم يُعتبر المجانون مرضى. هكذا يجادل فوكو بأنه ليس ثمة أساس للبحث في حالات سابقة لمعالجة المرضى عقلياً في تاريخ الطب النفسي، بل تتكشف لنا انقطاعات تاريخية: أولاً، بين رأي عصر النهضة في الجنون ورأي العصر الكلاسيكي الذي يردّ الجنون إلى اللاعقل بالتالي الى الصمت، ثانياً، بين العصر الكلاسيكي والقرن التاسع عشر الذي عالج الجنون طبياً، أي اعتبره مرضاً عقلياً.

جنون العباقرة

يتوقف فوكو طويلاً أمام جنون الفلاسفة والشعراء والأدباء والفنانين، أمثال هولدرلين، نيتشه، آرتو، جيرار دونيرفال، غويا، ساد، إلخ. وهو جنون يحقّ له أن يحاكم العقل الغربي المتغطرس وليس العكس، إذ لا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى جنون فريديريك نيتشه أو الشاعر الكبير هولدرلين، ولا يجد فوكو غير الثناء على هذا الجنون والتحدث عنه بحميمية وشاعرية، فهؤلاء المجانين الكبار قدّموا روائع خالدة للثقافة الإنسانية.

يرى فوكو أن جنون تاس واكتئاب سويفت وهذيان روسو، كلها حالات معبّر عنها في أعمالهم، تماماً مثلما أن هذه الأعمال مرتبطة بأصحابها. فالعنف الذي يتكلم في نصوصهم وفي حياتهم هو من الطبيعة نفسها أو الهمّ نفسه، رؤى تتحاور في ما بينها، اللغة والهذيان يتداخلان والعمل والجنون يرتبطان ارتباطاً عميقاً: هذا يضع حداً لذاك، إنها مفارقة، ذلك أن ثمة منطقة يتمرّد فيها الجنون على العمل ويختزله بشكل ساخر، جاعلاً من مشهده المخيالي عالماً باتولوجياً من الاستيهامات، والعكس صحيح، لقد كان الهذيان ينفصل عن حقيقته الهزيلة كجنون ليثبت نفسه بوصفه عملاً.

جنون نيتشه وفان غوغ أو آرتو، معبّر عنه من خلال عمل صاحبه، وهنا تنتهي الحكاية، قد يكون ذلك التعبير عميقاً لكنه تمّ من خلال عالم آخر، إلا أن فوكو يعلن أن الجنون هو قطيعة مطلقة في العمل، بوصفه يشكل اللحظة المكوّنة لاندثار ما، ويؤسس في الزمن لحقيقة العمل، إنه يرسم حدوده الخارجية وخط الانهيار، إنه بروفيل ضد الفراغ، لذلك يطالب العالم، الذي كان يعتقد بأنه يعرف حجم الجنون ويبرر وجوده من خلال السيكولوجيا، بأن يبرر وجوده أمام الجنون.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy