• ×

05:10 صباحًا , الأربعاء 15 يوليو 2020

قائمة

من محمد علي إلى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (3)

 0  0  3.1K
 كيف يمكن للإنسان أن يقبـض على زمام حياته ولا يتركه لأحد ممن حوله ؟ كيف ندافع عن هويتنا وسط هذا الزحام من الناس والأحداث التي تغمر حياة كل فرد منا ؟
السبيل الوحيد لذلك أن نتزود بالحب الذي يملأنا بالثقة لكي يمد الواحد منا قدمه، غير هياب، على الطريق إلى المستقبل. ولا يأتي هذا الحب إلا ممن يحيطون بنا ومن أوكلت إليهم الأقدار صناعة مصائرنا من الأب والأم وأقرب الأقربين.
يقول فاروق، في الحديث الصحفي الوحيد الذي أدلى به في حياته، والذي نشرته امباير نيوز الأسبوعية بعد عزله عن العرش بثلاثة أشهر: إن أي طفل ملكي لا يمكن الاستقلال بحياته، وأنه عاش طفولة صارمة شاقة زاد من صرامتها تعنت مربيته الانكليزية المسز تايلور.
وقد تحدثنا عن دور النساء في إتراع حياة فاروق بالتعاسة، لكننا نتحدث اليوم عن الدور الذي لعبه في مأساته اقرب الرجال إليه.
في حياة فاروق خمسة رجال هم الذين رسموا مسار حياته، وقادوها إلى نهايتها المأساوية

الرجل الأول في حياته، وفي حياة كل واحد منا، هو الأب. وهو هنا فؤاد الأول الأمير المفلس الذي كان يريد أن يصبح رأسا لأسرة ملكية، والثاني والثالث هما الرجلان اللذان كلفهما الأب برعاية الأمير الصغير وتوجيه خطواته الأولى على طريق الحياة عزيز عالي باشا وأحمد حسنين باشا، والرابع هو خصمه البريطاني العنيد السفير مايلز لامبسون الذي تجسدت فيه عنجهية الاحتلال وحقد الغرب على الشرق، أما الخامس فهو خصمه السياسي الذي اختارته الأمة زعيما لها كما اختارت قوانين الوراثة السياسية وإرادة القوى الأجنبية فاروقا سيدا للبلاد.
القاضي الريفي
هذا الأخير هو مصطفى النحاس باشا القاضي ذو الأصل الريفي، ذو الضحكة المجلجلة، والعبارة الواضحة المنطلقة كالصاروخ، فهم النحاس باشا أن مصلحة البلاد هي أن يتفاهم مع البريطانيين على طريقة يخرجون بها من البلاد عبر حل وسط، وألّا يضحي بالديموقراطية ولا بسيادة القانون لأي سبب كان.
لكن «الوطنجية» من أحزاب الأقلية والإخوان المسلمين ومصر الفتاة والحزب الوطني اعتبروا أن التفاهم مع البريطانيين خيانة وأن لا سبيل إلى إخراجهم إلا بالقوة، ولم تكن مصر ولا أي دولة في العالم تملك القوة التي تفرض بها إرادتها على بريطانيا العظمى، لكن «الوطنجية» اتهموا الوفد بممالأة الاحتلال وبالمساومة على القضايا الوطنية، واستغل فاروق هذه الاتهامات للضغط على الوفد ظنا منه أن الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا (كما كان الشعب يسميه) يريد أن يحرمه من حقه في أن يكون الحاكم المطلق للبلاد رغم أن الدستور يقيد سلطة الملك ويضع السلطات التنفيذية في يد رئيس الوزراء.
ورغم كل سيئات الملكة الأم نازلى، فقد نصحت ابنها فاروق بأن يحترم النحاس باشا وأن يتعاون معه، وطلبت منه ألا يستمع لما يقوله أحمد حسنين باشا، حبيب قلبها والرجل الوحيد الذي شجعها على أن تعيش حياتها كامرأة بحرية لم تتح لها كملكة.
صحيح أنها أحبت حسنين باشا بجنون.لكن ذلك لم ينسها، في البداية، أن مصلحة ابنها هي في احترام الدستور واحترام زعيم الأغلبية.
لكن فاروق كان يعلم أن الصراع في مصر يدور بين ثلاثة رجال: الملك، وزعيم حزب الوفد، والسفير البريطاني، ولهذا تعامل مع زعيم الوفد ومع السفير كما يتعامل الطفل المدلل مع خصمين يخطفان منه الكرة، في مباراة حامية، فلا ينازلهما بقوة ورجولة، ولكن يضرب الأرض بقدميه ويصرخ طالباً المساعدة من «بابا» و«ماما» والمربية والخدم.«بابا» فؤاد الأول مات في 1936 و«ماما» تقدم له النصائح لكنه لا يحترم نصائح أم فقدت احترامها بالتبذل والمجون، وكيف تزعم أن حسنين باشا مخطئ ويجب الحذر منه وهي ترمي نفسها تحت قدميه؟
لم يبق إلا الخدم
لم يبق إلا الخدم لم يبق إلا الخدم. لقد عاش فاروق حياته مع الخدم، حتى أنه ألغى كل سلطة لموظفي القصر وترك الحبل على الغارب للخدم الذين أصبح يدير من خلالهم شؤون الدولة وكان الشماشرجي (الخادم المسؤول عن ملابس الملك) هو الذي يبلغ أوامره للحكومة عبر سكرتير الملك الخاص حسن حسنى باشا ووكيل الديوان حسن يوسف باشا وكل واحد منهما عالم جليل ورجل دولة بارع.
وكما كره فاروق مصطفى النحاس باشا فقد كره السفير البريطاني مايلز لامبسون. كان طفلا يحب ويكره لا رجلا من رجال السياسة يناور ويعقد الصفقات ويتحرك بحساب العقل، لا بحساب العواطف الجياشة.
وإذا كان فاروق ضخم الجثة فقد كان مايلز لامبسون ضخما هو الآخر ولم ير فاروق ضخامته بقدر ما رأى ضخامة خصمه، فأطلق عليه اسم جاموسة باشا وبالمقابل لم يكن لامبسون يشير إليه باسم الملك بل كان يقول عنه «الولد».
وفي 4 فبراير 1942 اجتمع خصماه على إذلاله أجبره السفير البريطاني على أن يختار زعيم الوفد رئيسا للوزراء، وأصر زعيم الوفد على أن تتشكل وزارته من أعضاء حزبه فقط، دون أن يدخلها أحد من السياسيين المنتمين لأحزاب الأقلية.
وهاج «الوطنجية» من يومها والى هذه اللحظة واعتبروا أن موافقة الوفد على تشكيل حكومة يرضى عنها البريطانيون جريمة، رغم أن رهان مصطفى النحاس باشا على الحلفاء هو الرهان الرابح الذي يحكم العالم بنتائجه حتى اليوم، ورهان «الوطنجية» على المحور (النازيون والفاشلون) كان خاسرا كما نعلم جميعا.
وقبل فاروق مطالب السفير حتى لا يفقد عرشه، لكن إحساسه بالذل لم يفارقه منذ تلك اللحظة وحتى مات.
لحظة الإذلال
لحظة الإذلال هذه هي التي شهدت تحول فاروق من «شاب طيب برىء رشيق انعقدت حوله آمال الجميع»، الذي هو «فاروق البداية» كما عرفه المصريون طوال السنوات الست الأولى من حكمه، إلى شخص مترهل محبط، يشعر بالعار وتسيطر عليه الرغبة في امتلاك ما لدى الآخرين، الذي هو «فاروق النهاية»، الذي اتصف بالبلادة بالانفعالية وفقدان المشاعر وإقصاء القيم والمعايير الاجتماعية والعنف غير المبرر واللامبالاة والاستهتار وسرعة الغضب والاندفاع والسهولة الشديدة في تفريغ العدوان وفقدان القدرة على مقاومة الإغراء.
ببراعة، تحسب للمترجم أحمد هريدي وللمشرفين على كتاب الجمهورية الذين قدموا للقارئ العربي كتاب «فاروق ملك مصر»، أضاف المترجم إلى نص الكتاب ما يشبه الملاحق التي تحتوي كتابات تلقي الضوء على صورة الملك حيث حيث ينجح وليم ستادين في إضاءته.
وهذه الكلمات عن فاروق البداية وفاروق النهاية، هي كلمات لطيفة سالم أستاذة التاريخ في جامعة عين شمس التي تحظى باحترام مصري وعالمي كبير. ومفهومها، الذي يقسم حياة الملك إلى نصفين متتاليين، سيطر على غيرها من الكتاب الذين أرخوا لفاروق، بعدها، خصوصا محمد عودة الناصري، الذي كان كتابه عن فاروق غزلا علميا في الملكة نازلي والملكة فريدة، باعتبار ان الاثنتين سمراوين، وكان - رحمه الله - شغوفا بالسمراوات، ومنهن صديقات لي تجاوزن السبعين، وأداعبهن بهذا الكلام الذي أقوله بلا حرج، لأني أعتبر الكاتب المبدع كائناً حياً حتى بعد أن يفارقنا بجسده.
ومحمد عودة، بالنسبة لي حي يرزق، وأتبسط في الحديث إليه، الآن، أكثر مما كنت أفعل أثناء حياته.
انهار فاروق عندما قدم له السفير البريطاني وثيقة التنازل.كان السفير البريطاني غاضبا ومندفعا ويريد عزل فاروق، إذا لم يستسلم له، وأن يضع مكانه على العرش الأمير محمد علي، الذي كان معماريا موهوبا لكنه وصف بخلاعة ماجنة لا تتفق مع الرجولة.
وكان النحاس غاضبا من تجاهل الملك لحقوقه الدستورية كزعيم لأغلبية المصريين ومن عبث ثعالب أحزاب الأقلية التي زورت الانتخابات وتآمرت مع الملك والانكليز ضد الإرادة الشعبية.
كان فاروق غاضبا من اتفاق الاثنين ضده وهكذا كتب على مصر العذاب لأن مصيرها كان بأيدي ثلاثة رجال غاضبين.
خلل نفسي
لكن غضب فاروق كان يكشف عن شيء مختلف، عن خلل نفسي سببته التربية المنعزلة، والجفوة بين الأب والأم، والقواعد الصارمة التي فرضها عليه أبوه، والصورة الخرافية التي أرادوا أن يصور نفسه بها.
وقد أدرك فاروق في طفولته بلاهة التصور الذي رسمه القصر لملك المستقبل عندما سأل مدرب الفروسية العسكري الذي كان يدربه لماذا لا أسقط أنا من فوق جوادي ولو مرة واحدة كما رأيت بعيني أمير ويلز يسقط من فوق جواده تسع مرات؟
تكرر سؤال الطفل الذكي مرات ومرات حتى التقطه المحيطون به وسجلوه. لكن الأيام مرت. وفقد الطفل براءته وادعى العظمة ليخفي بها الشعور بالضعف. وعندما سقط أمام السفير البريطاني لم يقم مرة أخرى ليستعيد كرامته، بل ظل يتقلب في الوحل حتى نهاية عهده كملك.
ارتكب فاروق حماقة كبرى عندما تصور أنه يستعيد كرامته إذا عينه البريطانيون جنرالا في جيشهم، ولو أن الخطاب العام عقلانيا لكان طلبه بأن يعين في الجيش البريطاني برتبة جنرال أمراً بروتوكوليا حميدا لكنه كان يجب أن يدرك أن «الوطنجية» سوف يشهرون به.
ومنحه البريطانيون لقب جنرال بريطاني وأعجبته اللعبة وأصر على أن يمارس مهامه كجنرال ويذهب للتفتيش على الوحدات العسكرية البريطانية.
هذه التصرفات الطفولية العجيبة من انفعالية وتغطية على الضعف الداخلي بالاستعراض ارتبطت بتصرفات مرضية أخرى منها السرقة القهرية CLEPTOMANIA ويقال إن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل اثناء جلوسه بجواره في فندق ميناهاوس اكتشف ضياع حافظة نقوده فقال فاروق: إنه يعرف من سرقها، وغاب دقائق ثم عاد بها، ليصفق الحاضرون لبراعته البوليسية في معرفة السارق وإعادة المسروق.
الملك هو الذي نشل تشرشل، كما تروي سهير حلمي، وهو تعلم النشل من المجرمين الخطيرين الذين أتى بهم من السجون ليعلموه النشل مقابل العفو الملكي.
ولطيفة سالم تؤكد هذا الكلام وخادمه اللبناني الأصل كريم ثابت يروي أن فاروق كان يلعب القمار في نادي السيارات عندما مد يده إلى داخل حقيبة سيدة تجلس بجواره وسرق ولاعتها الذهبية.
ولا أستطيع أن أصدق أو أكذب لكني أقول أمرين: إن الاثني،ن اللذين أشرفا على تعليمه، لهما دخل في اضطرابه، أولهما الجنرال عزيز عالي باشا المصري الذي كان سياسيا عثمانيا مغامرا من مواليد شبرا بشمال القاهرة ولعب دوراً كبيراً في تقرير مصائر السلطنة، وكان بالغ الصرامة مؤمنا بالعسكرية البروسية (الجرمانية)،
والثاني أحمد حسنين باشا مغامر من طراز آخر يحب النساء مثل عزيز باشا الذي كانت له عشيقة بريطانية (واحدة على الأقل) يحب المؤرخون الوطنجيون أن يتجاهلوها. لكن حسنين عاش مشغولا بترتيب حياته الخاصة وليس بترتيب مصائر الأمم والشعوب مثل عزيز باشا، وقد سيطر حسنين على القصر من خلال سيطرته على الملك وعلى أم الملك، وظل يتلاعب بالقصر والدولة والشعب حتى صدمته سيارة عسكرية بريطانية على كوبري (جسر) قصر النيل.
هتلر وإدوارد الثامن
هذا هو الأمر الأول ويتعلق بتربية الملك، أما الأمر الثاني فهو أن فاروق كان صديقا لأدولف هتلر، الزعيم النازي الذي خسر الحرب العالمية الثانية وخسرها معه كل أصدقائه، ومن بينهم فاروق، الذي أكرر أنه لم يكن جاسوساً للألمان بل كان متعاطفاً معهم وبالغ الصهاينة في هذه المسألة، قبل إعلان دولتهم بثلاث سنوات، حتى يذلوا الملك ويتلاعبوا به كلما احتاجوا إلى ذلك.
وتتعلق بهذه النقطة نقطة أخرى وهي صداقة فاروق لملك بريطانيا المخلوع ادوارد الثامن، الذي كان - هو أيضا - صديقا لهتلر ومعجبا به ويدعوه «ابن العم»، وقد خلع عن عرشه عند اقتراب الحرب لأنه لا يعقل أن تدخل بريطانيا الحرب ضد ألمانيا وعلى عرشها متعاطف مع النازية. وبعد خلع إدوارد الثامن، اخترعوا له قصة الملك العاشق الذي تنازل عن العرش من أجل حبه لليدي سمبسون الأميركية المطلقة ليتحول من ملك إلى نبيل يحمل لقب «دوق وندسور».
وفي مذكرات الليدي أن أيامها ولياليها مع دوق وندسور كانت كابوسية وأن حبيبها الحقيقي كان ميكانيكي سيارات فرنسيا، حيث عاشت مع الدوق في جنوب فرنسا حتى نهاية حياتهما.
لقد كان ممكنا أن نعرف الكثير عن فاروق وعن صديقه الملك ادوارد الثامن، الذي سقط مثله عن العرش، لأنه كان صديقا للزعيم الذي حارب العالم كله فحقت عليه الهزيمة لولا أن ما تركه لنا الرجلان لا يتجاوز إشارات عابرة.. وكما قال إدوارد الثامن لفاروق «فإن الملك إذا كتب مذكراته فسوف يتحدث عن كل شيء إلا الأشياء المهمة».
أسامة الغزولي

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy