• ×

02:23 صباحًا , السبت 11 يوليو 2020

قائمة

من محمد علي إلى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (4)

 0  2  3.4K
 أغرب النبوءات هي تلك التي تحقق نفسها. وقد تنبأت انت بزوال ملكك. صدقت الروايات التي أشاعتها جهات غامضة تحدثت عن خطر شيوعي يهدد البلاد. قلت لمن حولك: لن يبقى في العالم ملوك إلا خمسة. ملوك ورق اللعب الاربعة وملكة بريطانيا. وعندما رايت أبناء شعبك يتثاقلون عندما يتعين عليهم الوقوف تحية للسلام الملكي اقترحت تغيير اسمه الى السلام الوطني ليحترمه الناس ويقوموا واقفين لتحيته.
وتحققت نبوءتك وسقطت الملكية لأنك تصرفت على العرش كموظف يريد أن يحافظ على وظيفته لا كسياسي يستكشف اتجاهات التاريخ ويدفع باتجاهها. لم تعرف كيف تحافظ على ملكك فتحققت نبوءتك السوداء.

وعندما خرجت من البلاد قيل انك خلفت وراءك ثروة مقدارها 35 مليون جنيه مصري تساوي مليارات الدولارات بأسعار اليوم. وظلت زوجتك الأولى فريدة تعتقد أنك كنت تخبئ في بنوك سويسرا ثروة قدرت آنذاك بما يزيد عن 75 مليون دولار.
رفض الثوار أن يتركوا صديقك الايطالي بوللي يسافر معك لانهم كانوا يريدون أن يستنطقوه ليبوح بأهم اسرارك وخاصة ثروتك السرية المزعومة.
وبعد سفرك قلت لأحد المقربين منك إن ثروتك لا تتجاوز خمسة ملايين وهو ما يساوي ثروة واحد من باشواتك وهو احمد عبود باشا.
روى مصري مقيم في ايطاليا لكاتب هذه السطور أن دبلوماسيا مصريا في روما كان يقف أمام محطة القطار في طابور انتظار سيارة أجرة (تاكسي) عندما سمع شخصا واقفا وراءه يتمتم بالعامية المصرية معلنا عن سخطه على الطقس المطير وعلى همجية الطليان. التفت ليرى ذلك الشخص فاذا بـه فاروق. كان المصريون في روما آنذاك يندر أن ترى منهم أحدا إلا ثريا أو دبلوماسيا أو زائرا مهما، وفي حالات نادرة. سأله:
> جلالة الملك فاروق؟
رد الرجل متبرما:
ـ ايوه ياسيدي أنا فاروق.
وبعد طول انتظار جاءت سيارة التاكسي ولان الدبلوماسي كان الأحق بالركوب فقد عرض على الملك أن يتنازل له عن دوره لكن الملك وافق على أن يركبا معا وظلا يتسامران حتى عرف الملك أنه يقيم بشقة في المبنى نفسه الذي يسكنه فتجهم ولزم الصمت حتى نزلا من السيارة.
ولم يعد يحييه أو يرد تحيته اذا رآه. ربما ساءه أن يتدهور حاله حتى يسكن في مبنى واحد مع أحد رعاياه.
لكن هذه هي الدنيا. ماذا يمكن أن يتوقع ملك فقد عرشه وتاجه؟
لم تستقبلك ايطاليا بحفاوة. دخلها يختك الملكي وعلى متنه ملك مصر، ابنك أحمد فؤاد الثاني. لكن المدفعية لم تنطلق تحية لكما. ولم تجد في انتظارك إلا مندوب الخارجية الايطالية والسفير المصري عبد العزيز بدر. صحيح أنك ملك مخلوع. لكنك استقبلت ملك ايطاليا عندما طرده النازيون، الاستقبال للائق بملك صديق هل نسيت ايطاليا ذلك؟ وهل نسيت أنك جعلت قصرك مزرعة ايطالية؟ واذا كنت أنت ملكا مخلوعا فلماذا يتجاهلون أن ابنك الرضيع هو ملك مصر أحمد فؤاد الثاني وأنه سيبقى كذلك حتى مايو 1953، أي الى ما بعد وصولك بعشرة أشهر؟
لعبة الأمم
لعبة الأمم تدور مبتعدة عنك. فقدت عرشك فاحـرص على أن لا تفقد حياتك.
لم يمض وقت طويل على وصولك الى ايطاليا حتى احترمت الخلافات بينك وبين زوجتك ناريمان، تاريخك السابق يمكن أن يفسر ما جرى. أنت تحب السهر تريد ان تخرج وحدك. تتعلق هي بذراعك. تطلب منك أن تأخذها معك. وأنت ترفض. وتغضب أنت وتغضب هي.
هل تصدق ما قاله سكرتيرك الخاص فهيم ريان عن هذا الموضوع؟ يروى أنك أنت وناريمان كنتما تتبادلان الشتائم، وأن الأمر أصبح اكثر فظاعة وسوقية بعد أن انضمت اليكما أمها، حماتك. هل صحيح ما رواه سكرتيرك من انك لكمت زوجتك لانك تعلمت من «ابناء البلد» أن ضرب الزوجة ضرورة عائلية؟
يشوه الخدم، دائما، سير أسيادهم.
وقد يكون الصحيح في رواية فهيم ريان ما قاله من أنك أردت أن تنشئ الملك الصغير بالصرامة التي نشأت أنت عليها في ظل «ابيك الصارم» فأي جدوى في هذا كله؟ ما فائدة التربية الصارمة؟ ألم تفقد عرشك وتاجك؟ وقع الطلاق بينك وبين زوجتك الثانية. وذهبت ناريمان لتعيش في فيللا فـي سويسرا، قبل أن تعود هي، نهائيا، الى مصر وتبدأ حياة جديدة مع الطبيب أدهم النقيب الذي ارتبطت به.
فاروق والصبية
أما أنت فوقعت في غرام ايرما. كانت صبية في الخامسة عشرة. قدمت اليك الزهور اثناء زيارتك إيطاليا عام 1946. وعندما رايتها بعد أن كبرت تذكرتها على الفور.
عرفت أين تقع مدرستها. رحت تنتظرها على باب المدرسة كمراهـق صغير، لكي توصلها الى مسكنها في سيارتك الرولزرويس الحمراء. لكي تهديها الزهور.
انها ابنة سائق تاكسي من حارات نابولي الشعبية وضعتها الاقدار في طريق ملك فاخترعت لنفسها تاريخا ارستقراطيا وزعمت أنها من سلالة مينولتو الايطالية العريقة.
أخلص امرأة
يقول الكثيرون ان إيرما كانت اخلص امراة عرفتها في المنفى بعد أن خلعوك عن عرشك. ورغم حنانك البالغ عليها فقد كنت تتركها، كل ليلة، لتسهر وحدك مع صديقاتك الكثيرات. ومع رفاق القمار. كانت كل صديقاتك في عمر بناتك: سونيا رومانوف اليوغسلافية (22 سنة) وآناماريا غاني التي كانت في مثل عمرها. كانت الاولى ممثلة والثانية مصففة شعر وصبية اصغر منهما كانت السويدية بريجيتا ستنبرغ عندما عرفتها وهي في الثامنة عشرة.
ورغم ذلك فقد كنت تقابل إيرما إلا مرتين في الأسبوع. وعندما كنتما تسافران معا كنت تؤجر لها جناحا منفصلا عن جناحك. لم تتحدث معها، ابدأ، عن السياسة. ولم يتيسر لها ان تلتقي اسرتك إلا يوم جنازتك، عندما لم يعد بوسعك أن تمنعها من اللقاء معهم.
وقد حرصت على أن تجعل منها مغنية أوبرا مشهورة. وعندما وقفت على مسرح الأوبرا لتغني انتشى الناس بغنائها وبالتاج الماسي على رأسها وعقد الزمرد الاخضر حول جيدها.
كل هذا كان من صنعك. انت الذي اهتممت بصقل موهبتها وبإيصالها الى ذروة النجاح. ولم تكن إلا واحدة من فنانات بالغات الحساسية أحطن بك: منهن الممثلة اليوغسلافية سونيا. الكاتبة السويدية بريجيتا ستنبرغ والاديبة البريطانية بربارة سكلتون. وزوجتاك فريدة وناريمان اللتان ساقتهما الاقدار الى حياتك وكانتا رسامتين، وبعد ان سقطت الملكية في مصر عاشتا في بيروت، كرسامتين محترفتين، من دون أن تكون لاحداهما علاقة بالأخرى.
أنت ايضا كنت تملك حساسية انسان مثقف يقدر الفن والأدب. عندما كنت تجد وقت فراغ كنت تقضيه في مطالعة الشعر الفرنسي. وعندما منحتك الاقدار الولد الذي لطالما تطلعت اليه وقفت تتلو على زوجتك، أم الولد، قصيدة روديارد كبلنغ عن الوليد الملكي.
ويروي احد أقاربك أن أهتمامك بالجيولوجيا (علم طبقات الارض) ومقتنياتك المتصلة بهذا العلم كاهتماماتك بعلم الأحياء تشيران الى ثقافة علمية عميقة.
المثقف الماجن
وقد لاحظ كاتب هذه السطور الثقافة العميقة التي تمتع بها الامير محمد علي باشا عم الملك فاروق وولي عهده حتى ميلاد احمد فؤاد. كان ذلك الرجل فنانا معماريا كبيرا وكان عظيم الاهتمام باقتناء اللوحات لكبار الفنانين العالميين وبالصيد وتحنيط الحيوانات البرية. ورغم ذلك كانت حياته الشخصية على مستوى من المجرن الذي يدعو إلى الاشمئزاز كما أن الجناح الخاص به في قصره الرائع، الذي يحتوي واحدة من أعظم الحدائق في العالم من حيث ثروتها النباتية، كان شديد القذارة والقبح.
وكذلك كان فاروق يقتني أعظم المقتنيات العلمية والأدبية كما كان يقتني الأفلام الإباحية الرخيصة واللوحات الجنسية الماجنة. وتنطوي شخصيته على ملامح العظماء وعلى سذاجة الأطفال واندفاعهم.
هذه الازدواجية هي التي اسقطت فاروق عن عرشه. وعندما وجد نفسه في المنفى فكر في أن يبحث لنفسه عن وظيفة وحاول أن يعمل بالعلاقات العامة، وفشل.
لكنه بدأ يدرك عمق مأساته عندما اخذ إحدى بناته ليقدمها للجميع الارستقراطي في روما بعد سنوات من استقراره فيها. وفوجئ بالجميع يظهرون اللامبالاة بالملك المخلوع وبالاميرة السابقة.
وداعا للنياشين
وانتحى فاروق بنفسه مكانا بعيدا وبدا ينتزع أوسمته ونياشينه التي على صدره ويبكي.
رأته إيرما وهو يبكي ذات مرة. كان يقود بها السيارة على ساحل نابولي وذكره ساحل نابولي بالإسكندرية فأوقف السيارة وانخرط في بكاء مر.
وذات ليله ودع إيرما وذهب للسهر مع صديقته الحلاقة آنا ماريا غاتي بعد أن أعفى سائقه وحارسه الألباني رستم من مهام خدمته حتى الصباح.
دخل الاثنان مطعم «إيل دي فرانس» في شارع فيافنتو بروما. جلسا الى مائدة العشاء التي كان فوقها 12 قطعة روبيان. قطعتان من لحم الضان المشوي مع البطاطا. شطائر محشوة بالمربى. أكل فاروق. واشعل سيكارا كوبيا. وفجأة بدأ يسعل. واحتقن وجهه. ورفع يديه الى حلقة وسقط على المائدة. مات فاروق.
اختفت صاحبته: هل أفزعها مشهد النهاية؟ هلى خافت الفضيحة. والسؤال الأخطر هل كانت لها يد في قتله؟
كان ذلك في عام 1965. القوى المعادية لجمهورية يوليو كانت تتحرك ضدها حركة بلغت ذروتها في 1967. فهل كان موت فاروق في روما ـ كموت سيد قطب في القاهرة ـ نتيجة مبادرة دفاعية قامت بها الجمهورية ضد اعداء حقيقيين أو متوهمين؟
قد تكون أصابع الاتهام أشارت ـ من دون دليل ـ الى صديقته الحلاقة الايطالية ولكن هل فكر أحد في دور لصديقته الممثلة اليوغسلافية ولمخابرات تيتو الذي لم يكن يريد لجمهورية يوليو أن تسقط تحت سنابك الغزو الصهيوني ـ الغربي؟ لماذا لم تبادر سلطات ايطاليا الى تشريح الجثة؟ هل لمشروعات التعاون الصناعي بين مصر وايطاليا لانتاج سيارات الفيات دخل بما جرى؟
لا أحد يدري. وقد تفتح غدا ملفات مغلقة منذ الأمس البعيد، ليقرأ الناس ويعرفوا. وقد تبقى الأسئلة معلقة إلى الأبد.

أسامة ا لغزولي

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy