• ×

05:20 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

الكهانة العربية قبل الإسلام

 0  0  1.6K
 «الكهانة العربية قبل الإسلام» عنوان الكتاب الجديد الصادر حديثاً عن دار «قدمس» للمؤلف توفيق فهد (ترجمة حسن عودة ورندة بعث وتقديم رضوان السيد الذي يعترف أنه لم يرد التقديم لفهد عن الكهانة أو العرافة العربية، بل للترجمة التي استمتع بروعتها ودقتها بما يفوق استمتاعه بقراءة الكتاب بالفرنسية الصادر للمرة الأولى عام 1975.

يرى فهد أن الكهانة العربية تبدو، بحسب تعريفها الوصفي، وعبر تجلياتها، مرتبطة غاية الإرتباط بالنبوة التي هي جذرها الأصلي، أو على الأقل درجتها الأولى. يتابع أن ليس ثمة انقطاع يفصل بين هذين المفهومين المتكاملين، اللذين يبدو ثانيهما بوصفه تفتحاً للأول، غير أن خطاً فاصلاً سيرتسم بينهما في اليوم الذي تغيرت فيه الشروط الاجتماعية عبر الانتقال من البداوة إلى التحضر أو من النظام القبلي إلى النظام الملكي، وفي اليوم الذي تبدلت فيه طبيعة الرسالة الإلهية ومحتواها تبدلاً كاملاً، عبر الانتقال من الإيمان بآلهة متعددة إلى عبادة إله واحد وإلى التوحيد. الكهانة والنبوة هما التعبير الحي والفاعل عن مجتمع محدد في حقبة معينة في تاريخه.

يضيف المؤلف أنه ومنذئذ، وبسبب وحدة مصدر إلهام النبي، وبسبب جبروت وكلية علم الإله الذي يحمل هذا النبي رسالته، تفوَّق على الكاهن، وكان رد فعل الأخير على ذلك تقوية أساليبه الكهانية وتطويرها، بعدما تخلى عن أسلوب الانخطاف الذي هو شرط نجاح النبي، متحدثاً إلى الآلهة بواسطة النظم التي تعد بديلة عن الكهانة الانخطافية، بعد استحالة تحقيقها في جميع الأماكن وجميع الأحوال.

الوحي

هذه هي الخلاصات التي خرج بها المؤلف من تحليل نصوص عدة، وستتأكد على امتداد الفصول التالية التي ظهر فيها عمل الكاهن أساساً بوصفه الشكل الأولي والتمهيدي لعمل النبي، وبدت الأساليب التي استخدمها بوصفها بديلاً للوحي النبوي.

يفيد فهد أن الكاهن العربي، الذي كان في البداية انخطافياً، لا سيما في ظل تسميته الرب، أو ذي إله، كان يستمد إلهامه من المصدر ذاته الذي كان يستمد منه النبي، أي الإله الذي كان الكاهن خادمه والناطق باسمه في آن، وكان يمارس عمله الاجتماعي وينقل الرسالة الإلهية تحت مسميات السادن والحازي والعراف والكاهن والسيد، بالروح ذاتها التي كان يزاولها النبي، بدأ وحيهما وفعلهما في الافتراق حينما لجأ الكاهن إلى وسائط أخرى بينه وبين الإله الموحي، في حين أن النبي عزز إلى أعلى درجة، الروابط الشخصية بينه وبين الإله الذي يوحي إليه.

لعبت الوسائط موقعاً مهيمناً في الكهانة العربية حيث كانت الأرواح والجن والكائنات الحية أو الجامدة تنقل إلى الكاهن مشيئة الآلهة ونواياها تجاه البشر، وكان الوحي النبوي في الإسلام الأولي مشبعاً بهذا التصور، لأن النبي العربي لم يتوصل إلى إقامة علاقات مباشرة وشخصية مع الله، ولهذا قسم النبي الوسطاء إلى فرقتين: الأولى صالحة والثانية سيئة، وهو لم يجرؤ، على غرار موسى من قبله، على النظر إلى وجه الله، ولكنه كان أقل من موسى في سماعه صوت الله مباشرة، في حين أنه كان يحاور من دون تكلف ملاك الوحي.

منامات

كذلك يرى المؤلف أن شكلي الوحي العربي، وحي السجع الذي كان، في البداية، نتاجاً للحالة الانخطافية للكاهن، ووحي الرجز الذي هو وحي الحرب المعبر عن الغضب الإلهي، لا يحملان، ضمن الحالة الراهنة للنصوص المشبوهة جداً، ومن المحتمل أنهما لم يحملا إطلاقاً، إشارة مماثلة لتلك الواردة في الأوحية العبرية. مع ذلك يرى الكاتب أن طرائق الكهانة العربية تظهر بوصفها بدائل للوحي، فثمة لازمة قديمة موزونة كانت تتلى قبل استشارة القداح في الكعبة تبين ذلك بوضوح، وهذه الأوحية جميعها كلام إلهي، ولكن عبر الرموز لأن الآلهة العربية القديمة والإله الإسلامي يعبران، بفصاحة، عبر جميع أشكال التعبير الطبيعية: الإشارات الاصطلاحية في الطرائق الاقتراعية، الإشارات الرمزية في المنامات، الإشارات السكونية في الطرائق الفراسية، الإشارات الحركية في الطيرة وفي الفالات المشابهة، كلها تعبر عن مشيئة الآلهة وتُسمع صوتها وتصدر حكمها. كان من النادر أن يجيء هذا الحكم الإلهي واضحاً وصريحاً، لذلك تحولت مهمة الكاتب تدريجاً إلى مهمة مفسر أكثر بكثير من مهمة رسول، ولم يتأخر الإسلام المنتصر في الاحتفاظ لنبيه حصراً بدور المتلقي لكل وحي كان ينتقل إليه بشكل من الأشكال.

يتابع المؤلف أن إقصاء الكاهن عن المجتمع الإسلامي، مع الاحتفاظ ببعض الممارسات الكهانية، اقتضى إعادة تنظيم هذه الممارسات والانتفاع منها، يمكن لكل فرد من الآن فصاعداً أن يلتقط إشارات كهانية، وأن يفسرها واستشارة شخص أقوى استعداداً وأكثر قدرة وأطول تجربة منه، من دون أن يكون لهذا الأخير وظيفة رسمية في المجتمع، وبشكل تدريجي وبطلب من خلفاء النبي الذين اعتادوا سماع صوت السماء الذي تفصح عنه الإشارات الكهانية، ثبّت ورثة علم الكهان لا ورثة وظائفهم وامتيازاتهم، بطريقة الكتابة اصطلاحات للتفكير، وقواعد لمختلف الأساليب الكهانية، حيث يكون كل فرد مسلحاً بما يكفي ليعطي للإشارات التي يلتقطها المعنى الذي يناسبها، وسيظل دوماً هناك أشخاص أكثر كفاءة من غيرهم، ولكن مبدأ (علمنة) الكهانة (انفصالها عن الدين) لن يتأذى من ذلك أبداً.

آفاق

يؤكد المؤلف أن القرون الثلاثة الأولى للهجرة، شهدت تفتُّح أدب كهاني بالغ الثراء، غذته باستمرار روافد أجنبية كان أثرها فيه أشبه بالخميرة، وحل محل الطرق الكهانية القديمة، أو أضيف إليها طرائق عدة بروح مغايرة إلى حد كبير، بمعنى أنها لم تعد مثل الطرائق الأولى، بدائل عن الوحي، إنما تطبيقات عملية مستقلة قائمة على الملاحظة والتفسير، عن طريق القياس والتوافق، كذلك أن المفهوم اليوناني (فن)، الذي أدخلته الترجمات البهلوية والبيزنطية واليونانية، غيّر كلياً آفاق الكهانة، فلم يعد ينظر إلى المعرفة الكهانية بوصفها ثمرة لوحي إلهي، إنما خبرة مكتسبة بطريق علم إنساني. يضيف الكاتب أنه من هنا جاء استعمال كلمة علم (فن، تطبيق عملي) لكل مكونات الكهانة، وهكذا حل محل علم ضرب القداح الذي نهى عنه القرآن بسبب انتمائه إلى العبادة الوثنية، علم القرعة أو التكهن بالاقتراع، علم الجفر وعلم الحروف أوعلم التكهن عن طريق الحروف والأسماء، علم خواص القرآن، وهو تأليف من كهانة الحروف والتشخيص الطبي، علم الرمل أو التكهن عن طريق خطوط الرمل، علم الزائرجة وهو نوع من آلة لاستخراج الفأل، وحل محل التكهن عن طريق الحلم، بوصفه رؤيا أو رسالة يتلقاها الإنسان من الإله مباشرة، أو ممن ينوب عنه، ويجري التعبير عنها غالباً بلغة واضحة، علم التعبير أو تفسير الرؤى. أما القيافة، أو علم التكهن بطريق الأثر حل محلهما علم الفراسة، وهو ميدان شهد توسعاً كبيراً في الإسلام بعدما أُلحقت به قراءة الكف والنظر في لوح الكتف والمعرفة التكهنية بالأرض والتكهن عن طريق الظواهر الجوية، وهي علوم كان تمثلها ضعيفاً في جزيرة العرب القديمة، وكان العرب يجمعونها معاً في علم واحد لأنها تستند إلى منهج الملاحظة ذاته للوقائع السكونية.

الدين المديني

يتوقف المؤلف عن التكهن بطريق الطير والحيوان، ليجد أن هذا النوع هو وحده الذي صمد أمام إعادة تنظيم المناهج الكهانية القديمة، لأنه كان يشكل لدى العرب النظام الأفضل والأكثر أهمية، كان هذا الفن ينتمي إلى البدوي الذي تمثل على نحو سيئ أوامر الدين الجديد، وحافظ من دون انقطاع على عادات وممارسات الأجداد. أما الإسلام، وهو الدين المديني في جوهره، فلم ير في هذه الممارسة، البدوية في الأساس، خطراً من عودة الأخلاق الوثنية، ما دام أن الطيرة العربية ومنذ أمد بعيد انفصلت عن الآلهة وكفت عن كونها امتيازاً محصوراً بالعبادة والكهانة. بالإضافة إلى ذلك، استطاع العربي، بعقليته المتطيرة أن يجد في المدينة ما يعوضه عما كان لديه في وديان الحجاز، وصحارى اليمامة وفوق هضاب نجد. الطيرة هي تفسير لحركة الطيور والبهائم، والرجز هو تفسير لحركاتها المستثارة، لم يعودا قابلين للممارسة بسهولة في الأرباض والمراكز الدينية، لذلك ارتدا إلى طريقة قديمة تعهدها بالحماية سكان المدن، وأباحها النبي الذي كان يمارسها بيسر، والمقصود بذلك الفأل، وهو لفظ يعني جميع أنواع الفالات، والذي انقسم على نحو أساس فأل الحروف والأسماء، الفراسي، التنجيمي.

هنا يرى المؤلف أن جدول الطرائق الكهانية العربية كان شديد الاتساع، وما لم يُثبت داخل هذه الطرق، فهو على الأخص النظم العلمية البارعة مثل النظر في أكباد وقلوب الحيوان التي كانت نتاجاً لمجتمع متحضر بلغ شأواً بعيداً في التطور، ولمجمع كهان واسع الاطلاع والمعرفة، ولهذا السبب لن يكون بوسع الجزيرة العربية الادعاء بذلك أبداً

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy