• ×

12:13 مساءً , السبت 19 أكتوبر 2019

قائمة

25 عاماً على رحيل الشاعر والأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس

شكّل حضوراً متميزاً في النسيج الثقافي العالمي والعربي

 0  0  1.5K
 25 عاماً على رحيل الشاعر والأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس

الأرجنتينيّ خورخي لويس بورخيس وولعه بالثقافة العربيَّة
لا تزال أعمال الشاعر والأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس تشكّل حضوراً متميزاً في النسيج الثقافي العالمي والعربي، وتأثيراً كبيراً بين الأوساط الثقافية، حتى الآن، رغم مرور 25 عاماً على رحيله.
يتميّز بورخيس بأسلوبه في الكتابة، وطريقة قراءاته الشاملة، وجرأته في إزالة الحدود وكسر الإطار بين الأجناس الأدبية، عند كتابة القصائد الدراسات، القصص القصائد، أو الدراسات القصص، أو هجومه على الرواية. فقد كان على رغم ذلك الأكثر تأثيراً في الروائيين، ووضعه جانباً، في النهاية، الخيال واللاخيال، جعل منه الكاتب الحامل راية الأدب المعاصر.
ماذا عن حضور هذا الأديب الموسوعي في العالم العربي؟ وماذا عن تأثير الثقافة العربية فيه؟ لا شك في أن دراسات كثيرة متوافرة حول هذا الكاتب، ومعظم أعماله تُرجم إلى اللغة العربية سواء قصصه أو أشعاره أو محاضراته النوعية والصعبة والملهمة. على أن البارز في نتاج الأديب الأرجنتيني هو حضور الثقافة العربية في قلب نصوصه، حتى أنها أحياناً تشكّل العمود الفقري لبعض كتاباته، وثمة تقارير تشير نقلاً عن زوجته ماريّا كوداما أنه أمضى أيامه الأخيرة في تعلّم اللغة العربية «نتيجة نهمه وشهيّته الفكرية»، وبحسب زوجته: «كان يرغب في أن نستمر في تعلّم اللغة اليابانية، لكنني لم أعثر على مدرّس خصوصي آنذاك. وأثناء بحثي عن مدرّس لغة يابانية، قرأت الإعلان عن مدرّس مصري من الإسكندرية، يعطي دروساً في اللغة العربية. وكان بورخيس قد حبّذ الفكرة. ولم يأبه بالوقت، عندما اتصل بالمدرّس في الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت سويسرا، والذي يعني الساعة الرابعة فجراً في بقية أرجاء العالم. وقد تحدّثت مع المدرّس عن كل شيء، لكي لا يأتي الردّ بالنفي. لم أكن متفائلة جداً. واتفقت معه على اللقاء في نهاية الأسبوع في الفندق».
تتابع الزوجة: «عندما فتحت باب الغرفة للمدرّس ورأى بورخيس، أجهش في البكاء. فسألني والدموع في عينيه: لماذا لم تخبريني بذلك؟ لقد قرأت كل أعمال بورخيس في مصر. لم أشأ الاستمرار في الحديث، لأنني كنت أريد ترك الموقف أن يعلن عن نفسه. ولم أكن أريد أن أقول له إن الدروس هي لبورخيس، وفضّلت أن يتصوّر بأنني، مجرّد، سيّدة مجنونة. وكرّس ذلك الأستاذ أجمل الساعات لبورخيس في أيّامه الأخيرة، راسماً في كفّه أروع حروف اللغة العربية. كنا نتناول الشاي، ونتحدّت في ما بيننا. كنا قد أمضينا أجمل الأوقات».

«ألف ليلة وليلة»

اشتهر بورخيس بمعرفته بالثقافة العربية، وتأثّره بقصص «ألف ليلة وليلة» مستلهماً رموزها وحكاياتها، وموظفاً إياها في أعماله الأدبية، وهو قال: «تتملكنا رغبة في التيه في «ألف ليلة وليلة»، فنحن نعرف أنه بدخولنا في هذا الكتاب يمكننا أن ننسى قدرنا الإنساني البائس».
يكاد لا يخلو أيّ حوار مع بورخيس، أو أي كتاب من كتبه، من إشارة الى «ألف ليلة وليلة». وكان قد اكتشف هذا الكتاب في طفولته المبكرة بعدما قاده تسكّعه الأدبي في مكتبة أبيه هذا التسكّع الذي يحدوه فضول لا نهاية له- إلى العثور على ترجمة بيرتن بالإنكليزية لهذا الكتاب. وهي ترجمة ذكر عنها الراحل: «ترجمة بيرتن الأنثروبولوجية والبذيئة محرّرة بلغة إنكليزية غريبة يعود قسم منها الى القرن الرابع عشر، وهي إنكليزية مليئة بكلمات مهجورة وبألفاظ جديدة، إنكليزية لا تخلو من جمال وإن كان يعسر أحياناً فهمها».
وصل هوس بورخيس بـ{ألف ليلة وليلة» إلى درجة قراءة ترجماته كافة باللغات التي يعرفها: «نكاد نتحدث عن كتب عدة عنوانها «ألف ليلة وليلة»: إثنان بالفرنسية، حرّرهما غالان وماردروس؛ وثلاثة بالإنكليزية بقلم بيرتن ولين وباين؛ وثلاثة بالألمانية بقلم هيننغ وليتمان وفييل؛ وواحد بالأسبانية لكاسينوس أسينس. وكل واحد من هذه الكتب مختلف عن الكتب الأخرى، إذ إن الألف ليلة وليلة لا تزال متواصلة، أو ما زالت تعيد تشكيل نفسها».
في كتاب بورخيس «سبع ليال» نجد نصاً يحمل عنوان «ألف ليلة وليلة»، وهو في الأصل محاضرة ألقاها هذا الكاتب، وقد اعتُبر من أجمل ما كُتب عن حكايات شهرزاد. فبعد أن وصف بورخيس في هذا النص ترجمة «ألف ليلة وليلة» الأولى الى اللغة الفرنسية والتي قام بها غالان وصدر جزؤها الأول عام 1704 بـ{حدث جوهري للآداب الأوروبية كافة»، وقال ما يلي: «برزت «ألف ليلة وليلة» بشكل غامض. إنه عمل آلاف الكتاب ولم يفكر أي منهم أنه كان يبتكر كتاباً شهيراً، أحد أشهر الكتب في الآداب كافة، وهو كتاب يثير الإعجاب- مثلما قيل لي- في الغرب أكثر مما في الشرق».
ظهر ولع بورخيس بالأدب العربي، وبالقصص التي تدور أحداثها (الخيالية غالباً) حول حياة العرب في الشرق، حتى أنه في مقدّمات بعض قصصه استشهد بآيات من القرآن الكريم، كما في «مرآة الحبر»، «المعجزة السرية»، «ابن حقان»، واستوحى من «ألف ليلة» قصّته «حجرة التماثيل» التي دارت حول عرب إسبانيا.
وآخر «صيحات» علاقة بورخيس بالعرب، ما طُرح أخيراً في بيروت خلال إحدى المناسبات. إذ قال باحث لبناني إن ثمة نقاطاً تحدّث عنها الأمير أمين أرسلان موجودة في بعض كتابات بورخيس. بالتأكيد، لا أحد يستطيع تأكيد أن بورخيس، الكاتب الأرجنتيني الكبير، قد تأثر بأقاصيص الأمير أرسلان (1868 1943)، فالأخير الذي «نشر ثقافة العرب» في الأرجنتين، بقي «مجهولاً» لفترة قريبة ماضية ولولا جهود كلّ من المؤرخين، الراحل عجاج نويهض وابنه السفير خلدون نويهض، لما برز إلى النور، ليشكّل إسماً آخر من أسماء الكوكبة المهجريّة التي رحلت إلى أميركا اللاتينية.
لكنّ الأكيد أن ثمة عشرات الدراسات حول علاقة بورخيس بالثقافة العربية والإسلامية، دراسات تبيّن أن الثقافة في ذهن هذا الأديب كانت أقرب الى الحلم الأسطوري، وكل مقالة أو محاضرة له فيها شيء من معظم أساطير العالم، كأنه «غول ثقافي» يلتهم «الأخضر واليابس» في فقرات كتابية.


سيرة

وُلد بورخيس في 24 أغسطس (آب) عام 1899 في عاصمة الارجنتين بوينس أيرس، كان جدّه لأمه إنكليزياً، وكان يعتقد بأن أسلاف أمه خاضوا حروباً مديدة مزّقت أوصال الأرجنتين في القرن التاسع عشر.
كان أفراد عائلة بورخيس يتحدثون الإنكليزية، وكان أول صديق حقيقي لبورخيس هو مكتبة والده التي تضمّ في معظمها كتب الأدب الإنكليزي. وفي عام 1914، انتقلت عائلته الى جنيف (لم تكن تتوقعّ اندلاع الحرب في أوروبا) بحثاً عن علاج لبصر والده الضعيف، وهو مرض وراثي نقله الى ابنه. ففي أواخر الخمسينات أصيب بورخيس بالعمى الكامل، وما إن اندلعت الحرب حتى حوصرت العائلة في سويسرا وكان الصبي خورخي لويس آنذاك، يتشرّب الأدب: الأرجنتيني، الفرنسي، الألماني، والأميركي الشمالي.
عندما عادت عائلة بورخيس إلى بوينس أيرس عام 1921، كان هذا الأديب واثقاً بأنه سيصبح شاعراً، وقد كتب مجموعات صغيرة، لكن ذلك الطموح انتقل أوائل الثلاثينيات الى نمط آخر من الكتابة، وإن لم يطلق عليه مسمى «رواية»، ذلك أنه لم يكن واثقاً مما إذا كان يتمتع بالموهبة أو القدرة التخيّليّة على كتابة الرواية.
في عام 1938، أصيب بورخيس بضربة في رأسه فوجد نفسه يرقد لأسابيع في الفراش، يعاني من تعفّن الدم الذي هدّد حياته، وفي أثناء ذلك وجد نفسه يتّجه نحو الرواية، فبعدما استعاد عافيته كتب قصة قصيرة حول رجل ميّت كان يرغب في إعادة كتابة سرفانتس، من خلال إنتاج نص «دون كيشوت» مجدداً، وعندما ترجم الكاتب الأرجنتيني للمرة الأولى الى الفرنسية في الأربعينيات، بدا الأمر كما لو أن أوروبا اكتشفت قارة أدبية جديدة، وفي الخمسينيات ارتبط اسمه بالرواية الجديدة الى حدّ أنه كان يُعتبر كاتباً فرنسياً أكثر منه أرجنتينياً.
بحلول الستينيات، تسرّبت قصصه الى الجامعات الأميركية بترجمات يشير الباحثون الى أنها كانت سريعة وغير دقيقة الى حدّ ما، وعلى خلفية هذه القصص أشار الكاتب الأميركي جون ابدايك عام 1965 الى أنه بالاعتراف الأميركي الشمالي المتأخر بعبقرية بورخيس، وجدت الرواية قاسماً فكرياً مشتركاً مع الفلسفة والفيزياء.
كذلك، كان بورخيس أميناً لمكتبة بوينس أيرس خلال السنوات من 1938 حتى 1946، وقد انعكست معاناته في هذه المهنة في عدد من أعماله الأدبية وقصصه، وبينها «مكتبة بابل» وقد أبعد عن هذا المنصب لأسباب سياسية، لكن مع الإطاحة بالنظام البيروني أصبح منذ عام 1955 أميناً للمكتبة الوطنية في بوينس أيرس.
بالنسبة إلى شخصيّته، فكانت مبهمة بمعنى ما، شأن كتاباته، فبين أعوام 1924 و1961 لم يغادر منطقة ريفر بليت أبداً. وكان لديه بعض معارك ونزاعات شخصية، واحتفظ باشمئزازه المديد والعلني لديكتاتور الأرجنتين خوان بيرون، ومن المعروف أنه عاش مع والدته حتى وفاتها عام 1975، ولم يكن موفّقاً في علاقاته مع النساء.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy