• ×

12:33 مساءً , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

من محمد علي باشا إلى فاروق الأول ملوك مفلسون ومنفيون (6)

 0  0  4.6K
 من محمد علي باشا إلى فاروق الأول ملوك مفلسون ومنفيون (6)


إسماعيل باشا.. جعل بلاده جنة لتعجب الحبيبة الفرنسية



أربع سيدات منقبات كلهن فوق السبعين في حديقة فندق هو أفخم فنادق جنيف يتسامرن ويتهامسن كأنهن صبايا مرحات تجمعهن مودة قامت على صداقة قديمة جعلتهن كالشقيقات وهن في الحقيقة ضرائر. إنهن أرامل إسماعيل باشا خديو مصر الذي كانت بين مواهبه الفذة موهبة قل أن تتيسر لرجل غيره: أن يجعل النساء المتيمات به صديقات، يجمعهن حبه ولا تفرقهن المنافسة على مودته. ويرجح من عرفوا الخديو أن سخاء إسماعيل كان كالبحر، يأخذ منه الناس جميعا، ولهذا فقد جمعت المحبة بين الضرائر.
ولكن الحقيقة قد تكون غير ذلك فسيد عابدين (قصر الحكم منذ نزلت السلطة من قلعة صلاح الدين إلى اليوم) في كل الأزمان لم تكن له حياة شخصية، في أغلب الأحوال.
ولم يكن إسماعيل وأبناؤه يعايشون نساءهم. بل كان لكل واحد منهم جناحه الذي تدخله قرينته بترتيب سابق أيام تعدد الزوجات.
ثم أصبحت لسيد عابدين زوجة واحدة بعد أن حرم الخديو توفيق على الحاكم أن تكون له إلا زوجة واحدة، وبدأ بنفسه فطلق ثلاثا واحتفظ بأم ولي العهد.ولم تعد هناك حاجة إلى جدول زمني تدخل به الضرائر مخدع الملك.

لكن بقيت الحواجز قائمة. فسيد البلاد مشغول بنفسه وبعشيقاته، ومشغول بمستشاريه وبأعوانه وبخصومه في الداخل والخارج وعندما كان يسافر أي ملك من ملوك الأسرة العلوية كان يجعل لقرينته جناحا خاصا بها في الفندق الذي ينزل به ومقصورة خاصة بها في السفينة التي يبحر بها بل إن القطار الملكي، الذي ظل عبد الناصر يستخدمه حتى نهاية حياته، كانت فيه مقصورة للملكة وأخرى للملك.
لكن إسماعيل تميز، بين سائر ملوك الأسرة العلوية بتأثيره الطاغي على النساء. وكان يلمح، هو وأبناؤه إلى أن السر في فحولته وقدرته النادرة على الإشباع الحسي لكل امرأة ترتبط به.
ويروي المستشار الصحفي للملك فاروق كريم ثابت باشا أن فاروق كان يدعي أمامه أنه عاشر في اليوم الواحد عدة نساء. ويأخذ في سرد تفاصيل لقاءاته بهن، في جناحه الملكي. ويغمز خادمه محمد حسن للباشا بعينه، مؤكدا أن هذا كله «تفنيص» ومحمد حسن أدرى الناس، لأن كل امرأة،وإن كانت الملكة نفسها، لا تدخل مخدع الملك إلا تحت رقابته.
وعندما يبدي كريم باشا انبهارا مصطنعا يضحك فاروق مختالا بنفسه ويقول: ماذا تظن؟ ألا تعرف أني حفيد إسماعيل باشا؟
ويروي المؤرخون أن إسماعيل كان يزور نبيلا فرنسيا فوقع في غرام ابنته. وأثناء الحديث أظهرت النبيلة الشابة إعجابا بالغا بقصر من القصور العظيمة في فرنسا. وراحت تتحدث عنه في لوعة المشتاق إلى حبيب.
وبمجرد أن انصرف إسماعيل من هذه الزيارة أرسل في طلب صاحب القصر واشتراه بالثمن الخيالي الذي طلبه المالك «المذهول»، وفي صباح اليوم التالي ارسل إسماعيل باشا إلى النبيلة الشابة عقد شراء القصر ومعه تنازل إسماعيل باشا عنه لمصلحتها، باعتبار ذلك تحية «متواضعة» لجمالها ورقتها اللذين يفوقان كنوز الدنيا.
وتقول الأميرة جويدان إن إسماعيل باشا وضع الخطط الطموحة لتحديث مصر وإنشاء البساتين والقصور والطرق الحديثة لمجرد أن يجعلها مكانا يستحق أن تزوره معبودته الفرنسية الإمبراطورة أوجيني.
سر شغفه بالعمران
ويكشف المؤرخ والصحافي جورجي زيدان عن بعد آخر في مشروعات إسماعيل النهضوية عندما يتحدث عن تعليمه، فقد أرسله جده محمد على باشا مع نخبة من شبان مصر الأذكياء إلى مدرسة باريس، يتولى رئاستهم وجيه ارمني اسمه اصطفان بك«وقد تعلم إسماعيل، في تلك المدرسة، اللغة الفرنسية والطبيعيات، والرياضيات وخصوصا الهندسة، وعلى الأخص فن التخطيط والرسم، وهذا هو سر شغفه، بعد ذلك،بتنظيم الشوارع وزخرفة البناء».
وقبل أن يتعلم إسماعيل الفرنسية كان يجيد العربية التي تعلمها على أيدي معلمين كبار، ومارسها مع أصدقائه من أبناء الفلاحين وأشهرهم صديقه المشير إسماعيل باشا المفتش الذي أعدمه إسماعيل سرا، بعد أن غضب عليه.
وأجاد إسماعيل أيضا التركية والفارسية ولاشك أنه كان، هو وكل أبناء أسرته، يجيدون الأرمنية، فرائده في البعثة التعليمية إلى باريس كان أرمنياً، وهو اصطفان بك. وأقرب الناس إلى أبيه وأكثرهم حظوة عنده كان بوغوص بك الأرمني. وأحد أبرز رجاله ورئيس وزرائه، الذي كاد يسرق منه كرسي حكم مصر رغم أنه مسيحي، هو نوبار باشا.
وقد حول إسماعيل باشا القاهرة من مدينة عثمانية تعيش في القرون الوسطى إلى مدينة عصرية من أجمل مدن العالم في القرن التاسع عشر، وأهم مما أنشأه من قصور وبساتين وأهم مما شقه وعبده من شوارع وما أقامه من متاحف ومكتبات أنه أدخل مياه الشرب بالأنابيب إلى بيوت العاصمة وأنارها بالغاز الطبيعي، وأنشأ الإطفائيات والمستشفيات، وعمم زرع الأشجار في المدن والضواحي.
وطور الإدارة والقضاء والمجلس النيابي ووضع نظاما محاسبيا للدولة بعد أن كان المحاسبون المسلمون والمسيحيون يحتفظون بدفاتر ماليات الدولة في بيوتهم ويورثون أسرارها لذرياتهم.
ومن أجمل ما صنع أحد رجاله وهو ميريت باشا خبير الآثار الفرنسي أنه اكتشف «أبو الهول» الذي كانت تغطيه الرمال ولا يظهر منه إلا رأسه فأزاح الرمال من حوله، وأخرجه للناظرين ليكون، منذ ذلك اليوم من سبتمبر1850 حتى هذه الساعة، واحدا من أعظم الآثار على وجه الأرض.
وإذا كانت آثار إسماعيل العظيمة باقية إلى اليوم فإن أزمة الديون التي بدأها سلفه (شقيقه الأكبر) سعيد باشا تفاقمت في عهده، كما أن هيمنة الأجانب على الحكم زادت. وما زالت مصر تعاني من المشكلتين ليومنا هذا.
وبلغ إسراف إسماعيل واستهتاره بأمور المال أنه كان يصدر أمرا بصرف مبلغ من المال لشخص ما، ولا يحدد الغرض من هذا الصرف. وتصرف خزينة الدولة ما أمر به ولا تعرف إلى أين ذهب المال، وأحصيت هذه الأموال مجهولة المصير، بعد وفاته، فبلغت 84 مليون جنيه مصري وهي تفوق ديون مصر وتزيد.
ومن أجمل ما قيل عن محمد علي باشا أنه ارتقى سلم المجد وأصبح حاكما قبل أن يتعلم القراءة والكتابة، لكنه كان «يقرأ قلوب الرجال» أي أنه كان صاحب فراسة. ينظر إلى الرجل فيقرأ شخصيته كأنها كتاب مفتوح أمامه.
ويقول معاصرو إسماعيل إنه كان مثل جده صاحب فراسة قوية وعندما رأى أحمد عرابي باشا عندما كان الأخير ضابطا شابا نصح ابنه وولي عهده توفيق باشا بألا يرقي هذا الضابط كي لا يعرض العرش والحكومة والبلاد للمتاعب.
فراسة إسماعيل موروثة
ولا نظن هذا إلا بعضا من الأساطير التي نسجت حول عرابي بعد أن خسر معركته مع الانكليز، لكننا لا نشك في فراسة إسماعيل الذي يلقبه المؤرخ والأديب الراحل الدكتور لويس عوض بـ«إسماعيل العظيم».
وقد كان إسماعيل قوي الشخصية يأسر من يتحدث إليهم بسحر شخصيته فتمنعهم هيبته من معارضته، ويقال إنه درس التنويم المغناطيسي.
ولكن التنويم يحتاج أن يسلط المنوم (بكسر الواو المشددة) نظرات عينيه على من يتحدث إليه ولم يكن هذا ممكنا لإسماعيل الذي كانت إحدى عينيه أكبر من الأخرى ويبدو أنه كان مصابا بالحول، كما يقول القنصل الأميركي هارتمان، الذي كان شديد الإعجاب به.
والأرجح أن تعليم إسماعيل في فرنسا والخبرة التي اكتسبها من اسطنبول وفي البلاط الشاهاني لسلطان تركيا وثقافته الشخصية تفاعلت مع جينات العظمة التي ورثها عن آبائه، ومع ميوله الفنية والعلمية والقيادية وقوته الطبيعية الفياضة وتمكنه من عديد من لغات العالم الحية، وخلقت منه شخصية آسرة تملك النفوذ المطلق والعلاقات الدولية الواسعة والمال والرغبة في السيطرة، فمن يستطيع أن يقاوم كل هذا الجبروت من الرجال أو النساء؟
لم تنج الصفات الساحرة إسماعيل من الغرق في الديون فسقطت البلاد تحت رحمة الأجانب الذين استرضاهم ليأتوا ويستثمروا.
في حفل افتتاح قناة السويس كان البذخ غير متصور. يقول موظف أوروبي شارك في هذه الاحتفالات إنه دخن من الحشيش، طوال أيام الاحتفال، أكثر من راتب موظف مصري طوال ثلاثين عاما من الخدمة الحكومية.
ويقال إنه أثناء الاحتفالات دخل إلى بهو كبير، في حضور الخديو وكبار رجال الدولة والضيوف، أربعة نوبيين أشداء يحملون فوق أكتافهم صينية ذهبية ضخمة فوقها كومة من القشدة.
وتحت القشدة امرأة لا يظهر إلا رأسها فوق كومة القشدة هي زوجة موظف أجنبي من كبار موظفي الحكومة، ووزعت الملاعق الذهبية على الحاضرين فأخذوا يغترفون القشدة ويأكلون والزوجة الأوروبية تضحك وفجأة صرخ الزوج: كفى، فهي عارية تحت القشدة، ولو واصلتم رفع القشدة فسوف ينكشف عريها.
وأشار الخديو بيديه فتوقف الجميع عن نزع القشدة وحملها الخدم إلى أعلى، إلى غرفة نوم الخديو. حكايا لا تعرف الصادق من الكاذب منها. لكن إسماعيل مثل حفيده فاروق، كان يحب أن يعرف بالفارس ساحر النساء.
وقد دفعته «فروسيته» إلى حرب فاشلة في أثيوبيا لقي الجيش أثناءها هزيمة منكرة وبعد الثروة الطائلة.. التي حققتها البلاد أيام الحرب الأهلية الأميركية توقفت الحرب وعادت أميركا تصدر القطن فكسدت تجارة مصر وتراجعت إيراداتها.
وتلقى وزير خارجية فرنسا تقريرا من قنصله في مصر يتساءل مستنكراً - ومشيراً بطرف خفي إلى سفه إسماعيل -: «ما هو مآل النقود التي دخلت القطر، بتدفق، منذ عدة سنوات؟ الإحصاءات الجمركية تدل على أن جانبا عظيما منها لم يخرج من البلاد فكيف يصح، والحالة هذه، الكلام على متربة البلد وعلى تعذر دفع الديون التي عليه».
هذا نص البرقية التي تلقتها الخارجية الفرنسية كمـا ترجمها المؤرخ إلياس الأيوبي.
اشتد الكرب على الفلاحين الذين كانوا مصدر الضرائب والذين تعين عليهم أن يسددوا ديون الدولة من أقواتهم.
الباشا المجاهد
وأراد إسماعيل باشا أن يكسب رضا الشارع فطرد الوزيرين الأوروبيين اللذين فرضهما الدائنون أعضاء في حكومته وطرد كثيرا من الموظفين الأوروبيين وبدأ يدعو المصريين إلى «الجهاد» ضد الكفار الأجانب.
هذا الرجل الذي جرت الخمور في قصوره أنهارا والذي لم يكتف بالعشيقات من الحرائر فاقتنى لنفسه 450 جارية ووزع على أتباعه 400 جارية أخرى قبل أن يلغي الرقيق.
هذا الذي قضى عمره في صحبة الأوروبيين والذي كان يحتقر الفئات الشعبية أشد الاحتقار ويعاملهم بكل صرامة، فجأة أصبح محبا للشعب وداعيا للجهاد!
وتحرك الأوروبيون فصدر قرار من سلطان تركيا بعزله وتولية ابنه محمد توفيق باشا مكانه.
ووسط العويل والنحيب المتصاعدين من أجنحة الحريم ارتقى إسماعيل باشا درج القصر ليقدم التهنئة لابنه، سيد البلاد الجديد.
قائلا له: مبروك يا أفندينا.
ويرد عليه توفيق بعظمة الفرعون: الله يبارك فيك يا باشا.
أصبح إسماعيل مجرد باشا من باشوات البلاد الكثيرين وأصبح ابنه ولي النعم.
وبعد وفاة إسماعيل كانت الأميرة جويدان مع زوجها عباس باشا الثاني في جنيف عندما رأت أرامله الأربع جالسات معا ينتظرن، بشوق بالغ، امرأة خامسة تدلهت بحب إسماعيل، إنها الإمبراطورة أوجيني التي أقبلت عليهن تشاركهن متعة استعادة ذكرى رجل كن كلهن عاشقات له.
وبعد سنوات يصعب حصرها أقامت الحكومة الجمهورية مزاداً علنياً دولياً لبيع مقتنيات ملك مصر المخلوع فاروق الأول الذي أرسل أوروبيا ليشتري، من المزاد، هدايا أوجيني لجده إسماعيل باشا.
وفاء متبادل وراءه علاقات قوية ومشاعر عميقة يصعب التكهن بها.
الجندي المرتزق: من تجارة التبغ إلى الجنون (الحلقة الأخيرة)
أسامة الغزولي

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy