• ×

07:01 صباحًا , الأربعاء 21 نوفمبر 2018

قائمة

من محمد علي الى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (5)

 0  0  2.9K
 من محمد علي الى فاروق الأول ملوك منفيون ومفلسون (5)


كسب الخديو ثروة طائلة وخسر العرش




ليست أقدار الملوك كأقدارنا نحن البشر العاديين. فقد تجمع شخصية الملك كل صفات العظمة ثم تعانده الأقدار وتسقطه عن عرشه، ويجلل تاريخه بالعار. وقد يكون صغير النفس انتهازيا وتدفعه الأحداث الى أعلى مكان.
واذا كان فؤاد الأول هو نموذج للملك صغير النفس، سيئ الخلق، الذي وفرت له الأقدار كل وسائل بلوغ المجد والعظمة فان أبن أخيه عباس حلمي الثاني اجتمعت في شخصه كل صفات القوة واتساع الأفق وعلو الهمة لكنه انتهى معزولا عن مملكته محروما من عرشه منفيا في أقصى الأرض.

سبق عباس حلمي عمه فؤاد الى الجلوس على العرش الخديو المصري وحقق لبلاده في الفترة من 1892 الى 1914 ما لم يحققه لها إلا القليلون من الحكام الذين تولوا شؤونها. ورغم كل ذلك فقد خلع عن عرشه وهو في شرخ شبابه وذروة فتوته.
ورغم الأمجاد السياسية والاقتصادية والثقافية التي حققها عباس فان حياته الشخصية أكثر جاذبية من حياة أي حاكم مصري، والابحار فيها متعة حقيقية لكل من يحب أن يتعمق في تأمل الحالة الانسانية والتعاسة التي تبدو قدر الانسان الذي لا فكاك منه.
لقد درس عباس في أعظم المعاهد العلمية. واكتسب المهارات القتالية والعلمية التي تجعل منه انسانا عصريا مستوعبا للتطورات الهائلة التي عرفها العالم في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.وعرف أجمل النساء. وصادق كبار المثقفين. وخالط القيادات البريطانية والفرنسية والنمساوية والألمانية والتركية التي كانت بأيديها مصائر العالم.
وفجأة أفلتت حياته من قبضته المحكمة كما يسقط كوب ماء من يد طفل عابث.
ولو سألنا عباس، الذي نجده حيا في مذكراته ومذكرات زوجته الثانية الأميرة جويدان وفي كتب التاريخ، عن سبب سقوطه لقال لنا: لقد وضعوا (يقصد الانكليز) على رأس نقاط ضعفي الطموح والتعطش الى القيادة.
ملك يلومه المحتل لأنه طموح ومتعطش الى أن يكون قائدا حقيقيا لشعبه لا تابعا ضعيفا مثل أبيه الخديو توفيق.
مأساة ملوك الشرق
هكذا ملوك الشرق. اذا كان لديهم طموح اصطدموا بجبل الهيمنة الغربية. واذا كانوا ضعافا داستهم عجلات المركبات الحربية الغربية. فأين المفر؟
عندما كان عباس صبيا أرسله أبوه ليتعلم في سويسرا، لماذا سويسرا التي تعلم فيها محمد عبده وقاسم أمين واحمد لطفي السيد؟
وعندما بلغ الثالثة عشرة ذهب للدراسة في أكاديمية التريزيانوم في فيينا، تحت رعاية مباشرة من امبراطور النمسا فرانسوا جوزيف، الذي كان يعرف أن هذا الأمير الشاب سوف يخلف أباه يوما ما، على عرش مصر.
ووجه البلاط الامبراطوري دعوة للأمير الشاب ليتعشى على مائدة فرانسوا جوزيف. وانشغل عباس بأمور كثيرة ولم يغادر الأكاديمية الا في الساعة المحددة للعشاء. وأدرك أنه تأخر فانطلق بعربته يحث السائس على أن يركض بالخيول الى القصر الامبراطوري.
ووصل متأخرا. تطلع اليه الخدم وهو يدخل، بدهشة واستنكار: كيف يجرؤ هذا الأمير الصبي على أن يجعل الامبراطور والامبراطورة والبلاط التقليدي المحافظ في الهابسبورغ ينتظرونه؟
بحيوية الشباب انطلق صاعدا السلم، أربع درجات بأربع، محاولا تفادي النظرات القاسية من كل جانب. انفتح أمامه باب قاعة الطعام على مصراعيه. وجد الكل في انتظاره بالتيجان والأوسمة والنياشين، حول المائدة. أسرع في اتجاههم. وقع على الأرض من فرط ارتباكه. لكنه لم ينفعل. نهض بكل ثقة. توجه الى الامبراطور الذي صافحه مبتسما ووجهه الى حيث يجلس، كأن شيئا لم يكن.
هذه الحادثة تلخص حياة عباس. اندفاع شاب. نظام امبراطوري يراقب اندفاعه. سقوط مفاجئ. الفارق أن الملك النمساوي كان صديقا يعفو عن أخطاء الأمير الشاب. أما التاج البريطاني فقد تصيد أخطاءه وأسقطه الى الأبد.
ولما توفي والده وهو في الثامنة عشرة من عمره استدعي الى عاصمة بلاده، الى القاهرة، ليجلس على العرش، وقال له امبراطور النمسا انه - هو أيضا - صعد الى العرش في الثامنة عشرة.
وقبل أن يأخذ عباس الباخرة الى الاسكندرية تقرر أن يسافر معه مجموعة من أصحاب الكفاءة المدنيين والعسكريين الأوروبيين أهمهم الأستاذ السويسري (!!) لوي روييه الذي كان أستاذه لمادة القانون الدولي في الأكاديمية في فيينا. وقد وصف عباس هذا الرجل بأنه كان رفيع الذكاء، عميق الثقافة، يتمتع بمزايا العنصر السويسري العقلية والسلوكية المحبة للعلم والنظام.
وفي الطريق الى الاسكندرية ظل الأستاذ السويسري يلقن الأمير الشاب مبادئ الحكم. وعندما وصلا الى عاصمة البلاد عينه عباس سكرتيرا عاما لمجلس الوزراء.
لم يكن عباس مجرد حاكم بل كان تاجرا وفلاحا مثل جده اسماعيل باشا. لكنه تعلم مما جرى لاسماعيل ان كرم الملوك قد يكون سببا في افلاسهم فأصبح حريصا على المال. وقد أنشأ خطاً للسكة الحديد كمشروع تجاري خاص به في الصحراء الغربية، وأرادت الحكومة المصرية أن تشتريه لتوصل به بين مصر وفلسطين، عبر صحراء سيناء. ولأن سعر الكيلومتر الواحد من الخطوط الحديدية كان يتراوح بين 2000 و4000 جنيه مصري فقد اعتبر عباس انه ضحى من اجل بلاده عندما باع الحكومة الكيلومتر الواحد بمبلغ 800 جنيه.
وقال في مذكراته: صنعت هذا الخط من خامات جيدة. لكنني بعته للحكومة بثمن منخفض. لكي اثبت أني مصري صميم.
مات أبوه مفلسا
مات أبوه توفيق مفلسا لأنه تنازل عن أملاكه لتخليص البلاد من بعض ديونها. وأراد أن يكون عكس أبيه فأظهر حرصا كبيرا على المال. ولهذا فقد استصلح الأراضي الشاسعة في منطقة المنتزه وأقام فوقها القصر المحاط بالخضرة الذي ظل أجمل القصور الملكية، الى اليوم، رغم ما حل به من دمار على أيدي البيروقراطية بعد 1952. واستصلح الأراضي الشاسعة في أدفينا والاسماعيلية. وبنى العمائر الضخمة في القاهرة. وكان يشرف على أعمال الزراعة بنفسه. ويتابع البنائين الذين يشيدون له البنايات كأنه مقاول وليس ملكا.
تقول زوجته جويدان انها لاحظت عشقه للعمل اليدوي كأنه نجار أو حداد في مختلف مرافق القصور فاشترت له آلات فضية للنجارة والحدادة وأعمال الكهرباء فتلقاها شاكرا.
وأثناء الحرب بين تركيا وبلغاريا قرر الخديو مساعدة لاجئي الحرب من رعايا الدولة العثمانية دون تفرقه في الجنسية أو الدين أو اللغة. وذهب اليخت الملكي المصري «المحروسة» ليأتي بأعداد كبيرة منهم.
واظهر الخديو نشاطا، كأنه ضابط شاب ذو رتبة صغيرة، في تهيئة قاعات كبيرة العدد في قصر رأس التين لاقامة هؤلاء. فنصبت مئات الأسرة. وأُعدت غرف للأطفال. وأماكن خاصة لغسل ملابس الرضع وتغذيتهم.
وتدفقت التبرعات من أغنياء مصر لمساعدة اللاجئين بالأغذية والملابس والأحذية والأدوية والمشروبات والتبغ والسكائر.
كان اذا رأى الخدم يتباطأون في فتح صندوق أخذ منهم أدوات النجارة وأزال البراغي وفتح الصناديق بمهارة وعزم.
ووسط هذا كله كان يخصص وقتا لمقابلة رجال الدولة والدبلوماسيين الأجانب.
وظهرت مشكلة، فاللاجئات كن يخفن خدم القصر. لأن اللاجئات مسلمات والخادمات أوروبيات. ولاحظت الأميرة جويدان، قرينة عباس، ذلك الأمر، فقالت لهن: الخادمات مسلمات لأنهن مؤمنات بالله. وطبعا الخادمات البولنديات والمجريات كن مسيحيات لكن جويدان اعتبرت أن المؤمن بالله مسلم، أيا كان دينه.
لقد كان كل من في القصر، من أصحاب الوظائف المهمة، من الأوروبيين ما عدا السياسيين وأسافل الخدم. وعندما أراد القصر أن يعلم قرينة الخديوي اللغة العربية وتاريخ الاسلام جاؤوها بالمستشرق الألماني هسي HESSE الذي علمها الاسلام من خلال الآيات القرآنية التي تشرح أركان الدين ومبادئه وفلسفته.
العري البدني والروحي
وكلما ذهبت لتلقي دروسها على يدي هسي HESSE لبست معطفا وغطت رأسها. لكن المستشارين المصريين في الديوان ومسؤولين أتراكا طلبوا منها أن تغطي كفيها حتى لا يرى المدرس يدها العارية.
ولكن جويدان قالت: كيف لا يرى المعلم يدي وهو الذي يرى روحي ويقوم بصياغتها من جديد؟
وقد قربت جويدان اليها خادمة كاثوليكية اسمها غابربيلا. وصحت ذات يوم من نومها على كابوس فاكتشفت أن غابربيلا تقف بجوار سريرها وفي عينيها نظرات مخيفة. واعتذرت الخادمة عن وجودها بجانب الفراش بأنها ظنت أن الأميرة نادتها.
ثم تبين لها أن غابربيلا تسرق الملابس والحاجات الشخصية. ولما واجهوها بتهمتها قالت انها فعلت ذلك وتبرعت بكل ما سرقته لأحد الأديرة. وأنها تنتظر العقاب دون خوف.
ولما تركوها دون عقاب انضمت الى احد الأديرة حيث عاشت بقية حياتها.
رغم هذه الأجواء الغريبة فقد فتح عباس أبواب قصره لكبار مثقفي عصره. وقد كان الشاعر أحمد شوقي صنيعته في عالم الشعر وعلي يوسف صنيعته في عالم الصحافة ومصطفى كامل صنيعته في عالم السياسة وجورج ابيض وعثمان جلال حظيا برعايته في عالم المسرح ومحمد تيمور في عالم الأدب وعبده الحامولي ومحمد عثمان في عالم الغناء والموسيقى. ويكفي أن عباس حول شارعا يملكه الى شارع للفن هو شارع عماد الدين حيث قامت المسارح ثم دور السينما حتى الستينات من القرن العشرين.
في عهد عباس حلمي الثاني صدرت في مصر 53 صحيفة أشهرها صحيفة اللواء التي أسسها مصطفى كامل باشا، رجل الخديوي الذي تخلى عنه الخديوي.
والاهم أن عهد عباس شهد تأسيس مائة وستين شركة، مجموع رأسمالها ثلاثة وأربعون مليون جنيه مصري وهو رقم هائل في ذلك الزمان.
الكفر في بلاد الشام
صحيح ساعدت الظروف عباس. لكنه أحسن استغلالها. فقد غضب السلطان عبد الحميد لأن بلاد الشام (سوريا ولبنان) مشت على طريق الكفار اذ كان الابداع كفراً فأنشئت المسارح وازدهرت الفنون وراجت الصحف، فهجم عليهم النظام التركي هجمة دموية جعلت كل المبدعين يهربون من الشام الى مصر حيث ساهموا في نهضتها.
ولولا الاستقرار والتسامح ما ذهبوا الى مصر. ولا أبدعوا ما أبدعوه فيها.
بقي عباس على العرش اثنين وعشرين عاما ثم أسقطه الانكليز.لماذا ؟ لأنة أظهر ودا بالغا تجاه تركيا. كانت الحرب العظمى توشك أن تقوم وقال كثيرون ان عباس المحب لتركيا كان يمثل خطرا على انكلترا لان تركيا انضمت للألمان وبالتالي فقد كان ارتباط عباس بتركيا خطرا على المصالح الانكليزية.
لكن المؤكد أن عباس لم يكن يرى في تركيا الا عبئا ثقيلا عليه وعلى بلاده. وهو يميل الى الأتراك بحكم العنصر والدين.
وقد بالغ الانكليز في تقدير عاطفته الدينية. والدليل في هذه القصة : ذهب عباس ليعود السير الدون غورست، الذي كان يحبه كثيرا، أثناء مرضه الأخير. ولما عاد قال لجويدان : تحدثنا لبعض الوقت ثم صلينا معا. وجئت.
اعتبرت جويدان أن صلاة ملك مسلم مع نبيل انكليزي دليل على التسامح. لكن المسيحي يصلي جالسا أو راكعا. أما المسلم فيقوم وينحني ويسجد ويقعد. فكيف يصلي الاثنان معا؟
هل يقصد أن كلا منهما دعا الله وتوسل اليه؟ ربما لان كلمة PRAY تعني الدعاء أو الصلاة. وكلمة صلاة لها المعنى ذاته ولكن الاستخدام الاسلامي الدارج للكلمة حددها، في عصورنا الحديثة، بالصلوات الخمس وما يلحق بها من الصلوات.
فما معنى هذا الكلام؟
ما هي حقيقة المشاعر الدينية لهذا الملك؟
لقد حرص عباس، كلما أراد أن يمتدح أحد المثقفين، على أن يوضح انه كان راجح العقل «رغم» ثقافته الدينية.
فهو يقول عن الشيخ علي يوسف: لم يكن تعليمة الديني يؤثر، الا بدرجة بسيطة، على اتجاهاته الليبرالية. ولم يخضع للاتجاه العروبي وبريقه.
لقد أراد عباس أن يحول الرابطة التي تربط بين المصريين من رابطة دينية الى رابطة وطنية وقد نجح في ذلك. لكنه لم يجن ثمار نجاحه عندما اختلف مع مصطفى كامل وتخلى عنه فأرجع التاريخ فضل الانبعاث القومي لمصطفى كامل وليس لسيده ومحركه الحقيقي خديوي مصر.
خسر عباس انكلترا بسبب ميله لتركيا. وخسر تركيا بسبب حرصه على عرشه. وخسر الوطنيين المصريين لأنهم كانوا، بنظره مجرد أدوات يحركها كيفما شاء.
قالت عنه زوجته: «لم يكن لعباس الثاني أصدقاء بمعنى الكلمة. فرفاق الصبا أصبحوا رجالا في التشريفات فقط. أما صداقة الماضي فلا ذكر لها. فالحكام يعيشون بلا أصدقاء. ومنذ عرفت عباس الثاني تمنيت لو أني خلقت رجلا لكي أصبح صديقا يخلص له باعتباره صديقا لا سيدا. بيد اني لو كنت رجلا لما استطعت أن اعرفه».
بعد أن عزله الانكليز ظل يسعى لاستعادة عرشه حتى أصبح عمه سلطانا على مصر فتنازل له عن الحق في العرش مقابل راتب سنوي قدره ثلاثون ألف جنيه مصري.
وفرض عليه الانكليز أن يعيش منفيا في نابولي مثل جده اسماعيل ومثل فاروق. لكنه تمكن من السفر الى سويسرا ليعيش في جنيف ويموت فيها عام 1944.
أما فاروق فكان أجبن من أن يغادر المنفى الايطالي الذي وصله عام 1952 فأرسل بابنه الوحيد وبناته وزوجته ناريمان ليعيشوا في سويسرا. ما حقيقة البعد السويسري في تاريخ مصر الملكية؟
العجيب أن هذا الملك الحريص على المال كان يؤجر ميناء قصر رأس التين للصيادين ويشتري منهم احتياجاته من الربيان. ويؤجر حدائق القصر لتجار الفاكهة. ويصدر أزهار بساتينه الملكية الى أوروبا. واذا بليت الملابس أمر بها أن ترفى وترتق. وعندما مات في جنيف كانت ثروته سبعة ملايين جنيه مصري.
كسب المال الطائل وخسر العرش.
أسامة الغزولى

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy