• ×

03:11 مساءً , الأربعاء 1 أبريل 2020

قائمة

من محمد علي إلى فاروق الأول ملوك مفلسون ومطرودون (1)

 0  0  3.4K
 في مصر الآن فورة اهتمام بملك مصر السابق فاروق الأول. لا أحد يذكر ابنه أحمد فؤاد، الذي كان ملكا على الورق، من 26 يوليو 1952 وحتى 18 يونيو 1953، فاروق هو آخر ملك لمصر في ذاكرة مصر، وفي ذاكرة العالم.
ومثل كل حكام مصر، منذ آلاف السنين، فبمجرد أن أصبح «سابقاً» صار دمه مباحاً وتاريخه الذي وصل إلينا امتدت إليه أياد كثيرة بالحذف والاضافة، ولفه ضباب التاريخ حتى اصبحنا نجد صعوبة بالغة في التمييز بين الحقيقة والاكاذيب في ما يقال عنه.
وفي واحد من أهم الكتب التي ترجمت إلى العربية عن حياته في الفترة الاخيرة كتاب «فاروق ملك مصر: حياة لاهية وموت مأساوي»، الذي كتبه وليم ستادين وترجمه أحمد هريدي. في هذا الكتاب زحام من التفاصيل التي ارتبطت بحياة الاسرة المالكة في مصر . وفي قلب هذا الزحام أجساد أنثوية عارية، سواء كانت حقيقية من لحم ودم وأعصاب، أم تماثيل منحوتة بحساسية بالغة وبشهوانية لا تخفى، أو لوحات مرسومة بألوان تشعل النار في خيال الناظر إليها.


وفي كل الأحوال كانت النساء الحقيقيات أو تماثيلهن لعبا يلهو بها فؤاد الأول وفاروق الأول ورجال رددت الإشاعات أسماءهم من وزراء وضباط وموظفين وخدم، نجحوا في اختراق اسوار الحريم وعبثوا بحرمات الملكين.
لم تكن كل النساء في الحرملك ملكات أو أميرات . فالقصور امتلأت بالوصيفات والجاريات الشركسيات والتركيات والخليلات المصريات والاميركيات والاوروبيات، كما امتلأت بالمغامرات الغامضات وأخطرهن إيرين غونيل. لم تكن إيرين مجرد امرأة يهودية دخلت حياة فاروق. فحياة فؤاد الأول وفاروق الأول أدارت جانبا مهما منها سلسلة طويلة من النساء اليهوديات، من مختلف الأعمار.
وسنتحدث عن إيرين، بالتفصيل.
لكن الحديث عن النساء في حياة فاروق لابد أن يبدأ بالحديث عن نازلي، أمه البائسة التي تزوجت رجلا لم يخفق قلبها له هو فؤاد الأول، السمين القصير الصارم المستبد. كره المصريون فؤاد لأنه كان يكره معبودهم سعد باشا زغلول. لم يطق فؤاد أن يرى فلاحا مصريا يحكم البلاد بالدستور ويذكره بأن الملك يملك ولا يحكم. فناصبه العداء. وحاول أن يقلل من سلطاته. فاحتمى سعد باشا بالدستور وبالشعب. وخضع له الملك ودمعت عيناه وهو يخضع لفلاح مصري.
عظمة فؤاد الأول
وهذه هي عظمة فؤاد الأول الذي منح المصريين الدستور وجعل بلادهم مملكة مستقلة لها عرش ووزراء وسفراء، وعندما اختلف مع سعد لم يتآمر ضده ولم يقتله، بل قبل الاحتكام إلى الدستور، لأنه أبو الدستور.
وكانت نازلي، زوجة فؤاد، تحب سعد باشا كما أحبه المصريون. ربما لأنها كانت تكره فؤاد الذي أفزعته أنوثتها فحبسها في الحرملك (جناح الحريم) ستة عشر عاما وأحاطها بالخدم النوبيين المخصيين وأوكل أمورها إلى مدام قطاوي اليهودية التي كانت صديقة حميمة لمدام سواريز وهي يهودية أخرى كانت القوة الحقيقية وراء عرش فؤاد.
لقد كان فؤاد اميراً مفلساً. لكن مدام سواريز رئيسة الجالية اليهودية في مصر التقطته واعتبرته مشروعها فزوجته من الاميرة شويكار، احدى اغنى اميرات الاسرة المالكة، ثم راحت تستثمر اموال شويكار في البورصات العالمية حتى أصبح فؤاد من أغنى ملوك الشرق، ثم استغلت علاقاتها الدولية الناجحة لاختياره سلطانا ثم ساعدته على أن يكون ملكا، في تسلسل يبدو محسوبا.
وبصعود فؤاد صعدت مصر من سلطنة هي محمية بريطانية الى مملكة مستقلة (على الورق) .
نازلي كانت حبيسة الحرملك لا يصلها بالعالم الخارجي إلا مدام قطاوي. وغير مسموح لها بأن تر ى ابنها فاروق إلا لوقت قصير في الصباح ولوقت قصير في المساء. لماذا؟ لأن فؤاد كان يتعامل مع ولده الوحيد، منذ ميلاده، لا باعتباره ابنا ولكن باعتباره مشروع ملك. ولهذا فقد رسم له كيف يتعلم كل ما من شأنه أن يجعله ملكا ناجحا. واعتبر فؤاد أن نازلي لا تملك العقل الراجح أو الخلق الرصين الذي يجعل تأثيرها طيبا على ملك المستقبل. فعزل الأم عن ابنها وعزل الولد عن أمه.
صراع الأب والأم
لكن إحساس الأب بما في الأم من جموح يبدو أنه تسلل الى الطفل الذكي الحساس. فعندما دخل فاروق وهو في الرابعة من عمره على مربيته ووالدته أسرع بمعانقة المربية . وسألته أمه: لماذا لا تعانق ماما؟ فقال لها: لأنك تضعين على وجهك مساحيق حمراء أكثر مما يجب!
هذا الطفل الحساس استقبل مربية جديدة بأن أحاط خصرها بذراعيه وقال لها بإنكليزية نقية: أنا سعيد بوجودك وأنا أحبك. وكانت هذه أول مرة يراها فيها .
لم يكن له صديق لأن أباه أحاطه بالمعلمين والمربين والخدم والجواسيس الذين كانت مهمتهم أن يراقبوا الملكة حتى لا تقترب من ولي العهد وتفسد خطة الأب في تربيته.
علم فؤاد أن في الأسرة ميلا الى السمنة فحرم على ابنه أن يأكل شيئا، إلا حسب برنامج صارم، وكان الأب يجوع نفسه يومين من كل أسبوع لا يأكل فيهما إلا الفاكهة.
لكن الأم كانت تهرّ.ب إلى فاروق الصغير أكوام الكعك والزبد والعسل، وعندما كانت تفشل في ذلك كان فاروق لا يجد ما يسد جوعه سوى أن يأكل طعام القطط.
وسط هذا الجو المشحون بالكراهية بين الأب والأم عاش فاروق بلا صديق، لكنه أخذ صورة ابن مربيته السويدية ووضعها بجوار سريره واعتبر ذلك الصبي الذي لا يعرفه صديقه الصدوق.
الكذب والسرقة
وكانت هذه بداية عالم خيالي أغرق فاروق في الاقتراب منه مبتعدا عن العالم الحقيقي ومنذ صغره بدأ يظهر ميلاً الى اختلاق الأحداث وهو ما تحول إلى إدمان للكذب، وككل طفل محروم من الحب صار مهووسا باقتناء الأشياء وبأخذ ما ليس له، حتى أن كل من عرفوه قالوا عنه إنه كان مريضا بداء السرقة القهرية CLIPTOMANIA .
رغم كل هذه العيوب ظل فاروق، طوال حياته، رقيق المشاعر لا يقبل أن يؤذي أي إنسان، ميالا إلى التودد الى الناس، خصوصا البؤساء منهم . فقد كان ينفر من القوة والأقوياء وأجمل صفاته كانت مرحه الطفولي الذي صاحبه، حتى نهاية حياته.
وعندما غربت شمس القوة والمجد في حياته يوم 26 يوليو 1952 لم يفارقه الاحساس بالسخرية، حتى في هذا الموقف المرير.
لقد وجد أمامه علي ماهر باشا، السياسي الاكثر ولاء للعرش والتاج، يحمل إليه وثيقة التنازل عن العرش التي صاغها البكباشي (المقدم) أنور السادات ووقعها اللواء محمد نجيب.
اتهمته الوثيقة بالفساد وبالعبث بالدستور وبتجاهل طموحات الشعب واتهمته بأنه جعل المواطن المصري غير آمن على حياته وبأنه آوى في قصره الفاسدين والمحتالين والخونة، وطالبته الوثيقة باسم الجيش بأن يتنازل عن العرش لمصلحة وريثه الأمير أحمد فؤاد، وبأن يغادر البلاد قبل مغيب شمس 26 يوليو1952.
في هذا الموقف العصيب وقف فاروق يمزح لأن الثوار يريدون للبلاد ملكا رضيعا ولأن هذا الرضيع هو الذي سيتعين عليه أن يواجه الجيش الذي خرج من ثكناته، كما يخرج المارد من القمقم فيستحيل على أي إنسان أن يعيده إليه.
لم يضحك علي ماهر باشا كما كان ــ هو وكل رجال القصر ــ يضحكون لكل دعابة يطلقها «مولانا» وتنهد فاروق وصمت .
لم تكن الدعابة ضعفا منه، ولم تكن التنهيدة ضعفا منه، فقد سبق دخول علي ماهر باشا إليه صراع مسلح شارك فيه فاروق بنفسه فأطلق النار من الشرفة على القوات التي حاصرت قصره وقتل أربعة من الجنود، طبقا لرواية وليم ستادين، ولم يكن يرتجف كما صوره سكرتيره الخاص في تقرير نشرته مجلة آخر ساعة بعد إعلان الجمهورية.
القرار النبيل
هذه الشجاعة في مواجهة الثوار سبقتها تصرفات أخرى تنم عن الشجاعة وبعد النظر. لكن أشجع وأنبل قرار اتخذه فاروق الأول في ذلك اليوم العصيب كان قراره بوقف المواجهة العسكرية مع الثوار.
بعد أن قرأ وثيقة التنازل اشترط عدة شروط أولها أن يصحب إلى منفاه خادمه الإيطالي أنطونيو بوللي، ثم أن يحتفظ باليخت الملكي «المحروسة» وأن يأخذ معه ميدالياته ومقتنياته الخاصة وأن تبقى أراضيه وأراضي شقيقاته ملكا للأسرة تدار لمصلحة شقيقاته.
هذه المطالب تعكس فهم فاروق للمساحة الفاصلة بين الحياة الخاصة للملك وخادمه وأشيائه الشخصية وشقيقاته وبين ما يخص الدولة . لكن علي ماهر باشا لم يقبل ولم يرفض بل تعين عليه أن يعود لمشاورة قائد الثوار الحقيقي الذي لم يكن اللواء محمد نجيب، بل كان ضابطا شابا لم تعرفه الحياة السياسية المصرية قبل ذلك وكان اسمه جمال عبد الناصر حسين، الذي عرفناه بعد ذلك باسم «ناصر».
رفض ناصر، قائد الثورة الحقيقي، كل شروط فاروق ولم يقبل إلا بضمان المحافظة على حياته وإطلاق 21 طلقة مدفعية تحية له، وهو يغادر البلاد .
هنا طالبت البحرية المصرية بأن يستمر القتال ضد الثوار، لأن البحرية كانت موالية للملك حتى خرج من البلاد . وكانت في قصر رأس التين ــ الذي احتمى به الملك ــ قوة من المقاتلين السودانيين الأشداء قوامها 800 رجل وكان يمكن للملك ان يقاوم بهؤلاء وهؤلاء، لكنه رفض ان يتقاتل جنوده أو أن يدفع بالبلاد إلى حرب أهلية حفاظا على عرشه.
فقرر وقف المقاومة. وأعلن قبول توقيع الوثيقة وحضر رئيس المحكمة العليا يحمل وثيقة التنازل وحضر إلى القصر السفير الأميركي جيفرسون كافري الذي استدعاه الملك طلبا لحمايته.
تحية الوداع
وفي تعبير عن تقديره لموقف البحرية المصرية خرج فاروق من البلاد في ملابس امير البحر وكانت تحية وداع كريمة لا يقل عنها كرما أن اللواء محمد نجيب، الزعيم العسكري الذي اختاره مجلس قيادة الثورة ليقف في مقدمة الصفوف، اصر على وداع الملك وحسب رواية ستادين فقد كان اللقاء وديا ومؤثرا، ربما لأن ستادين تجنب الإشارة إلى الحماقات التي بدرت من الطيار جمال سالم الذي أظهر وقاحة في حضرة الملك المخلوع فأمره محمد نجيب بالتزام الانضباط العسكري.
وفي نهاية اللقاء انحنى محمد نجيب على يد الملك فقبلها وملأت الدموع المآقي.
وروى أحد الجنود الذين كانوا في صفوف الحرس الملكي في ذلك اليوم، لكاتب هذه السطور، أن الملك بكى وأن كل الموجودين بكوا بمن في ذلك الجنود الذين دافعوا عن الملك والذين خلعوه بقوة السلاح.
قضي الأمر وفقد فاروق عرشه وانتهت أسباب الصراع وعاد كل الجنود المصريين والسودانيين وكل موظفي القصر فريقا واحدا يستقبل العهد الجديد ويستعد له.
وراء كل هذه النبالة كانت تختفي مهارة عابثة أقدم عليها فاروق الذي ظل طفلا عابثا طوال حياته . لقد ألح على الثوار في أن يسمحوا له بأن يأخذ معه زجاجات الخمر المعتق التي في سراديب قصره.
ووافق الثوار، معتبرين ذلك دليلا دامغا على أنه سكير عربيد. فأخذ الزجاجات معه لكن بعد أن أفرغ كل ما فيها من الخمر وملأ الزجاجات بالماس والسبائك الذهبية التي هرب بها إلى روما.
أسامة الغزولي

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy