• ×

09:19 مساءً , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

جنون الارتياب إفراط في العقلانيّة

 0  0  1.7K
 جنون الارتياب إفراط في العقلانيّة

مانفرد شنايدر: القاتل لوفنر يرى أنه تصرّف بطريقة أخلاقيّة


اعتبر كثيرون حادثة إطلاق النار في 8 يناير الجاري على النائبة الأميركية غابريال غيفوردز و18 شخصاً آخرين في أريزونا عملاً مجنوناً. لكن الباحث المتخصّص في عمليات الاغتيال مانفرد شنايدر يوضج لـ{شبيغل} أن مطلق النار، جارد لي لوفنر، لم يتصرّف بطريقة غير عقلانية، إنما جاءت جريمته هذه نتيجة {العقلانية المفرطة}.

سيّد شنايدر، في 8 يناير أطلق شاب في الثانية والعشرين من عمره في أريزونا النار على النائبة الأميركية غابريال غيفوردز فأصابها في رأسها عن مسافة قريبة، كذلك قتل ستة آخرين. وفيما كان العالم يبحث عن تفسيرات لما حدث، ذكرت في كتابك الأخير Das Attentat (الاغتيال) أن مَن ينفّذ عملية اغتيال، مثل لوفنر، ليس مجنوناً، بل تأتي تصرّفاته نتيجة عقلانية مفرطة. فماذا تعني بكلماتك هذه؟

يُعتبر كل منفّذ عملية اغتيال مراقباً دقيقاً يفسّر الإشارات والحوادث. فلا يحدث أمر ما صدفة في رأيه. يبحث في العالم عن النوايا العدائية ويتخيّل أن المؤامرات تُحاك في كل مكان. قد نصف نحن النتيجة بالمجنونة. على رغم ذلك، يشكّل المنطق والعقلانية مكوّنين رئيسين في الافتراضات التي يتوصّل إليها القاتل وما يشعر به من ارتياب. وبذلك لا يكون جنون الارتياب غير منطقي، بل إفراط في العقلانية. ويُعتبر لوفنر خير مثال على ذلك.

كما لو أنه قرأ كتابك.

نعم .

ما النموذجي في تصرّفه؟

أولاً، تصرّف لوفنر، من وجهة نظره، بطريقة أخلاقية راقية. فمن يعاني جنون الارتياب يظنّ أنه ينقذ العالم من خطر ما. يفصل نظامه لتفسير ما يراه عن كل ما يحيط به. وداخل هذا النظام يعيد إرساء نظام لا يراه مخيفاً. ثانياً، خلّف لوفنر وراءه رسائل تُعتبر دوماً جزءاً من خطة اغتيال منطقية. نتيجة لذلك، يكون تصرّفه عملاً أمضى وقتاً طويلاً في التفكير فيه والتخطيط له. ثالثاً، يحمل سلوكه طابعاً سياسياً. في الاغتيال، يتّخذ الجنون، الذي قد يتجلى بطرق عدة، شكلاً سياسياً. لنتأمل في شريط الفيديو الذي يتحدث لوفنر فيه عن العملة ومعيار الذهب. يُعتبر هذان نظامين أساسيين في المجتمعات الغربية، وهو يريد تجديدهما أو استبدالهما. هذه مجرد أوهام، إلا أنها محاولة يود من خلالها الاتصال بالسلطة.

ماذا لو لم يتحدّث لوفنر عن الذهب والعملات، بل عن نوع جديد من البشر له ثلاث أذرع وأربع أرجل. ما هو الحد الذي يبدأ عنده الجنون بكل معنى الكلمة؟

عندما يبدأ الإنسان بالتفوّه بكلمات لا معنى لها. يركّز جنون الارتياب على السلطة. ولا دخل لهذا الجنون بنوع الأوهام التي ذكرتها لتوّك.

خلال أحد التجمّعات التي أقيمت ضمن إطار حملة Congress on Your Corner (الكونغرس إلى جانبك) عام 2007، سأل لوفنر غيفوردز: {لمَ تعني الكلمات ما تعنيه؟}. والغريب أنها أجابته بالإسبانية. فشعر لوفنر باستياء كبير بسبب جوابها غير الملائم.

نعتبر هذا التشكيك الأساسي في نظام الإشارات الذي نعتمده عارضاً يتكرّر باستمرار. فالجندي السابق دنيس لورتي، الذي اقتحم مبنى البرلمان في كيبيك في 8 مايو (أيار) 1984 وفتح النار، ذكر في رسالة أعدّها قبل الاعتداء: {أريد أن أدمّر كل ما يسعى الى تدمير اللغة}. أما لوفنر، فكتب أن الحكومة تتحكّم بقواعد اللغة.

هل جنون الارتياب مدمّر دوماً؟

ليس بالضرورة. لنتأمل في مثال شرلوك هولمز. تمتّع هذا المحقق بقدرة عالية على حلّ ألغاز الإشارات العشوائية: قصاصة ورق هنا، كومة من رماد السجائر هناك. وقد نجح في استعمال قدرته هذه في تأكيد أغرب الشكوك. عانى هولمز بالتأكيد من جنون الارتياب، غير أنه صبّ اهتمامه على فعل الخير.

لكن الفارق كبير بين هولمز ولوفنر. فقد توصّل هولمز إلى استنتاجات صحيحة.

وهذا ما ظنّ لوفنر أنه يقوم به أيضاً. لكن مَن يعاني جنون الارتياب يفتقر إلى التفكير الذاتي وسبل الامتحان والتحقّق. يكمن النقص الرئيس هنا على مستوى التفكير. يعيش قاتل مثل لوفنر في العزلة. نتيجة لذلك، تتحوّل شكوكه إلى وقائع في نظره. وبما أنه لا يتمتع بوسائل التواصل الضرورية للتصالح مع العالم المحيط به، يبدأ بابتكار نظامه الخاص لتعليل ما يعتقد أنه يقلقه ويقمعه.

هل من سبيل إلى معرفة ما إذا كان المصاب بجنون الارتياب من فئة هولمز أو من فئة لوفنر؟

يكون هذا الأمر صعباً جداً أحياناً. على سبيل المثال، تطبّق أجهزة الاستخبارات دوماً أسلوب هولمز. لكن التحليل الذي طرحه وزير الخارجية آنذاك كولن باول في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في فبراير (شباط) عام 2003 واستخلص من خلاله أن ثمة مختبرات أسلحة بيولوجية متنقّلة في العراق، يستند إلى البنية ذاتها كما الجنون الذي دفع بأدلهايد سترايدل إلى طعن (السياسي الألماني) أوسكار لافونتين بسكين عام 1990. فقد اعتقدت أن ثمة معامل تحت الأرض في البلدة البافارية فاكرسدورف كانت تُستخدم لقتل الناس.

بعيد الاعتداء، وصف المسؤول الذي كان يقود التحقيق في منطقة توسن لوفنر بأنه {شخص مضطرب نموذجي يعاني الوحدة}. هذا وصف بسيط، أليس كذلك؟

نعم بالتأكيد، لكني أفهم أيضاً سبب توصّل البعض إلى هذا الافتراض.

لمَ؟

يدخل القاتل موقع الجريمة كما لو أنه {ملاك الصدفة الأسود}. وفجأة يحدث في عالمنا المنطقي تطوّر غير مفهوم لا ينسجم مع أي نظام تفسير أو تعليل. ولكن يصعب علينا أن نستوعب أن أمراً بهذه الفظاعة حدث من باب الصدفة. وكما في حالة جارد لي لوفنر، نبحث عن أسباب تجعل هذه الجريمة منطقية ومتوقعة إلى حد ما.

مثل الادعاء الذي تردد بعد الحادث عن أن القاتل كان يملك كتاب {كفاحي} لهتلر.

هذا صحيح. ما من دليل واحد على هذا الادعاء. على رغم ذلك، يأمل الجميع في أن يكون صحيحاً. تردد أيضاً أن لوفنر أحد أتباع ديفيد واين ميلر، اليميني المتطرّف الذي يؤمن بنظريات المؤامرة. فلو صحّ ذلك، لحظينا بما يتيح لنا الحدّ من خطورة هذه الحالة، ولعنى ذلك أن بإمكاننا نظرياً الحؤول دون حدوث هذه الجريمة وأن إخفاقنا في ذلك يزوّدنا بدروس للمستقبل. يعتبر الجميع أن خطباً ما حدث. لربما تعطّل جهاز الأمن. نحتاج دوماً إلى سبب وإلى طرف مذنب.

ماذا يمنعنا من الاعتراف بأن الاغتيال جاء محض صدفة وأنه كان تصرفاً مجنوناً من دون هدف أو معنى؟

نبحث دوماً عن الأسباب عندما يحدث أمر فظيع. فلكل ظاهرة تفسير. يُشكّل هذا الأمر أساس تفكيرنا منذ عصر التنوير. وفي بحثنا عن سبب يعلّل عملية الاغتيال، نفتّش عن نماذج تمثّل الشر، مثل الشيوعية أو الفاشية أو وسائل الإعلام. وبدأت تظهر اليوم نماذج جديدة، مثل العدو الإسلامي أو المصرفي المخادع. فلا يستطيع السياسيون القول بكل بساطة إن الأزمة المالية حدثت بسبب حظّنا العاثر، بل عليهم أن يوضحوا للناس أن ثمة عملاء تصرّفوا بطريقة ما فسبّبوا الأزمة. ولكن إذا أخفقت هذه الادعاءات في تحقيق الغاية المرجوة منها ولم تتمتع بالمصداقية اللازمة، ينتج منها استياء كبير. وإذا اتخذ هذا الاستياء شكلاً من أشكال جنون الارتياب، يكثر الاعتقاد بأن أمراً آخر حدث على الأرجح في الخفاء: خطة سرية ضخمة أو مؤامرة خطيرة حاكتها قوى شريرة. أعتبر ذلك سبباً لجنون الارتياب، سبباً مختلقاً إنما ليس مرضياً. ومن هنا يكون القاتل مصاباً بجنون الارتياب.

اتُّهمت سارة بالين وحركة حفلات الشاي بأنهما مسؤولتان جزئياً عن جو يسود الولايات المتحدة راهناً وقد يؤدي إلى حوادث مماثلة. لكن بالين استخدمت حججاً شبيهة بما ذكرته لتوّك لترفض محاولة مجتمع يعاني جنون الارتياب تبرير هذه التصرّفات. فقالت إن هذه الأعمال لا دخل لها بأي أمر آخر، وهي بالتالي عشوائية.

هذا مؤكّد، فمن السخف إلقاء اللوم على بالين. ولكن حتى من دون التوصّل إلى استنتاجات تنمّ عن جنون الارتياب، نستطيع التعرّف فوراً إلى شبكة من العلاقات التي يشكّل الاغتيال جزءاً منها والتي ما انفك القاتل لوفنر يشير إليها. ويشكّل الجدل الجمهوري المتشدّد أيضاً جزءاً منها. لنتأمل مثلاً في استخدام المصطلح {التحكّم في العقل}. يُعتبر هذا أحد مفاهيم جنون الارتياب الرئيسة التي يستند إليها اليمين الأميركي. فهو يفترض أن الحكومة تسيطر على أفكار المواطنين من خلال اللغة ووسائل الإعلام. نتيجة لذلك، تواجه بالين معضلة، إن طلبت منا النظر إلى محاولة القتل كحادثة معزولة وقعت صدفة. فبذلك تتخلى عن نظام جنون الارتياب وما يشمله من اتهامات عن التحكّم في عقول الناس، هذا النظام الذي كانت هي وحركة حفلات الشاي متورّطتين إلى حد ما في ابتكاره.

أليس مستغرباً أن تكثر الاغتيالات وجنون الارتياب ورفض الصدف في الأماكن التي تُعتبر فيها المشاركة العامة والمعلومات والشفافية عناصر أساسية، أي في الديمقراطيات الغربية؟

برهنت الإحصاءات أنه كلما كان النظام منفتحاً وشفافاً، ازدادت الشكوك في أنه يخفي أمراً ما في الكواليس، أمراً غامضاً يمكنه التحكّم في كل شيء.

بالنظر إلى أسباب جنون الارتياب، هل يمكن إذاً اعتبار ويكيليكس {قاتلاً}، إذا جاز التعبير؟

تُحرّك ويكيليكس الرغبةُ ذاتها في تسليط الضوء على كل الزوايا وانتزاع جميع الأسرار من يد السلطة. لكن هذا أيضاً يشكّل معضلة، لأن مَن يقفون وراء ويكيليكس يحتاجون هم بدورهم إلى السرية. فعليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم لحماية مصادرهم. وهكذا يبتكرون أسرارهم الخاصة وشخصياتهم الغامضة، التي قد تقرر مجموعة جديدة استهدافها، مثيرة حولها الشكوك.

لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن الرموز والأرقام التي يستند إليها المصابون بجنون الارتياب ترد عادة في الأعمال الأدبية أو الأفلام.

يكون القتلة، في غالبيتهم، مستهلكين نهمين لوسائل الإعلام. فتشكّل هذه الوسائل مصدر شكوكهم. كذلك، تنمو في داخلهم رغبة قوية في الظهور في وسائل الإعلام ذاتها. مثلاً، كان جون هنكلي، الذي حاول اغتيال رونالد ريغان عام 1981، أحد محبي الأفلام. وقد تأثّر إلى حد كبير بفيلم مارتن سكورسيزي Taxi Driver (سائق سيارة الأجرة)، ولاحق جودي فوستر، التي كانت آنذاك في الثالثة عشرة من عمرها. فراح يكتب لها القصائد والرسائل، التي لم يتلقَ عليها رداً بالتأكيد. ثم دوّن العبارة البشعة التالية في رسالة إلى صحيفة نيويورك تايمز: {شكّل إطلاق النار أعظم إعراب عن الحب في تاريخ العالم}. نعم، وضع هذا الرجل التعيس البائس أفكاره في إطار ذي أبعاد عالمية وتاريخية. فقد حلم بأن يعيش مع جودي فوستر في البيت الأبيض.

ظنّ هنكلي بالتأكيد أن رونالد ريغان يقف في طريقه. ولكن ألا يُناقض تفكير هذا المجرم نظريّتك عن أسباب جنون الارتياب؟ فلا يبدو أن للمنطق أي دور في هذه القضية.

بلى، يؤدي المنطق دوراً كبيراً. فقد اطلع هنكلي على تاريخ طويل من عمليات الاغتيال. قرأ عن أسلافه واعتبر نفسه واحداً منهم. أدرك هنكلي ما سيحدث بعد تنفيذه خطّته. علم أن الصور ستلتقط وستتناقلها وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم في غضون ساعات. فهم هنكلي أنه سيتحوّل من شخص مغمور إلى رجل تُسلَّط عليه كل الأضواء. وفي هذه الحالة، حسبما ظنّ، ستراه المرأة التي يعشقها. وهكذا، شكّلت فكرة الانتقال من الظلمة إلى عالم المشاهير حافزاً قوياً.

مَن مِن منفّذي عمليات الاغتيال يثير اهتمامك؟

مارك ديفيد شابمان الذي قتل جون لينون. لا أتعاطف مع هذا الرجل، غير أن قصته مؤثرة ومحزنة. فقد ظن أنه يقرأ قصة حياته في رواية جيروم ديفيد سالينجر The Catcher in the Rye (الحارس في حقل الشوفان). وبعد عملية القتل مباشرة، فيما كانت جثة لينون لا تزال ممددة في ردهة مبنى داكوتا، أخذ شابمان الكتاب وبدأ يطالعه. تحدّث شابمان أيضاً عن صدف متزامنة شجّعته على ارتكاب الجريمة.

تعني بالتزامن الحوادث المنفصلة التي يحاول المريض، على رغم ذلك، ربط أحدها بالآخر؟

يشير مفهوم التزامن، الذي صاغه كارل غوستاف يونغ، إلى العلاقة بين الحوادث التي تبدو عشوائية في الظاهر فحسب. على سبيل المثال، كان اسم الرجل الذي باع شابمان سلاح الجريمة في هونولولو أونو، مثل اسم زوجة لينون. وعندما حمل شابمان مجلة وهو على متن الطائرة، متوجّهاً إلى نيويورك، كانت صورة جون لينون على الغلاف. ثمة مجموعة واسعة من التفاصيل المشابهة التي اعتبرها شابمان صدفاً متزامنة ساعدته على منح قراره قتل لينون صيغة منطقية. فقد بدا له جلياً أن هذه مهمة موكلة إليه. وغالباً ما نسمع منفّذي عمليات الاغتيال يرددون: {كان علي قتله}.

تعتبر بروتوس، قاتل يوليوس قيصر، أول منفّذ عملية اغتيال في التاريخ. فهل كان مصاباً بجنون الارتياب؟

لا يمكننا قول ذلك بالمعنى الطبي. ولكن على غرار سائر منفّذي عمليات الاغتيال، راود بروتوس شكّ عذّبه. فقد ظن أن يوليوس قيصر يريد أن يصبح ملكاً، ما يعني نهاية الجمهورية. صحيح أن يوليوس أصرّ على رفضه التاج، غير أن تفسير المتآمرين لتصرفاته جعلهم يتوصّلون إلى خلاصة مختلفة.

وانقادوا وراء شكوكهم.

يلجأ مَن ينفّذ عملية اغتيال أولاً إلى التفسير أو التعليل. فيفسر الأرقام والوقائع، التصرفات، العبارات، أو حتى الصمت. لا شك في أن قضية بروتوس مثيرة للاهتمام، ولا تزال تُناقش حتى اليوم، لأنه كان يملك أسباباً مقنعة لقتل يوليوس قيصر. صحيح أن دانتي وضعه في الجحيم، غير أن بروتس ما زال يتمتع حتى اليوم بمؤيدين بالغي الأهمية، بدءاً من شيشرون. حتى أن سمعته لا غبار عليها.

متى يتخطّى الشك كل الحدود ويتحوّل إلى جنون الارتياب؟

عندما يختفي كل ما يعتبره المريض غير منطقي من تفكيره، يصبح الشك مرضياً. عندما لا تعود تساور الإنسان أي شكوك حيال أفكاره، ولا يعود يشعر بأي تردد حيال الخطوات التي سيقدم عليها، عندما يضمحّل التعاطف من قلبه وتبدأ مشاعره بالسيطرة عليه، يغدو من الضروري في هذه الحالة اتخاذ التدابير الملائمة للحؤول دون حدوث الأسوأ.

ولكن ماذا عن جورج إلزر، الذي حاول اغتيال هتلر؟ لا يمكنك وصف قراره بجنون الارتياب.

لم يكن في هذه الحالة منفّذ عملية الاغتيال مَن يعاني جنون الارتياب، بل خصومه الذين شملوا هتلر وشريحة كبيرة من المجتمع الألماني. قد يتحوّل جنون الارتياب إلى مرض جماعي، وتُعتبر الستالينية خير مثال على ذلك. فقد تشاطر معظم اتباعها أفكاراً واهمة غير منطقية.

تحدّثت عن شرلوك هولمز، معتبراً إياه مثالاً على ما تدعوه جنون الارتياب الحميد. بكلمات أخرى، يشكّل هذا المحقق الطبيب الذي يعالج عجزنا عن تقبّل ما قد يطرأ من صدف.

هذا صحيح. فقد قوّض هولمز احتمال حدوث صدف لا معنى لها، لأنه نجح في التوصّل إلى خلاصات من أدلة تبدو في الظاهر عشوائية. نعلّق آمالنا بأن ننجح في تحديد الشر ومحاربته على أبطال يحلون الجرائم، مثل هولمز، وعلى المحقّقين ورجال الشرطة.

وصفت مَن ينفّذ عملية الاغتيال بـ{ملاك الصدفة الأسود}. فهو خفي، يظهر من حيث لا ندري، مثل لوفنر أو مرتكبَي مجزرة ثانوية كولومباين، ويسبّب الدمار والخراب، سالباً أرواح الناس بطريقة تبدو عشوائية.

تشكّل {العشوائية} عنصراً أساسياً. فقد اعتقد سيباستيان بوس، منفّذ عمليّة ثانوية أمزديتن، أن قاتل ثانوية كولومباين إريك هاريس إله. كذلك اعتبر ديلان كليبولد، صديق هاريس، نفسه {إلهاً}. لم يكن أي من هؤلاء الشبان (يكون منفّذ الاغتيالات النموذجي ذكراً نحو العشرين من عمره) مجنوناً أو معوّقاً عقلياً. على رغم ذلك، ظنوا أنفسهم آلهة حين ارتكبوا جرائمهم. لكنهم كانوا شياطين الصدفة. فمنحتهم عجرفة التحكم في حياة أو موت مجموعة عشوائية من الناس لبضع ساعات أو لحظات شعوراً لا يوصف. وهذا ما تعكسه إحدى العبارات الأخيرة التي دونها ديلان كليبولد في مذكراته: {لنستمتع!}.

وماذا عن الانتحاريين الإسلاميين؟

بخلاف لوفنر وأمثاله ومنفذي عمليات القتل في المدارس، الذين يستمدون حتمية أعمالهم من أفكار مضطربة وجنون الارتياب، يعتقد هؤلاء الأصوليون أنهم يتلقون الأوامر من مصدر خارجي. وغالباً ما تكون دوافعهم واضحة. شكّلت اعتداءاتهم في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في نظر العالم حالة طارئة: فكانت غير متوقعة ورهيبة وغير مفهومة في البداية. لكن هذه الأعمال أخفت وراءها من الناحية السياسية إرادة سعت الى تعليم نظامنا درساً في الشك وعدم اليقين. كانت هذه محاولة لتعزيز التفكير المضطرب في مجتمعنا. وهكذا يتبيّن أن لتصرفهم هذا سبباً محدداً صار بإمكاننا اليوم فهمه. فلم يعد عملاً معزولاً ناجماً عن جنون الارتياب، ولهذا حسنة واحدة.

ما هي؟

صرنا نملك صورة دقيقة نسبياً عن الانتحاريين الإسلاميين. يتوافر لنا اليوم نموذج يستطيع المحققون الاعتماد عليه. صحيح أن اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر كانت غير متوقعة، لكن ما سيليها من اعتداءات مشابهة بعد 10 سنوات لن يكون كذلك. فصرنا نعرف ما يكفي عن هؤلاء الانتحاريين لنأخذ التدابير اللازمة كي نقطع عليهم الطريق.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy