• ×

01:20 صباحًا , الأحد 5 يوليو 2020

قائمة

الدماغ يختلف بين سكان المدن وسكان الريف

 0  0  1.1K
 الدماغ يختلف بين سكان المدن وسكان الريف

في عام 1819، قال الكاتب البريطاني بيرسي بيشي شيلي في إحدى كتاباته: الجحيم هو مدينة تشبه على نحو كبير مدينة لندن. واليوم، يوافق الأكاديميون المعاصرون شيلي رأيه. ماذا كتبت مجلة The Economist حول الموضوع؟
في العام الماضي، أظهر الباحثون الهولنديون أن سكان المدن معرّضون لخطر الإصابة باضطرابات القلق أكثر بنسبة 21% من سكان الريف الهادئين، ومعرّضون أكثر من سكان الريف بنسبة 39% لخطر الإصابة باضطرابات المزاج. صحيح أن العلماء اكتشفوا هذه الفروقات بين دماغ سكان المدن ودماغ سكان الريف إلا أنهم لم يتوصلوا حتى اليوم إلى معرفة آليات عمل دماغ المدني والريفي التي أسفرت عن هذه التباينات. في دراسة نُشرت أخيراً في مجلة Nature وكتبها الدكتور أندرياس ميير- ليندربرغ من جامعة هيديلبرغ وفريق من زملائه، استخدم الفريق العلمي تقنية مسح تسمّى التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لفحص دماغ سكان المدن وسكان الريف عند تعرّضهم للضغط.
وفي أوّل اختبار أجراه الدكتور ميير- ليندربرغ، طلب من المشاركين الذين كانوا ممدّين على ظهرهم ورأسهم داخل ماسحة، حلّ بعض الاختبارات الرياضية التي ما كانوا سيعرفون حلّها ( ذاك أنه حرص على أن يتراوح معدلّ النجاح ما بين 25 و40%). ولجعل الاختبار أكثر إذلالاً، طلب الفريق من المشاركين وضع سماعات أذن ليستمعوا إلى كمّ من المعلومات المزعجة والسلبية وراح في هذه الأثناء يراقب ظهور علامات التوتّر على المشاركين كارتفاع ضغط الدم مثلاً.
أظهر الاختبار أن صحة سكان المدن العقلية العامة لا تختلف عن صحة أقرانهم الريفيين. إلا أن طريقة تعامل دماغ كلّ من سكان المدينة وسكان الريف مع التوتّر الذي أوجده العلماء قد اختلفت. وقد بدت هذه الاختلافات واضحة في منطقتين: لوزة الدماغ والقشرة الحزامية الأمامية. تضم منطقة لوزة الدماغ مجموعيتن من الخلايا العصبية تقع الأولى في نصف كرة الدماغ الأيسر في حين تقع الثانية في نصف كرة الدماغ الأيمن. وتقع منطقة لوزة الدماغ في مكان عميق من الدماغ وهي المسؤولة عن تقييم المخاطر والتحكّم بمشاعر الخوف. أما القشرة الحزامية الأمامية فتقع في قشرة الدماغ ( الموجودة في النصف الأيمن والأيسر من الدماغ) التي تنظّم عمل لوزتي الدماغ.
أظهرت التجارب أن معدّل النشاط في منطقة لوزة الدماغ في أدنى مستوياته لدى سكان الريف ويرتفع قليلاً لدى سكان القرى، بينما يبلغ أعلى مستوياته لدى سكان المدن. ولم يتفاجأ كثيراً مؤيدو موقف الكاتب شيلي بهذه النتيجة. في ما يتعلّق بالقشرة الحزامية الأمامية، وجد الباحثون أن ما يؤثر في نشاط هذه المنطقة من الدماغ لم يكن مكان إقامة الشخص في الوقت الراهن إنما المكان الذي نشأ وتربى فيه. وعليه، تبيّن أنه كلما كانت طفولة الشخص مدنيّة، أي أنه أمضاها في المدينة، كلما زاد نشاط القشرة الحزامية الأمامية لديه، بصرف النظر عن المكان الذي يقيم فيه خلال خضوعه للاختبار.
بالإضافة إلى ذلك، لاحظ الباحثون أن منطقة لوزة الدماغ كانت تستجيب مع معطيات الشخص الراهنة في حين أن القشرة الحزامية الأمامية ترتكز في نشاطها على معطيات الشخص الماضية ولا تتفاعل بالطريقة اللينة التي تتفاعل بها لوزة الدماغ. في هذا السياق، توقّع العلماء أن يرافق التغييرات السريعة في نشاط القشرة تغيّرٌ في نشاط منطقة لوزة الدماغ نظراً إلى دور القشرة في تنظيم نشاط منطقة لوزة الدماغ. وللتحقق من هذه العلاقات المتبادلة، لجأ الفريق العلمي إلى تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الذي يسمح بقياس مثل هذه العلاقات المتبادلة.
في حالة الأشخاص الذين نشأوا في الريف والذين لا يهم في أي مكان يعيشون اليوم، كانت العلاقات المتبادلة بين نشاط منطقة القشرة ومنطقة لوزة الدماغ متطابقة مع توقعات الباحثين. أما في حالة الأشخاص الذين نشأوا في المدن، فكانت العلاقات القائمة بين المنطقتين المذكورتين مغايرة تماماً لتوقّعات الباحثين. إذ تبيّن أن الآلية التنظيمية لدى الأشخاص المدُنيين الأصليين تختلف عنها لدى الأشخاص الذي ترعرعوا في الأرياف، ما جاء ليؤكد مجدداً وجهة نظر شيلي. بالإضافة إلى ذلك، من المعروف أن العلاقة القائمة بين نشاط القشرة الأمامية ونشاط لوزة الدماغ غالباً ما يشوبها الخلل لدى الأشخاص المصابين بمرض فصام الشخصية الذي يصيب سكان المدن أكثر منه سكان الريف. في هذا الإطار، حرص الدكتور ميير-ليندربرغ على ألا يدعي أن نتائجه تفسّر سبب هذا الترابط بين نشاط منطقتي الدماغ المذكورتين، علماً أنها قد تكون تفسّر فعلاً سبب ذلك.
وعليه، أجرى الدكتور ميير-ليندربرغ وفريقه مجموعة من التجارب اللاحقة للتحقّق من النتائج التي توصلوا إليها. وفيها، طلبوا من المشاركين حلّ عدد أكبر من المسائل الرياضية- إضافة إلى اختبارات يتخيّلون فيها عقلياً غرضاً يدور حول نفسه- وراح العلماء في أثناء هذه التجارب يراقبون أداءهم. وقد وجدوا أن النتائج كانت متطابقة مع نتائج الاختبار الأول. إضافة إلى ذلك، درسوا أداء مجموعة أخرى من المتطوّعين الذين أُوكل إليهم أداء مهمات لا تنطوي على أي توتر أو ضغط نفسي. وقد أظهرت النتائج أن أداء تلك المهمات لم يسجّل أي نشاط في منطقة لوزة الدماغ أو في منطقة القشرة الحزامية الأمامية، ما افترض أن النتائج السابقة نتجت بالفعل من الضغط الاجتماعي وليس من الإجهاد العقلي.
وكما هي الحال عادةً في مثل هذا النوع من الدارسات، كانت عينة الأشخاص التي أجريت عليها التجارب صغيرة ( وبالتالي قد لا تكون نتائجها أكيدة بالقدر الكافي)، كذلك أظهرت النتيجة علاقة ترابط أكثر منه علاقة سببية أكيدة. ومع ذلك، تعدّ علاقة الترابط التي تم التوصل إليها مثيرة للاهتمام.
صحيح أن للعيش في المدينة فوائد كثيرة، إلا أن عمل الدكتور ميير- ليندربرغ يفترض أن الكاتب شيلي وكتّاب عصره الرومنطقيين كانوا محقين نوعاً ما في وجهة نظرهم.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy