• ×

05:44 مساءً , الجمعة 4 ديسمبر 2020

قائمة

المجاعة في شرق إفريقيا كارثة باتت واقعاً

 0  0  803
 إحذر عمال الإغاثة منذ زمن من مجاعة وشيكة في شرق أفريقيا. واليوم، باتت هذه الكارثة واقعاً. فهم يناضلون لإطعام ملايين ضحايا ما يسمى أسوأ جفاف منذ عام 1950، ومن المحتمل أن يزداد الوضع سوءاً، {شبيغل} ألقت الضوء على هذه الكارثة المقبلة.

كانت ياتولو وعائلتها يأملون منذ زمن في أن يبدأ المطر بالهطول. ولكن عندما نفقت آخر حيواناتهم، استسلمت باتولو محمود وقررت هي وعائلتها الارتحال. طوال أربعة أيام وأربع ليالٍ، سارت باتولو جنوباً مع زوجها وأولادها الخمسة، عابرين سهول الصومال القاحلة. ما كانوا يملكون ما يأكلونه، ولم يتوافر لهم سوى قليل من الماء.
تمكنوا في النهاية من عبور الحدود إلى كينيا والوصول إلى دادآب، أكبر مخيم للاجئين في العالم. كان التعب قد أخذ منهم كل مأخذ، فتكوّروا تحت خيمة وراحوا ينتظرون أن تسجّل المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أسماءهم. تخبر باتولو: {كنا نملك مئة رأس من الماعز وسبعة جمال}. أما اليوم، فباتوا فقراء معدمين. كانت أمبيا، ابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات، تغطّ في النوم على التراب الخشن، وقد تجمّع الذباب على شفتيها. فما عاد والداها يتحلّيان بالقوة ليبعداه عنها.
تُعتبر باتولو وعائلتها محظوظين مقارنة بالآخرين. فيصل كثر إلى المخيم بعد أسابيع من المشي وقد نحلت أجسامهم وغارت أعينهم. فتخال في حالات كثيرة أن الجلد وحده يحول دون تفكّك عظامهم. حتى أن عدداً منهم يموت على الطريق قبل بلوغ المخيم.
أقامت الأمم المتحدة مخيّم دادآب قبل 20 سنة لإيواء نحو 900 ألف لاجئ قادمين من الصومال. ويضمّ هذا المخيم اليوم نحو 380 ألف صومالي يعيشون في خيم بالية موزّعة بين جنبات السافانا. يصل إلى هذا المخيم يومياً نحو ألف لاجئ. فيقفون في الصف للحصول على الماء، ويدفنون موتاهم تحت أكوام من التراب عند أطراف المخيم. ويبدو عدد من هذه الأكوام حديث العهد.

ليست سوى البداية

تلهب أشعة الشمس الحارقة شرق أفريقيا. لم يحمل موسمَا المطر الأخيران أي متساقطات، ما أدى إلى أسوأ جفاف شهدته المنطقة منذ عام 1950، حسبما يؤكد البعض. ومع الجفاف تأتي المجاعة. ففي الصومال وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي وأوغندا، يعاني الناس مشقّة لم يسبق لها مثيل. وتقدّر الأمم المتحدة أن نحو 12 مليون نسمة يواجهون اليوم المجاعة. وهذه ليست سوى البداية على الأرجح.
ثمة دلالات كثيرة على أن الوضع سيزداد سوءاً في الأسابيع المقبلة. فقد اعتبرت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدداً كبيراً من مناطق شرق أفريقيا يعاني {حالة طارئة}. وقبل أيام، أعلنت المفوضية انتشار المجاعة في منطقتين من جنوب الصومال. وأكدت أن هذه المجاعة ستنتشر ما لم يتوافر عدد كافٍ من الواهبين لمساعدة المحتاجين. يذكر مارك بودين، منسّق الأعمال الإنسانية في الصومال: {إن لم نهبّ للمساعدة فوراً، فستضرب المجاعة كل المناطق الثماني في جنوب الصومال في غضون شهرين}.
كانت هذه الكارثة تلوح في الأفق منذ زمن بعيد. فطوال أشهر، ظلّ الخبراء يحذرون من مجاعة وشيكة. ولا شك في أن أسبابها واضحة. كذلك، أدرك هؤلاء أن الكارثة الحالية لن تكون الأخيرة. فنتيجة التغيرات المناخية، كثرت السنوات التي يغيب فيها موسم المطر عن هذه المنطقة. وما يزيد الطين بلة أن عدد السكان في البلدان التي حلت بها الكارثة اليوم ارتفع بنحو أربعة أضعاف خلال العقود الأخيرة ليصبح 167 مليوناً بعد أن كان 41 مليوناً. علاوة على ذلك، تحاول منظمات الإغاثة تخصيص أموالها للحالات الطارئة، فلا يتبقى سوى القليل لحفر الآبار وشراء الأسمدة والبذور وتنظيم الجهود لتعليم المزارعين السبل الفضلى للاستفادة كاملاً من أراضيهم (وهذه التدابير كافة من شأنها أن تؤخّر الكارثة المقبلة).
كانت وطأة الكارثة قوية في الصومال على وجه الخصوص لأن الإسلاميين من ميليشيا {الشباب}، التي تناضل ضد حكومة البلاد، طردت معظم منظمات الغوث. كذلك، هرب مئات آلاف الصوماليين بسبب أعمال العنف، ما زاد صعوبة الوضع في مخيمات اللاجئين المحيطة بالصومال.

رصاص طائش

تذكر ماري هونجو: {لا خيار أمام الشعب، حتى أنهم يهربون إلى مقديشو}. ترأس هونجو، اليابانية المولد، مكتب برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في العاصمة الصومالية. لكن الأوضاع في هذه المدينة مذرية. فقد تحوّلت منذ سنوات إلى ساحة قتال بين محاربي {الشباب} وجنود الحكومة.
يقع مقر فريق هونجو في المطار. ويتألف هذا الفريق من 19 أجنبياً تحرسهم وحدة صغيرة من قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. وعلى رغم التدابير الأمنية كافة، لا يُعتبر مقرّهم آمناً. فغالباً ما تسمع الرصاص الطائش يئز في المخيم، فضلاً عن أن الانفجارات القريبة تبقي عمال الإغاثة متيقّظين وحذرين.
قلما يغادر هؤلاء العمال مخيّمهم، إذ لا يتردّد إسلاميو {الشباب} في اتخاذ الأجانب رهائن في حال تسنى لهم ذلك. أما إذا لم يتمكنوا من الاقتراب منهم لاختطافهم، فيطلقون عليهم النار. نتيجة لذلك، يعتمد عمال الإغاثة على فريق من 145 صومالياً لإنجاز الأعمال الميدانية.
على رغم هذه الصعاب كافة، تمكّن برنامج الأغذية العالمي من إعادة بناء الميناء في السنوات الأخيرة. وهكذا، صارت السفن الحربية التابعة لمهمة مكافحة القرصنة الخاصة بالاتحاد الأوروبي، أتلانتا، تقود سفن الشحن المحمّلة بالمساعدات عبر المياه التي تعجّ بالقراصنة وتوصلها آمنة إلى الميناء. وتشكّل هذه إحدى مسؤوليات مكتب هونجو الرئيسة. تقول: {لا شك في أن العمل هنا بالغ الصعوبة}.
يحاول برنامج الأغذية العالمي راهناً إطعام 1.5 مليون شخص، معظمهم في مقديشو. ويعود ذلك إلى أن مدفعية الاتحاد الأفريقي لا تستطيع تأمين طريق آمن لعمال الإغاثة إلا في العاصمة. لكن في عام 2010، انسحب برنامج الأغذية العالمي بالكامل من المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو {الشباب}، خصوصاً بعدما تعرّض الموظفون للقتل والخطف، سُرقت المساعدات، وفُرضت الإتاوات على العمال. هكذا، نجحت ميليشيا {الشباب} في طرد {عملاء غير المؤمنين} من مناطق نفوذها.

{سأم الواهبين}

بعد أن شعرت هذه الميليشيا بوطأة الجفاف، أعلنت أنها ترحب مجدداً بالمنظمات الإنسانية. تخبر هونجو: {أعتقد أنهم هم أيضاً يعانون حالة حرجة}. إلا أنها ما زالت لا تثق بهم. وتوضح السبب: {تتألف ميليشيات الشباب من فصائل عدة. ولا تتشاطر جميعها الموقف عينه. نحتاج إلى ضمانات. علينا أن ننتظر لنرى ما يخبئه المستقبل}.
ثمة مشكلة كبرى أخرى تفاقم الوضع الراهن، وتُعرف هذه الظاهرة في أوساط الأعمال الإنسانية بـ}سأم الواهبين}. فقد تعب الناس حول العالم من إرسال المال إلى أفريقيا، حيث يبدو أن الوضع لا يشهد أي تبدّل. ففي السنة الماضية وحدها، طلب برنامج الأغذية العالمي من الدول الغنية 500 مليون دولار لمحاربة المجاعة في القرن الأفريقي. ولم يتمكّن من جمع نصف هذا المبلغ، على رغم أن العلماء العاملين في نظام الإنذار المبكر الخاص بالمجاعة (مقره في الولايات المتحدة) يحذرون منذ زمن من أن المحاصيل ستموت أولاً ومن ثم الحيوانات وبعدها الناس، إن لم يبدأ المطر بالهطول.
ها هو ثاني موسم المطر على التوالي ينتهي من دون قطرة ماء. ومن المتوقع أن يبدأ الموسم التالي في الخريف. ولكن حتى لو انهمر المطر حينذاك، يحتاج المزارعون والبدو إلى أشهر قبل أن يتمكنوا من ملء السوق بالحبوب واللحوم. توضح دافني ويشام، محللة تُعنى بشؤون المناخ في معهد دراسات السياسة في العاصمة واشنطن: {تكشف لنا النماذج الإلكترونية أن هذا الجزء من القارة يعاني أحوالاً أشد صعوبة مقارنة بالمناطق الأخرى}. ومن المتوقع، وفق ويشام، أن تعاني هذه المنطقة فترات إضافية من الجفاف الشديد في السنوات المقبلة.
وما يزيد الطين بلة ارتفاع أسعار الطعام حول العالم، ما يعرّض المنظمات الإنسانية والناس أنفسهم لضغوط إضافية. على سبيل المثال، ارتفع ثمن الدخن الأحمر (نوع من الحبوب يحتل مكانة مهمة في نظام الغذاء الصومالي) بنحو 240% السنة الماضية. لذلك، لا يستطيع كثيرون شراءه.
يؤكد ويلي داهنن، خبير تنمية ألماني، أن من الضروري أن يتدخّل الناس حول العالم لإنقاذ مَن يعانون المجاعة. يتّخذ داهنن من نيروبي مقراً له. وقد عمل طوال العقد الماضي مع منظمة {بيطريون بلا حدود} على مراقبة المصاعب التي يواجهها شرق أفريقيا، خصوصاً معاناة البدو وقطعانهم.
يخبر داهنن: {ارتفع عدد السكان كثيراً، وتراجع الإنتاج على نحو كبير. كذلك، يشهد المناخ تبدلات جذرية، وقد استولى البدو على أراضٍ كثيرة كانت تُستخدم في الزراعة}. ويؤكد داهنن أن الأرض ما عادت قادرة على إطعام البشر.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy