• ×

02:23 مساءً , الأربعاء 25 نوفمبر 2020

قائمة

لا تحلم بالفضاء الخارجي فقد أصبح من الماضي!

 0  0  646
 ما مقدار حجم كوكب الأرض؟ إذا ما نظرت في أي موسوعة علمية وجدت الإجابة التالية: الأرض كوكب يبلغ قطره الاستوائي 12.756 كلم أي ما يعادل 7،926 أميال لمن يفضّلون وحدة القياس هذه. حسناً، لكن هناك الغلاف الجوي. ألا يجب احتسابه هو أيضاً؟ لعلّ قطر الأرض الحقيقي يقارب الـ 13000 كلم بما فيه الغلاف الجوي المحيط بها. لكن حتى هذا الرقم قد لا يكون دقيقاً بعد اليوم. ذلك أن الأرض تتوسّع اليوم وتزداد حجماً. فالخلاء المحيط بها يعجّ بالأقمار الاصطناعية التي تشكّل ما يشبه غلافاً تقنياً يقع بعد الغلاف الجوي. ويدور معظم هذه الأقمار على بعد بضع مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض الصلب. إلا أن أقماراً كثيرة تشكّل حلقة مثل حلقة كوكب زحل الذي يبعد عن الأرض مسافة 36000 كلم، أي أنها توجد في المنطقة التي يستطيع فيها أي غرض القيام بدورة كاملة حول الأرض في غضون 24 ساعة ويستمرّ بعد ذلك في الدوران حول النقطة ذاتها من الكرة الأرضية.

يتبيّن لنا أن حجم الأرض يفوق بكثير حجمها المذكور في الكتب والموسوعات التقليدية. وبناء على كل ما ذُكر سابقاً، توضح مجلة {الإيكونوميست} أن العصر الفضائي قد حقق نجاحاً باهراً. إذ ساهم في تطوير كلّ من الاتصالات السلكية واللاسلكية، ومجال دراسة الأرصاد الجوية، والحقل الزراعي، وعلم الحراجة ومجال التنقيب عن المعادن المختلفة. تماماً كما ساهم في تطوير الحروب فلم تعد اليوم أي قوة في العالم قادرة على تعبئة قواتها المسلّحة في السرّ. بل أصبح ممكناً بشكل دقيق تحديد موقع كل مبنى موجود على وجه الكرة الأرضية، وبإمكان أنظمة تحديد المواقع العالمية التي يرتكز عملها على الأقمار الاصطناعية توجيه قنبلة ذكية إلى الوجهة المطلوبة.
مع ذلك، لم يكن هذا ما أراده {محبّو الفضاء} المتحمّسون للعصر الفضائي أن يكون عليه، علماً أنهم هم من طبعوا هذا العصر بهذه الإنجازات والاستكشافات. وصحيح أن كثراً من المهندسين على غرار ويرنير فون برون الذي بنى الصواريخ التي استُعملت في مشروع {في 2} الألماني أيام الحرب العالمية الثانية وفي مشروع أبولو الأميركي أيام الحرب الباردة، قد باعوا ضميرهم لصالح المؤسسة العسكرية بغية تحقيق حلم السفر إلى الفضاء بالوسائل الوحيدة المتاحة آنذاك، إلا أنه كانت في المقابل أنظار معظم المهندسين الآخرين منصبّة على هدف أسمى وأكبر. فكتاب {أولى الرحلات إلى المدار الأرضي الاستقراري} لم يُحدث الوقع نفسه الذي أحدثه كتاب {أولى الرحلات إلى القمر} الذي كتبه فون برون في عام 1958. لقد راح هذا الكتاب يروّج في فترة الخمسينيات والستينيات، أي في الفترة التي بدأ فيها إطلاق الصواريخ إلى الفضاء، لروح المغامرة ولحب الاستكشاف. وعليه، راحت موضوعات الاستكشاف الفضائي ووقائع المشروع الفضائي الأميركي ونظيره السوفياتي تجذب الناس بشكل متواصل حتى تُرجمت بأفلام ومسلسلات الخيال العلمي على غرار {ستار تريك} و{2001: الفضاء الأوديسي}. صحيح أنه آنذاك كانت ثمة كواكب أخرى كثيرة لم تُستكشف بعد والتي لم يعرف إن كانت مسكونة أولاً من مخلوقات فضائية، لكن هذه الكواكب وسائر النجوم الأخرى كانت في بال المستكشفين الذين كانوا ينتظرون الفرصة المؤاتية للغوص في خباياها. لكن أن يبدأ استكشاف هذه الكواكب والنجوم خلال حياة الأشخاص الذين كانوا على قيد الحياة آنذاك، كان أمراً مشكوكاً في إمكان حصوله إلى حدّ كبير.
لكن اليوم، لم يعد الأمر كذلك. بل أصبح من الممكن تصوّر أن مسافة 36000 كلم سترسم نهاية الطموح البشري. كذلك من الممكن تصوُّر أن حلم الإنسان بالسفر إلى الفضاء الذي تحوّل إلى حقيقة قد يصبح مجدداً مجرّد حلم. من المحتمل أن يكون عصر الفضاء قد شارف على الانتهاء.

وداعاً لأفلام الخيال العلمي

حتماً سيعارض محبو الفضاء المعاصرون هذا الادعاء بشدة. وسيشيرون في حججهم، خصوصاً، إلى المشاريع الفردية التي قام بها أشخاص على غرار الأميركي إيلون ماسك والبريطاني سير ريتشارد برانسون اللذين يأملان في تحويل الرحلات إلى الفضاء إلى قطاع تجاري نشيط. وفعلاً، قد تساهم مبادرات مثل هؤلاء الأشخاص في تحقيق هذا الهدف. لكن في المقابل، يبدو السوق صغيراً وضعيفاً. فمن جهة، تعدّ السياحة الفضائية قطاعاً خدماتياً فاخراً ومكلفاً يبدو أنه لن يتخطى في أي حال من الأحوال مدار الأرض المنخفض (فارتفاع كلفة الوصول إلى مسافات أبعد من مدار الأرض المنخفص كالوصول إلى القمر مثلاً سيقلّل عدد الزبائن المحتملين ليصبحوا حفنة صغيرة). من جهة أخرى، تكلّف عمليات نقل رواد الفضاء إلى محطة الفضاء الدولية الغارقة في الظلام الدامس، مبالغ مالية طائلة تقدر بـ100 بليون دولار والتي من المتوقّع أن تتخطى هذا الرقم. وتعد هذه المبالغ حتماً أكبر مضيعة للمال وأكبر مبالغ تمّ صرفها تحت شعار العلم.
السبب الكامن وراء هذا الهدف الثاني هو السبب عينه الذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الـ2011 قد يدرّس في كتب تاريخ المستقبل على أنه العام الذي انطفأ فيه أخيراً حلم محبي الفضاء. قد يسجل هذا العام نهاية برنامج المكوك الفضائي الأميركي الذي أطلق مهمّته الأخيرة في 8 يوليو (تموز) الجاري. مع الإشارة الى أنه تسبّب سابقاً بمقتل طاقمه لمرّتين. بالتالي، لو تم النظر إليه على أنه وسيلة النقل التجريبية التي هو عليها اليوم، لما كان مدعاة للقلق مع الإشارة إلى أن رحلات المكوك كانت تتسبّب دوماً بمقتل الطيارين التجريبيين. لكن في كل مرّة، كان يدّعي القيّمون على البرنامج أن المكوك الفضائي مجرّد طائرة عادية. وفي هذا الإطار، يعبّر مصطلح {نظام النقل الفضائي} الذي تستخدمه وكالة الناسا الفضائية عن واقع الحال أبلغ التعبير.
لكن اليوم، لم يعد يستعان بالمكوكات الفضائية في المجال الفضائي. ومن المتوقع أن تُنزع وكالة الفضاء الدولية من مدار الأرض، وإن كان في هذا التعبير بعض الفظاظة، في عام 2020. وعندما سيتمّ ذلك، سيُرفع النقاب عن أسرار النشاط الفضائي كافة. واليوم، لم تعد ثمة رغبة في العودة إلى القمر ولا حتى رغبة في اكتشاف كوكب المريخ الذي قد يعدّ نجم الاكتشافات الفضائية نظراً إلى غناه وإلى احتمال وجود حياة عليه. فصحيح أن التكنولوجيا قد تطوّرت اليوم، إلا أن الشغف باستكشاف الفضاء قد خمد- أقله لدى القوتين الرائدتين تقليدياً في مجال البحوث الفضائية، الولايات المتحدة وروسيا.
على صعيد آخر، يأمل محبو الفضاء في أن تخلف الصين كلاً من الولايات المتحدة وروسيا في مجال استكشاف الفضاء. وحتماً، تزعم الصين أنها ترغب تماماً كالرئيس جون كينيدي منذ 50 عاماً، في إرسال أشخاص إلى سطح القمر وإعادتهم سالمين إلى كوكب الأرض. لكنها لا تعرف حتى الآن التاريخ المحدد لقيامها بذلك. والملاحظ أنه لا تتوافر في تصريحات الصين الحماسة والدقة اللتان اتسم بهما خطاب الرئيس كينيدي الذي كان أعلن فيه بكل دقة وحزم أن الرحلات إلى الفضاء ستتم {بحلول نهاية العقد}. وحتى لو نجحت الصين في تحقيق الإنجاز الأميركي الصعب المنال، ستظل تواجه السؤال التالي: {ما هي الخطوة التالية؟}. وكردّ قد تقول الحكومة الصينية كما قالت حكومة نيكسون في عام 1972، إن {المهمّة أنجزت}، فتكتفي بهذا القدر وتتخلّى عن المشروع.

لا دولارات

لحسن الحظ، ستستمرّ عمليات الاستكشاف الآلي للمنظومة الشمسية. لكن حتى في هذا المجال، لا يتوافر الكثير لاكتشافه. إذ حتى اليوم، تمّت زيارة كل كوكب من كواكب المنظومة الشمسية، كذلك جرى الهبوط على كل كوكب له سطح قاس يشبه سطح عطارد. فضلاً عن ذلك، استطاع الإنسان التقاط صور الكويكبات السيّارة والأقمار والمذنّبات كافة. وما لم يتبيّن وجود حياة على سطح المرّيخ أو سطح أي مكان غير متوقع، يبدو أن اهتمام الجمهور بمسائل الفضاء سيضمحّل ويتلاشى. وفي النهاية، الجمهور هو المموّل الأساسي لهذه العمليات كافة.
يبدو أن المستقبل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجال الأرض الخارجي الجديد الذي يعرف بالمدار الأرضي الاستقراري. وفي داخل هذا المدار، ستستمر الحركة في النمو وفي تعبئة الفراغ. وفي السنوات اللاحقة، سيؤهل البشر هذا الجزء من الفضاء تماماً كما روّضت المخلوقات الحية في الماضي عدداً كبيراً من الكائنات البرية والوحشية. أما في خارج هذا المدار، فسيظل الفراغ فارغاً. إلا أن الإنسان قد يعمد إلى غزو هذا الفراغ بين الحين والآخر كما كان يترك بعض المستكشفين أحياناً قواعد بحوثهم المكتظة والواقعة في قارة القطب الجنوبي لمجرد الدوس على طبقة الجليد، ثم يعودون إلى قواعدهم الدافئة حيث الطعام والأصدقاء.
ختاماً، يمكن القول إن حلم البشر بوجود مستقبل خارج ذلك الحد الفاصل الأخير، قد تلاشى إلى حد كبير.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy