• ×

07:32 مساءً , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

أدوات علميّة حديثة تحارب الأدوية المزوَّرة

 0  0  984
Science News أدوات علميّة حديثة تحارب الأدوية المزوَّرة

عندما ضبط الإنتربول الخريف الماضي أدوية قدّرت قيمتها بـ 2.6 مليون دولار، لم يكن محاربو الجريمة الدوليون يسعون وراء مخدرات كالكوكايين أو الهيرويين، بل كانوا يبحثون عن أدوية مزوّرة. وفعلاً، صادروا في عمليّتهم هذه آلاف العلب من مضادات حيوية وإنسولين وأدوية مستعملة لعلاج أمراض القلب والسرطانات.
Science News تابعت هذا الموضوع وخرجت بالتحقيق التالي.

اندرجت عملية ضبط الأدوية المزوّرة الذكية والمدروسة، التي أطلق عليها اسم «بانجيا 3»، في إطار نوع جديد من الحروب يُعرف بالحرب على الأدوية المزوّرة. إنها معركة تنطوي على مخاطر عالية: فبحسب تقديرات وزارة التجارة الأميركية، يحقّق استثمار بمبلغ 1000 دولار في الأدوية المزوّرة أرباحاً بقيمة 30000 دولار، أي ما يفوق بعشر مرات الأرباح التي قد يجنيها الاستثمار نفسه في تجارة الهيرويين. ولهذا النموذج من الإتجار بالأدوية أضرار جانبية قاتلة: ففي الأرجنتين، توفيت امرأة في الثانية والعشرين من عمرها كانت تعاني فقر دم بسيطاً، نتيجة فشل كبدي تسبّبت به جرعات الحديد المزوّرة التي أُعطيت لها. وفي نيجيريا، توفي أكثر من 50 طفلاً نتيجة تناولهم أدوية أسنان تحتوي على محلول ديتيلين غليكول السام. وفي كندا، توفيت امرأة بسبب تناولها أدوية اشترتها عبر الإنترنت وتبيّن أن هذه الأدوية كانت محشوّة بمعادن مختلفة بما فيها الألومنيوم والتيتانيوم والزرنيخ.
طالما كانت الأدوية المزوّرة مشكلةً في المناطق التي لا يصل فيها الدواء من المنتج إلى المستهلك بطرق مباشرة إنما بطرق ملتوية تنطوي على الغش والخداع. واليوم، يسهّل الإنترنت عملية الحصول على الأدوية المزوّرة على الجميع أينما وُجدوا لأنه يسمح بالتحايل على طرق توريد الأدوية القانونية محوّلاً بذلك الإتجار بالأدوية المزوّرة إلى تجارة واسعة النطاق تنطوي على الربح والخسارة كسائر التجارات.
استهدفت عملية «البانجيا 3» بصورة خاصة صفقات بيع الأدوية المزوّرة عبر الإنترنت. وكان القيّمون على هذه العملية قد حققوا في 694 موقعاً إلكترونياً وأغلقوا منها 297 موقعاً منذ ذلك الحين. وقد شارك أكثر من 40 بلداً في هذه العملية التي شملت موظّفي جمارك، وعاملين في قطاع وسائل الدفع الإلكتروني، ورؤساء وكالات الأدوية الأوروبية.
صحيح أن البيان الإعلامي الصادر عن الإنتربول لم يثنِ على جهود العلماء، إلا أنهم اضطلعوا بدور أساسي في هذه العملية من خلال ابتكار الأسلحة العلمية التي سمحت بمكافحة الإتجار بالأدوية المزوّرة. وتسمح هذه الأسلحة بالكشف عما لا نستطيع رؤيته بالعين المجرّدة وتحديداً الكشف عن مكوّنات حبة دواء على المقياس الجزيئي أو الذري.
وفي حين أن كيماويي القرن العشرين نجحوا في تطوير تقنيات مبهرة تسمح بكشف مكوّنات مادة ما، نجح باحثو العقد الماضي من القرن الواحد والعشرين في تطوير تقنيات عصرية تدعو إلى تبسيط المعدات العلمية وتستغني عن عملمات تحضير العينات المملّلة والطويلة. وعليه، تستطيع اليوم التقنيات الجديدة تحليل مركبات أي دواء في غضون ثوانٍ وتسمح بكبسة زر بالتصوير بالأشعة السينية للكشف عن محتويات حبة الدواء من دون فتح علبة الدواء.
بالإضافة إلى ذلك، يعمل الباحثون راهناً على إعداد خرائط دقيقة تظهر موقع مختلف مكونات حبة الدواء. وقد يساعد هذا الابتكار الذكي المفتشين والمحققين في الوصول إلى مصدر الأدوية المزوّرة.
في هذا الإطار، يقول المحلّل الكيماوي فاسوندو فرنانديز من جامعة جورجيا للتكنولوجيا في أتلانتا: «يدرك المجتمع العلمي أن تزوير الأدوية مشكلة خطيرة وأن عليه المساعدة في محاربتها. سابقاً، اعتاد الناس على اعتبار تزوير الأدوية مشكلة على السلطات الأمنية التعامل معها. لكن اليوم، بدأنا بتطوير أدوات جديدة وبدأ يتنامى اهتمام العلماء بمحاربة هذه الظاهرة».

لمحة

ثمة أدلة دامغة تظهر أن مشكلة الأدوية المزوّرة وباءٌ مستشرٍ في مختلف أنحاء العالم. وتشمل عمليات التزوير: الأسبيرين، المضادات الحيوية، والأدوية المستخدمة لمعالجة النوبات القلبية ومرض التهاب الكبد B ومرض نقص المناعة المكتسبة. (حتى أنها تطاول الشبكات الجراحية وشرائط اختبار معدل السكر في الدم). وفي الولايات المتحدة وغيرها من بلدان ذات أنظمة تنظيمية فاعلة نسبياً، تبلغ على الأرجح نسبة الأدوية المزوّرة أقل من 1% وهي نسبة مذهلة إذا أخذنا بالاعتبار أنه يباع في أميركا سنوياً ما لا يقل عن بليون حبة دواء. أما في البلدان التي تقل فيها الرقابة على شركات توريد الأدوية، فترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ.
في دراسة نُشرت العام الماضي في مجلة (Tropical Medecine& International Health) قال الباحثون إنهم وجدوا في إحصاء أجروه في كبموديا حول أدوية الطفيليات المعوية أن أكثر من 4% من هذه الأدوية مزوّرة. فضلاً عن ذلك، أظهر تحقيق أجري في عام 2008 أن 50% من أدوية الملاريا المباعة في بلدان مختلفة من جنوب شرق آسيا مزوّرة.
في الواقع، عندما يكون الدواء خالياً من المادة الحيوية الأساسية أو متضمناً كمية غير كافية منها، قد تكون تداعيات استعماله وخيمة وخطيرة. فمثلاً في شهر فبراير (شباط) من عام 2005، دخل رجل في الثالثة والعشرين من عمره إلى مستشفى في ميانمار إثر إصابته بطفيلية الملاريا. وهناك، أُعطي حبوباً اعتُقِد أنها تحتوي على الأرتيسونات الذي يعد العلاج الأمثل لمثل هذه الحالات. وبحلول الليلة الثالثة، دخل الرجل في غيبوبة بعد إصابته بفشل كلوي سرعان ما توفي من بعدها.
وعلى خلفية هذه الحادثة، استُدعي بول نيوتن، اختصاصي في الأمراض المعدية من جامعة أكسفورد يعمل في مستشفى ماهوسوت في لاوس، وزملاؤه الباحثون للتحقيق في أسباب هذا الموت المفاجئ. وبعد تحليل الأدوية التي أعطيت للمريض بواسطة تقنية تُعرف بمطيافية الكتلة للتحليل المباشر في الوقت الحقيقي، وجدوا أن الرجل قد أُعطي حبوباً مزوّرة يحتوي معظمها على مخفّف الآلام أسيتامينوفين.

تقنية مطيافية الكتلة

ويُعتبر هذا التحليل أول تحليل استُخدمت فيه تقنية مطيافية الكتلة الحديثة للكشف عن الأدوية المزورة. في الواقع، تعد تقنية مطيافية الكتلة للتحليل المباشر في الوقت الحقيقي نسخة مطوّرة عن تقنية مطيافية الكتلة التقليدية التي تعتبر تقنية تحليلية قديمة. ويعتمد مبدأ عمل مطياف الكتلة على تبخير العينة وتحويل جزيئاتها المتبقية إلى ذرات مشحونة كهربائياً أو إلى أيونات ويتم ذلك عادة في الخواء. وتتحرّك هذه الأيونات إجمالاً ضمن حقول كهرومغناطيسية.
ومثلما أنه من الأسهل تحويل مسار كرة مضرب من تحويل مسار قنبلة مدفع، تنحرف كذلك الأيونات الأخف وزناً ( التي تحمل الشحنة نفسها) بصورة أسهل من الأيونات الأكثر وزناً. وتمرّ الأيونات المصنّفة وفقاً لنسبة كتلتها إلى شحنتها عبر مكشاف. وفي ما بعد، تمرّ الأيونات عبر جهاز كمبيوتر يصدر شريط الرموز الكيماوية، أي ما يُعرف بالطيف، التي ستكشف عن تركيبة العيّنة الكيماوية بمقارنتها مع مجموعة من الأطياف الخاصة بعناصر ومركبات مختلفة. طريقة عمل مطياف الكتلة أشبه بوضع قطعة قالب الحلوى داخل ماكينة لمعرفة الوصفة الدقيقة لإعداده.
وعلى رغم أن تقنية مطيافية الكتلة التقليدية تقنية مهمة، إلا أنها تتطلب تحضير العيّنة على نحو دقيق لتسهيل عملية فصل الجزيئيات، وتفرض إجراء التحليل في الخواء وهي تقنية بطئية إذ قد يستغرق فحص عينة نحو 30 دقيقة. في المقابل، تسمح تقنية مطيافية الكتلة للتحليل المباشر في الوقت الحقيقي والنسخة الأحدث من تقنية مطيافية الكتلة المعروفة بمطيافية الكتلة القائمة على التأيّن بالإرذاذ الإلكتروني، بالكشف عن محتويات أي دواء وعن كميات كل مركب من مركباته في غضون بضع ثوان من دون تحضير أي عينات ومن خلال إجراء التحليل في الهواء الطلق.
طالما افترض الناس أن إبقاء الجزئيات المشحونة في الهواء الطلق قد يؤثر في دقة التحليل وكان إقدام الباحثين على تحليل المركبات في الهواء الطلق قد أثار فوراً موجةً من ردود الأفعال المعارضة. يقول مبتكر تقنية مطيافية الكتلة القائمة على التأين بالإرذاذ الإلكتروني ر.غراهام كوكس من جامعة بورديو يونيفرستي في ويست لافاييت انديانا: «فعلاً، لقد كان ذلك الإنجاز ثورياً فالإيونات عناصر عادية ومستقرّة بشكل طبيعي تستطيع تحريكها في الهواء كما يحلو لك. لا تزال الفكرة غريبة بالنسبة إلى بعض الناس».
تُستخدم تقنية مطيافية الكتلة للتحليل المباشر في الوقت الحقيقي البلازما والغاز الساخن لتحويل جزيئات العينة إلى أيونات. في المقابل، ترشّ تقنية مطيافية الكتلة القائمة على التأين بالإرذاذ الإلكتروني مذيباً سائلاً يؤيّن العينة ويبخّرها تاركاً الأيونات فحسب. وقد أصبحت كلا التقنيّتين أكثر التقنيات التحليلية استعمالاً في مختلف المجالات وليس في مجال الكشف عن الأدوية المزوّرة فحسب. إذ تساعد تقنية مطيافية التأين بالإرذاذ الإلكتروني الباحثين في الكشف عن المواد المتفجّرة، والمواد المستخدمة في الحروب الكيماوية، والبوليمارات والبروتينات الصناعية.
وقد نُقل عن الكيماوي الراحل جون فين الذي حاز جائزة نوبل لتطويره تقنية مطيافية الكتلة التي ترتكز عليها تقنية مطيافية التأين بالرذاذ الإلكتروني، قوله إن مطيافية التأين بالإرذاذ الإلكتروني «هي أعظم اختراع بعد اختراع لعبة البيسبول».
وفي عام 2006، كشف مختبر كوكس عن نسخة أحدث من مطياف التأين بالإرذاذ الإلكتروني تضخّ في مجرى سيلان المُذيب جزئيات إضافية تستطيع أن تعلق بالمكوّنات التي يبحث عنها الباحث وتكشف عن وجودها بصورة أدق وأوضح. وبحسب ما ورد في عدد مجلّة Analytical Chemistry الصادر في عام 2007، وجد فرنانديز وزملاؤه أن «جهاز مطياف التأين بالإرذاذ الإلكتروني التفاعلي» أكثر دقة بـ170 مرة من جهاز مطياف التأين بالإرذاذ الإلكتروني العادي في مجال الكشف عن مادة الأرتيسونات في الأدوية المضادة للملاريا. وفي بعض الأدوية، نجح هذا الجهاز في الكشف عن وجود مادة كيماوية بخسة وأقل فاعلية من المكوّن الحيوي الأصلي المضاد للملاريا.
في هذا الإطار، يقول فرنانديز: «مطياف التأين بالإرذاذ الإلكتروني التفاعلي أحد نجوم الساحة العلمية. إنه جهاز سريع للغاية. تستطيع استعماله للكشف انتقائياً عن بعض الجزيئيات وحتى لقياس كمية هذه الجزيئيات. ويمكنك أن تفعل ذلك بسرعة كبيرة».
وقد أثبتت أيضاً هذه التقنية نجاحها في مجال الكشف عن العينات المزورة من دواء التاميفلو الذي بيع بشكل كبير على الإنترنت خلال موجة تفشّي داء الإنفلونزا الأخيرة.

صعوبة تشخيص العوارض

افتقار الدواء إلى كميات كافية من المواد الحيوية سيحول دون حصول المريض على المفعول المرجو منه، فيما أن استبدال مكونات الدواء الحيوية بأخرى مزوّرة قد يسفر عن عوارض يصعب تشخيصها. وأحياناً، قد تودي المكونات الخاطئة بحياة من يتناولها.
ففي عام 2008، أدخل 149 رجلاً في سنغافورة إلى مستشفيات البلاد لانخفاض منسوب السكر في الدم لديهم علماً أن أياً منهم لم يكن مصاباً بداء السكري. وقد دخل سبعة من أصل مجموع الرجال في غيبوبة مات بسببها 4 من بين هؤلاء السبعة. وقد أظهرت التحقيقات أن ما تسبّب بتدهور حالة الرجال الصحية وموت بعضهم، هو الأدوية المزوّرة التي كانوا يتناولونها والتي كان هدفها تحسين الأداء الجنسي ومعالجة مشاكل الانتصاب. وبحسب ما ذكره العلماء في مجلة New England Journal of Medecine في العدد الصادر في عام 2009، فإن هذه الأدوية كانت ملوّثة بدواء غليبورد القوي الذي يُستخدم لمعالجة داء السكري.
في الواقع، شعور البعض بالحرج من شراء أدوية تحسين الأداء الجنسي ومعالجة مشاكل الانتصاب مثل الفياغرا والسياليس المعروفة بمثبطات فوسفوديستيراز 5، وارتفاع سعرها يجعلان منها أكثر الأدوية مبيعاً على الإنترنت الذي يعتبر أرضاً خصبة للممارسات الخاطئة. منذ طرح دواء فياغرا في الأسواق عام 1998، أصبح أحد أكثر الأدوية المقلّدة على نطاق واسع في الدول النامية. وما بين عامي 2004 و2008، ضُبطت 35،8 مليون حبة فياغرا مزوّرة في أوروبا. وفي العام الماضي، قال باحثون لمجلة «الصحة البيئية والطب الوقائي» (Environmental Health and Preventive Medecine)، إنه في اليابان تفوق مبيعات مثبطات فوسفوديستيراز 5 المزورة مبيعات مثيلاتها الأصلية بمرتين ونصف المرّة.
وفي دراسة أخرى نُشرت العام الماضي في مجلة International Journal of Clinical Practice ، عدّد الباحثون لائحة طويلة من المواد الطبية التي وجدوها في أدوية تحسين الأداء الجنسي ومعالجة مشاكل الانتصاب المزوّرة بما فيها الأسيتامينوفين؛ دواء الكلوميفين لتحفيز الإباضة؛ مركب الفليوكسيتين الحيوي الموجود في عقار البروزاك؛ والمضاد الحيوي المسمى بديبيرون الذي يستعمله الأطباء البيطريون لعلاج الأحصنة. وشملت المواد الأخرى التي وجدوها اللاكتوز، وبودرة التلك وحبر الطابعات (المستخدم لدهن الحبوب الصغيرة المزوّرة باللون الأزرق).
وبالإضافة إلى تقنيات مطيافية الكتلة، يستعمل الباحثون تقنية أخرى تقوم على توجيه الضوء على الأدوية للكشف عن مكونات غير مرغوب فيها. ويسمح الضوء بقراءة مكونات الأدوية قراءة طيفية من دون إلحاق الأذى بالمكونات. وتعتبر تقنية الضوء هذه ابتكاراً مهماً بالنسبة إلى المرضى الذين يريدون التحقق مما إذا كان الدواء أصلياً أو مزيفاً وبالنسبة إلى المسؤولين عن تطبيق القانون الذين يستطيعون استعمال الدواء المزيف كدليل لاتهام المتورّطين.
ثمة تقنية ضوئية واحدة تسمح بتحليل العينات المعلّبة من دون الحاجة إلى فتحها. تشبه طريقة عمل هذه التقنية مبدأ عمل مطياف رامان الذي يوجِّه حزمة من أشعة الليزر ذات موجة واحدة أو لون واحد على العيّنة. وعندما ترسل هذه الأشعة، يتسبّب عدد صغير من الفوتونات الموجودة في الحزمة الضوئية بتذبذب جزيئيات العينة فيجعلها تثب وتصدر ضوءاً من لون مختلف يُحدث عند تحليله شفرة أعمدة كيماوية.
بطبيعة الحال، لا يسمح توجيه ضوء ليزر على زجاجة داكنة برؤية مكونات الزجاجة بل كل ما يحدثه هو وهج قوي يبهر العينين. لكن توصل بافيل ماتوسيك من منشأة الليزر المركزية في مختبر روثرفورد أبليتون في بريطانيا وفريق عمله، إلى طريقة للحؤول دون حصول هذا الوهج.
عادةً، يركِّز مطياف رمان الضوء العادي على ميلمتر واحد من العينة ومن ثم يجمع الإشارة المنبعثة من هذه المنطقة المضاءة. لكن توصل ماتوسيك وزملاؤه إلى تسجيل الإشارة المنبعثة من منطقة تبعد من 5 إلى 10 ميلمترات عن نقطة تركّز ضوء الليزر. وتتأتى هذه الإشارة عن الفوتونات التي هاجرت إلى داخل علبة الدواء بواسطة العيّنة. وكما هي الحال في تقنية رامان العادية، ما إن تتفاعل الفوتونات مع العيّنة حتى تبعث بفوتونات من لون مختلف.
وبفضل هذا الاختبار، استطاع الباحثون تفادي حصول الوهج الناتج من الضوء المركزي المركز. ويقول ماتوسيك: «الأمر أشبه بأن تطفئ الشمس كي تتمكّن من رؤية النجوم».
منذ عام 2005 الذي طُوِّرت فيه هذه التقنية المسماة بمطيافية رامان القائمة على نقل مكان العيّنة المراد فحصها، جرَّبها فريق ماتوسيك على أقراص وكبسولات مختلف أنواع الأدوية. في هذا الإطار، قال ماتوسيك وزميلته في مختبر روثرفورد شارلوت إلياسون في مقالة نُشرت في مجلة Analytical Chemistry في عام 2007 إنه في حين أن إشارة رامان العادية لم تستطع اختراق زجاجة أو علبة دواء، نجحت تقنية مطيافية رامان القائمة على نقل مكان العيّنة المراد فحصها في الكشف عن المكونات الحيوية في أربعة أدوية من خلال فحص عبواتها بما فيها كبسولات السود أفيد وحبوب النوروفين (أحد أنواع دواء الإيبوبروفان).
راهناً، يعمل ماتوسيك وفريق عمله على تحسين تقنيات الليزر ووسائل جمع البيانات بغية استعمالها في التعرّف إلى الأدوية السائلة من خلال فحص زجاجتها. ولهذه التقنية قدر كبير من الأهمية لأنها ستجيز مجدداً للمسافرين حملهم خلال السفر أكثر من كمية الـ85 غراماً المسموح بها في الوقت الراهن.
إضافة إلى ذلك، كانت مجلة Chemical Science قد وصفت في وقت سابق من هذا العام النسخة الجديدة من مطياف رامان القائم على نقل مكان العيّنة المراد فحصه، التي يعمل عليها رامان وفريق عمله والذي قد يسمح بفحص العظام والأنسجة بغية الكشف عن الأورام من دون الاضطرار الى إجراء فحوصات الخزعة السرطانية. وتقوم هذه المقاربة على تعريف الجزيئيات المعدنية إلى العيّنة قبل تفجيرها بواسطة الضوء.

جردة مفصّلة لمحتويات الأدوية

لا يكتفي بعض التقنيات بالكشف عن محتويات عينات الأدوية إنما يسمح كذلك بمعرفة مكان وجود كل مكوّن من مكونات الدواء. لقد توصل الباحثون إلى تقنية تجمع ما بين المطياف والمجهر وآلة التصوير وبعض التحليلات الرياضية المعقّدة والتي تسمح بالكشف بصورة دقيقة ومفصّلة عن طريقة توزّع محتويات حبة الدواء.
حديثاً، استعمل باحثون في مديرية الأغذية والأدوية الأميركية إحدى تقنيات التصوير المشابهة لمقارنة أدوية تمّ شراؤها عبر الإنترنت مع أدوية تم شراؤها من موردين محليين. بدايةً، وجّه الباحثون أشعة ما تحت حمراء على عينات الأدوية وفقاً لمقاربة تشبه مقاربة مطياف رامان، ومن ثم عمدوا إلى استخلاص معلومات عن الفوتونات التي امتصّتها الجزيئيات والتقطوا صوراً للدواء نفسه ولبعض المواد المطحونة التي يحتوي عليها الدواء. وفي الدراسة التي نشرتها مجلة International Journal of Pharmaceutics في العام 2005، قال فريق الباحثين إن تقنية مطيافية الأشعة ما تحت الحمراء قد أظهرت أن مكوّنات الدواء لم تكن مخلوطة بشكل جيّد في بعض الأدوية التي تم شراؤها عبر الإنترنت.
وقال أنتوني موفات، المدير السابق لمركز تحليل الأدوية في جامعة لندن: «صحيح أن مطياف الأشعة تحت الحمراء بطيء إلا أنه يسمح لك بالحصول على قدر هائل من المعلومات».
أخيراً، أجرى فرنانديز وزملاؤه من معهد جورجيا للتكنولوجيا، مسحاً على الأدوية المضادة للملاريا باستخدامهم تقنيات متعدّدة بما فيها نسخة من مطياف التأين بالإرذاذ الإلكتروني تعتمد على تقنيات تصوير متطوّرة. ولم يكتفِ التحليل بإظهار أن بعض الأدوية المضادة للملاريا المزوّرة كان يحتوي على كميات كبيرة من مادة الأسيتامينوفين، إنما أظهر أيضاً بواسطة المطياف المستخدم أن مخفّف الآلام هذا كان قد وُزّع بكميات متساوية في الحبوب المزوّرة وفقاً لعملية معقّدة إلى حدّ كبير بحسب ما ذكره الفريق في مجلة Analytical Chemistry في عام 2009.
يساعد الكشف عن الطريقة التي خُلطت بها مكوّنات الأدوية المزوّرة، السلطات القضائية في الوصول إلى مزوّري الأدوية الذين يتمتّعون بتجهيزات متطوّرة ويعرفون كيف يقلّدون الأدوية في مرآب وضيع لتصليح السيارات. بالتالي، إذا أظهرت خرائط المواد الكيماوية بقعاً لمكوّن حيوي على سطح العيّنة، فذلك قد يفترض أن الحبوب كانت قد وُضّبت في آلة تستخدم عادةً لتوضيب الأدوية الأصلية.
على صعيد آخر، يقول نيوتين، أحد القياديين في مجموعة الضغط التي تحارب الإتجار بمضادات الملايا المزوّرة، إنه صحيح أن تقنيات كشف الأدوية الذكية هذه تسمح لمحاربي الجريمة بضبط المزوّرين، إلا أن ثمة كثراً من الباحثين الذين يهتمون بوقاية المريض من هذه الأدوية أكثر منه بالكشف عن مزوّريها. ولا تتطلّب عملية الوقاية هذه مجرّد تقنيات علمية متطوّرة، إنما أيضاً توجيه القدرات البشرية والموارد المالية في الاتجاه الصحيح.
في هذا السياق، يشير نيوتن إلى أنه في كل القارة الأفريقية، لا توجد سوى ثلاثة بلدان مجهّزة بالمعدات التحليلية المطلوبة لمراقبة نشاط شركات توريد الأدوية كما هي الحال في الولايات المتحدة. ويضيف قائلاً: «ثمة اليوم وعي أكبر من الوعي الذي كان سائداً منذ 10 أعوام، إلا أنه لم يُترجم على أرض الواقع بتحرّكات فعلية هدفها الحدّ من هذه المشكلة».
وعلى رغم كل ما قد يقال، يحقّق الباحثون اليوم تقدماً في مجال تطوير الأجهزة النقالة التي يمكن إخراجها من المختبر إلى الأماكن التي يحصل فيها الناس على أدويتهم. في هذا الإطار، تبنّت الصين تقنية مطيافية الأشعة تحت الحمراء النقالة بتجهيزها أكثر من 300 شاحنة بوحدات لفحص الأدوية في العيادات المحلية والصيدليات الواقعة في المناطق الريفية. بالإضافة إلى ذلك، ثمة أجهزة رامان المدمجة والمحمولة علماً أنها باهظة الثمن- التي تسمح للممرّضات اللواتي يعملن في المناطق النائية بالتحقّق بشكل سريع من الأدوية. ولا يزال فرنانديز وزملاؤه يعملون حتى اليوم على مطياف كتلة للتحليل المباشر في الوقت الحقيقي يكون محمولاً.
يقول فرنانديز: «ما أحبّ رؤيته فعلاً هو ممرّضة في إحدى العيادات الواقعة في منطقة نائية وبحوزتها جهاز محمول يخبرها إن كان الدواء الذي بين يديها «أصلياً وصالحاً للاستعمال» أو «مزوّراً}. أهم شيء هو الحفاظ على صحة المريض».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy