• ×

07:49 مساءً , الجمعة 27 نوفمبر 2020

قائمة

الزراعة العموديّة هل تُطعم الجياع حول العالم؟

 0  0  1.1K
 يعتقد الباحثون في مجال الزراعة بأن إقامة المزارع داخل أبنية وسط المدن قد تساهم في حلّ مشكلة المجاعة في العالم. ويذكر الخبراء أن بإمكان الزراعة العمودية إطعام نحو 10 مليارات نسمة، فضلاً عن الحدّ من اعتماد الزراعة على الطقس والحاجة إلى الأراضي. لكن ثمة عقبة واحدة: تستلزم المزارع المدنية كمية كبيرة من الطاقة. في هذا الخصوص نشرت {شبيغل} المقال التالي:

قد يجد تشوي كيو هونغ نفسه ذات يوم في حديقة خضار في الطابق الخامس والستين في إحدى ناطحات السحاب. لكن حلمه بقطف الخضار على ارتفاع 200 متر لم يبصر النور حتى اليوم إلا من خلال مئات التصاميم الهندسية.
لا يزال عالم الزراعة هذا في الواقع بعيداً كل البعد عن ارتفاعات مماثلة. يعمل شوي في مبنى باهت مؤلف من ثلاثة طوابق في مدينة سوان في كوريا الجنوبية. لا يتميز هذا المبنى الصغير عن غيره من الأبنية إلا بألواح الطاقة الشمسية التي تغطي سطحه وتؤمن الطاقة لنموذج عن مزرعة يعمل عليه شوي. وإذا أصاب هو وزملاؤه النجاح، فقد تبدّل جهودهم مستقبل الزراعة المدنية والطريق التي يحصل بها العالم على طعامه.
إذا تأملت المبنى من الخارج، تُلاحظ أن هذه المزرعة العمودية مختلفة تماماً عن الأبنية الفخمة العالية المحيطة بها. لكن في داخلها، ترى حبات من الملفوف تغطي مساحة 450 متراً مربعاً وتحظى بعناية بالغة. فتُضبط معدلات الضوء والحرارة بدقة بالغة. في تلك الأثناء، كان نحو 20 مليون نسمة يتنقلون بنشاط بين ناطحات السحاب والأبنية السكنية في المدينة، مواصلين حياتهم بشكل طبيعي.
يخضع كل شخص تطأ قدماه مزرعة سوان العمودية إلى {حمام هواء} بغية منع الجراثيم والبكتيريا من التأثير على هذه التجربة العلمية. لكن بخلاف هذا الإجراء الغريب، يشبه هذا المركز الزراعي الداخلي مزرعة ريفية تقليدية. إلا أنه يتميّز بخصائص تكنولوجية (فضلاً عن الإضاءة الوردية الساطعة) تذكّر الزائر بأنه في مزرعة عادية. لكن الهواء الرطب بما يحمله من عبق الأزهار النضرة يعيد إلى الذاكرة جو الدفيئة (البيوت البلاستيكية).
تصطف حبات الملفوف في طبقات، في السفلية منها نرى بذوراً صغيرة بدأت تنبت. أما في العلوية، فباتت هذه الحبات ناضجة واقترب موعد قطافها. وبخلاف الدفيئات التقليدية، لا تستخدم مزرعة سوان أي مبيدات للآفات بين مرحلتي الزراعة والحصاد. كذلك، تعيد تدوير كل الماء الذي تستعمله. نتيجة لذلك، تُعتبر هذه المنشأة عضوية بالكامل، فضلاً عن أن إنتاجيتها تفوق ما تقدّمه الدفيئة التقليدية.
يتحقّق شوي بدقة من حرارة الغرفة. ثم يتفقد طول موجات أضواء LED (صمام ثنائي مشع للضوء) الحمراء والبيضاء والزرقاء المسلّطة على النباتات الطرية. ففي هذه التجربة الزراعية الفتية، لا تُترك الظروف المخبرية مطلقاً للصدف. والهدف منها تطوير أساليب الزراعة الفضلى، أساليب تتحلى بقدرة عالية على المنافسة في السوق المفتوحة. ولا شك في أن كوريا الجنوبية تسعى الى إدخال الزراعة العمودية إلى السوق الحرة.

9 مليارات نسمة بحلول 2050

الزراعة العمودية فكرة قديمة. فطالما اعتمد السكان الأصليون في أميركيا الجنوبية تقنيات زراعة عمودية متعددة الطبقات. كذلك، تتبع مصاطب الرز في شرق آسيا مبدأ مماثلاً. لكن نظراً إلى النمو السريع في عدد سكان العالم وموارده التي تتقلّص باستمرار، تبدو هذه التقنية اليوم أكثر جاذبية.
ساهمت الثورة الخضراء في أواخر خمسينيات القرن العشرين في تعزيز الإنتاجية الزراعية بنسبة كبيرة، ما أتاح النمو السكاني الكبير الذي ما زلنا نلحظه اليوم. فمنذ عام 1950، ازداد عدد سكان العالم ثلاثة أضعاف تقريباً، مرتفعاً من 2.4 مليار إلى 7 مليارات. وقد قابل هذا النمو في عدد السكان نمو مماثل في إنتاج الطعام.
نجح القطاع الزراعي حتى اليوم في مجاراة هذا التطوّر، وإلا لكانت استقرت أعداد السكان المتنامية منذ زمن. بيد أن العلماء يحذرون من أن للإنتاجية الزراعية حدوداً. بالإضافة إلى ذلك، أصبح جزء كبير من الأراضي الزراعية مستنفداً أو غير صالح للاستعمال. على نحو مماثل، ما من إمداد لا ينضب من الأراضي التي يمكن تحويلها للاستخدام الزراعي.
بحلول عام 2050، تتوقع الأمم المتحدة أن يتخطى عدد سكان العالم التسعة مليارات نسمة. ونظراً إلى معدلات الإنتاجية الزراعية الراهنة، يرى مشروع المزرعة العمودية (Vertical Farm Project) أن إطعام هذا العدد الكبير من الناس يتطلّب مساحة زراعية تعادل نصف مساحة أميركا الجنوبية تقريباً.
قد تكون الزراعة العمودية قادرة على حل هذه المشكلة. ابتكر عالم الجيولوجيا الأميركي، غيلبرت إليس بايلي، مصطلح {الزراعة العمودية} عام 1915. ومنذ ذلك الحين، تأمل المهندسون والعلماء هذه الفكرة مراراً، وخصوصاً نحو نهاية القرن العشرين. عام 1999، درس هذه الفكرة ديكسون ديسبومير، بروفسور فخري متخصص في علوم الصحة البيئية والأحياء الدقيقة في جامعة كولومبيا في نيويورك، بمساعدة طلابه. فبعد أن سئموا من محاضراته المتشائمة عن حال العالم، تظاهر طلابه أخيراً وسألوا ديسبومير ليعمل معهم على مشروع أكثر تفاؤلاً.
انطلاقاً من فكرة {زراعة السطوح} الأولى (زراعة النباتات على سطوح المنازل)، طوّر الطلاب مفهوماً خاصاً بالأبنية الشاهقة. فقد تبيّن للطلاب أن زراعة الرز على الأسطح قد تتمكن من تأمين الطعام لما لا يقل عن 2% من سكان مانهاتن. ثم تساءل ديسبومير: {إن كنا نعجز عن استخدام سطوح الأبنية، فلمَ لا نزرع داخلها؟ فنحن نعرف السبل الفضلى لزراعة النباتات وريّها في الداخل}.
ونظراً إلى كثرة الأبنية الشاهقة غير المأهولة في مانهاتن، بدت الموقع المثالي لتطوير هذه الفكرة. فقد اكتشف طلاب ديسبومير، وفق حساباتهم، أن مزرعة عمودية واحدة تتألف من 30 طابقاً يمكن أن تطعم نحو 50 ألف شخص. وتكفي نظرياً 160 مزرعة مماثلة لتأمين الطعام لكامل سكان نيويورك طيلة أيام السنة، متفادين في الوقت عينه موجات البرد والجفاف.

مشكلة الطاقة

على رغم هذه الحسابات الواعدة، ما زال المزارع داخل الأبنية الشاهقة محصوراً ضمن إطار نماذج محدودة. ولا يتوقع النقاد أن يتبدّل هذا الوضع في المستقبل القريب. يعتبر الباحث الزراعي ستان كوكس من {معهد الأرض} في كنساس المزارع العمودية مشروعاً لطلاب هندسة شبان حالمين أكثر منه حلاً عملياً لنقص محتمل في إمداد الطعام العالمي.
تتمحور المشكلة الرئيسة حول الضوء، وخصوصاً ضرورة استبدال ضوء الشمس بمصابيح LED. فإذا أردنا، وفق حسابات كوكس، استبدال كل زراعة القمح في الولايات المتحدة طوال سنة بالاعتماد على الزراعة العمودية، فسنحتاج إلى كمية من الطاقة تفوق ما تنتجه كل محطات الكهرباء في الولايات المتحدة طوال سنة بثمانية أضعاف، وهذا لتأمين الإنارة فحسب.
وتزداد هذه المسألة صعوبة، إن كنا ننوي الاعتماد حصرياً على مصادر طاقة متجددة لتأمين هذه الكمية من الكهرباء، حسبما يأمل ديسبومير. ففي الوقت الراهن، لا تؤمن مصادر الطاقة المتجددة سوى 2% من الطاقة الضرورية في الولايات المتحدة. نتيجة لذلك، سيكون من اللازم توسيع هذا القطاع ليصبح أكبر مما هو عليه اليوم بنحو 400 ضعف، إذا رغبنا في تأمين ما يكفي من الطاقة لإنارة مزارع القمح الداخلية طوال سنة كاملة. يبدو أن هذه الفكرة استحوذت على ديسبومير، على حد قول كوكس، من دون أن يفكر في المشاكل التي ستصطدم بها محاولة تطبيقها الفعلية.

الاقتراب من الواقع

على رغم ذلك، لا يزال ديسبومير متمسكاً برؤيته للزراعة المدنية. وربما يشكّل بعض المشاريع الحديثة، مثل تلك المزرعة في كوريا الجنوبية، دليلاً على أن حلمه قد لا يكون بعيداً بقدر ما يظن منتقدوه. فقبل عشر سنوات، كانت الزراعة العمودية مجرد فكرة. أما اليوم، فقد تحوّلت إلى نموذج ملموس. وقبل سنتين، ابتكر العلماء أول نماذج هذا النوع من الزراعة.
يبدو أن هذا المفهوم يحقق النجاح، وإن على نطاق محدود. ففي هولندا، نزلت باكورة مزرعة عمودية إلى الأسواق. تزرع PlantLab، شركة عمرها عشر سنوات تقع في الطابق الثالث تحت الأرض في مدينة دن بوش الجنوبية، محاصيل متنوّعة، من نباتات الزينة والورود إلى أي نوع خضار أو فاكهة قد يخطر على بالنا، مثل الفراولة والفاصولياء والخيار والذرة. يخبر غيرتيان مويوس: {لا نستخدم نور الشمس مطلقاً. على رغم ذلك، تمكنا من إنتاج محصول يفوق ما تنتجه دفيئة تقليدية بثلاثة أضعاف}. فضلاً عن ذلك، تحتاج PlantLab إلى كمية مياه أقل بنحو 90%.
وبما أن هولندا دولة تفتقر إلى الأراضي، إلا أنها تملك كل التقنيات الضرورية، تبدو المكان الأمثل لتطوير الزراعة العمودية، خصوصاً أن طلب مواطنيها على الأطعمة العضوية الخالية من مضادة الآفات بدأ يزداد، وهم مستعدون لدفع ثمنها.

ثورة زراعيّة تالية

يعتقد ديسبومير أن بلداناً بأكملها ستتمكن قريباً من الاستفادة من الزراعة العمودية لإطعام شعبها. على سبيل المثال، تبدو الحكومة الكورية الجنوبية مستعدة لاختبار هذا الاحتمال. ففي الوقت الحاضر، يُضطر هذا البلد إلى استيراد جزء كبير من طعامه. فقد صنّف تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لعام 2005 كوريا الجنوبية في المرتبة الخامسة ما قبل الأخيرة في مجال الأمن الغذائي. ويمكن لتزايد أسعار الطعام والتغيّر المناخي واحتمال حدوث كوارث طبيعية أن يُفاقم هذه المشكلة.
ولا تغيب هذه الوقائع عن بال الباحثين في مختبر الزراعة العمودية في سوان. لذلك، يقول شوي: {علينا أن نكون مستعدين لتفادي أي كارثة}.
على رغم ذلك، لن تعتمد الزراعة العمودية على نطاق تجاري في كوريا الجنوبية في المستقبل القريب. يعتقد زميل شوي، لي هاي جين، بأن ثمة حاجة إلى خمس سنوات إضافية من الأبحاث {عندئذٍ تصبح الزراعة العمودية مستعدة لتغزو السوق الحرة}.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy