• ×

06:43 صباحًا , الأربعاء 21 نوفمبر 2018

قائمة

دون جوان السينما المصرية كمال الشناوي (1)

 0  0  1.8K
الجريدة يمتدّ مشواره الفني إلى أكثر من 60 عاماً. احتلّ المركز الأول على الشاشة العربية من خلال أدوار الفتى الأول في عشرات الأفلام الرومانسية والاجتماعية.
بأناقته وبساطته ووسامته وحضوره وخفة ظله دخل عالم السينما، ودراسته للفن التشكيلي كانت وسيلته لعبور مرحلة الهواية ودخول عالم الاحتراف، فأصبح نجماً قادراً على معايشة أي شخصية ببراعة وفن وصدق. كل دور له كان علامة في طريقه، وكل شخصية جسّدها تركت بصمة في تاريخه، وكل إحساس عبّر عنه هتف لموهبته وأكّد نجوميته.
إنه العاشق الولهان والزوج الحائر والصحافي والمحامي والطبيب والفتوّة وعضو مجلس الشعب والفلاح والمونولجيست ورئيس المخابرات ومدير الأمن ووزير الداخلية والبلطجي ورئيس الجمهورية
شريط سينمائي طويل وممتدّ يضمّ عشرات الشخصيات التي عاشها الفنان الكبير الراحل كمال الشناوي، الذي نقلب في أوراق حياته التي انتهت بوفاته فجر 22 أغسطس الماضي (22 رمضان 1432)، عن عمر يناهز 89 عاماً بعد صراع مرير مع المرض وأعراض الشيخوخة التي طوت صفحة نجم صار جزءاً من تاريخ السينما المصرية ووجدانها وعقلها.

-1-

في شارع خيرت في حي السيدة زينب بيت ما زال موجوداً لغاية اليوم، يحمل رقم 27 ومكوّن من ثلاثة طوابق. اثنان مكتملان والثالث عبارة عن غرفتين هما مضيفة معدّة لاستقبال الزوار وأحياناً لمبيت البعض منهم.
في هذا الطابق الثالث، رأى محمد كمال محمد علي الشناوي النور في 26 ديسمبر 1918، وكان الابن البكر لعائلة مؤلفــــــة من شقيقيــــن همــــا عبد القادر وفتحي، وخمس شقيقات هن: رضا، سميحة، بهيجة، نبيلة ووداد.
كان الوالد يعمل مهندساً للري ودائم التنقل من بلد إلى آخر، أما الجدّ فكان موظفاً حكومياً مرموقاً وميسور الحال اشترى البيت الذي ولد فيه كمال في شارع خيرت وكان شارع الفن آنذاك.
عن أبرز ملامح طفولته قال الشناوي: «أهم صورة احتفظت بها في طفولتي كانت لمدرّس اللغة العربية الذي زرع في داخلي ميولاً خطابية لأنه كان يحبّ صوتي الجهوري، فكان يسند إلي مهمة القراءة أمام مفتّش المعارف الذي يزور المدرسة من حين إلى آخر، وكنت إذا جاء ضيوف إلى منزلنا استقبلهم بخطبة رنانة».
أضاف الشناوي: «دفعني إتقاني للغة العربية إلى الالتحاق بفريق التمثيل في المدرسة، وفي العاشرة من عمري أديت أول دور لي على المسرح وجسّدت فيه شخصية فرعون، بعد ذلك انطلقت على خشبة المسرح المدرسي.
أتذكّر أيضاً أنني عشت فترة طويلة من طفولتي في مدينة المنصورة حيث شهد الكورنيش الطويل فيها تسكّعي مع أصدقاء الدراسة، ثم اكتشفت في داخلي هواية جديدة بدأت تستحوذ على اهتمامي وهي الغناء، فكنت أمضي الإجازة الدراسية في الاستماع إلى أغاني أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب».
تابع الشناوي: «عام 1936 وجدت نفسي اشارك في تظاهرات الطلاب في المدارس الثانوية للتنديد بالإنكليز والمطالبة بالاستقلال، طبعاً كنت أنا زعيم الطلبة لقدرتي على الخطابة وتجميع زملائي وتحميسهم. وكانت نتيجة هذه التظاهرات إرسال إدارة المدرسة خطاباً إلى أهلي تهدد بفصلي من المدرسة بتهمة الشغب والتظاهر، فاضطروا إلى نقلي إلى مدرسة أخرى بدأت تنمي في داخلي هواية الغناء والأنشطة الفنية.
أتذكّر أنني شاركت في الغناء في إحدى الحفلات المدرسية وفوجئت بوزير المعارف يصافحني بحرارة ويقول لي: ستكون مطرباً عظيماً يا كمال».

-2-

كان الشناوي منذ طفولته شديد الرومانسية وتجذبه المشاعر الجميلة ويسرق الكلام عن الحب والعواطف انتباهه. هنا يتذكَّّر أول حبّ في حياته، حبّ المراهقة بكل جنونه وخياله وبراءة مشاعره. قال: «في المرحلة الثانوية تعلّقت بفتاة جميلة كانت تسكن أمامنا وكنت أسرق النظرات منها لألفت انتباهها إلى أن شعرت بي، فبدأنا نلتقي ونتحدث في أمور حياتنا بعدما بدأ الحبّ يتسرّب إلى قلبينا، فجأة ذاع سرّنا في الحي وتبرع أولاد الحلال بإفشائه لجدي، لأن والدي، في ذلك الوقت، كان يعمل في مدينة دمنهور، فضربني «علقة سخنة» وحرمني من المصروف، وكان هذا الحرمان سبباً في عدم لقاء حبيبتي لأنني لم أعد أملك ثمن تذكرة التروماي والمشروب الذي «أعزمها عليه».
أضاف الشناوي: «عاد أبي من دمنهور ليصطحبني معه إلى هناك وغبت عن حبيبتي ثلاثة أشهر، ثم عدت لأفاجأ بها وقد تزوجت، فشعرت بصدمة تعتصر قلبي الصغير ووجدت نفسي، من دون أن أشعر، أرسم لفتاتي لوحة كانت هي بداية عشقي للرسم واحترافي له في ما بعد، فدخلت كلية الفنون الجميلة لدراسة الألوان والتعمق في تاريخ الفنون وتخرجت فيها لأعمل فترة ليست طويلة مدرّساً للرسم.
أتذكّر أيضاً أنني رحت أجرب حظي في الغناء في معهد الموسيقى العربية، وفعلا دربت صوتي، فترة طويلة، واجتزت امتحان القبول وغنيت في حديقة الأزبكية لأول وآخر مرة في حياتي».

-3-

في إحدى المرات التي التقيت فيها الفنان كمال الشناوي وجهت إليه سؤالا أثار دهشته وابتسامته في آن: «ما حكاية «الحسنة» التي كانت موجودة على أنفك؟». ضحك وأجاب: «يا خبر دي حكاية قديمة قوي، عموماً أنا لم أولد بحسنة، فقد ظهرت في أنفي عام 1963 وكبرت. قال لي البعض شكلها ظريف وأشار البعض الآخر إلي بإجراء جراحة لاستئصالها. بعد عشر سنوات جمعتني الصدفة بطبيب جراح وتحدثنا في الموضوع فطلب مني الحضور إلى العيادة لإجراء فحوصات بالأشعة قبل استئصالها، خصوصاً بعدما أخافني طبيب آخر وقال لي: «قد تكون هذه الحسنة ورماً حميداً أو غير حميد»، فازداد قلقي وقررت ألا أذهب إلى الطبيب خوفاً من أن يجري لي جراحة. في أحد الأيام، حكّيت أنفي فجرحت الحسنة وخرج منها دم ثم سقطت من دون أي جراحة». وضحك قائلا: «يبدو أن كثرة حسناتي لأهل الله كان لها أكبر الأثر في تخليصي من هذه الحسنة من دون ألم».

-4-

بعد تخرجه في كلية الفنون الجميلة عمل الشناوي في التدريس، وإن كانت أكثر المواقف المحفورة في ذاكرته هي العمل في السينما، وكان لديه شعور غامض بأنه سيصبح ممثلاً سينمائياً يوماً ما، وكان هذا شعور المحيطين به أيضاً، إلا أنه كان يخشى أن يجذبه هذا الحبّ وتشده الرغبة في التمثيل عن متابعة دراسته، إلى أن جاءت أول فرصة ذهبية في حياته، إذ تعرّف إلى نيازي مصطفى، أحد المخرجين الكبار في ذلك الوقت، عن طريق شقيقه الذي كان يعمل قاضياً، وفي أول لقاء بينهما قال له نيازي: «أنت محظوظ يا كمال أنا داخل بعد شهر فيلم جديد ولك دور بطولة مطلقة فيه». انتهى اللقاء بأن تسلم نيازي عنوان كمال ورقم هاتف المدرسة التي كان يعمل فيها.

لكن مرّ شهر ولم يتصل نيازي فنصح أحد الزملاء كمال بأن يعاود الاتصال به، لكنه رفض وقال في قرارة نفسه: «ربما يكون غيّر رأيه وإذا اتصلت به أكون متطفلاً». فبادره أحد الزملاء: «أليس من الجائز أن يكون أضاع العنوان ورقم الهاتف؟»، إلا أن كمال تجاهل حديث زميله وصمم على موقفه.
مرّت الأيام، وبينما كان كمال جالساً في مقر اتحاد أساتذة الرسم في شارع عماد الدين فوجئ بمكالمة من المخرج نيازي مصطفى، فاندهش لأنه كان أعطاه رقم هاتف المدرسة فحسب، وسأله: «عرفت إزاي إني هنا؟» فرد نيازي: «واحد صاحبك لسه مكلمني وقال لي: فيه واحد قابلته اسمه كمال وأخذت رقم تليفونه بعدما وعدته بالتمثيل وفات شهر وما كلمتوش». رد كمال: «يعني صاحبي هو إللي كلمك»، قاطعه نيازي: «خد تاكسي بسرعة وتعالى حالا». وعندما ذهب كمال اكتشف أن نيازي أضاع رقم تليفونه وعنوانه وهذا سبب عدم اتصاله به.
اصطحب نيازي الشناوي إلى المنتج رشاد الشوا (عمدة غزة آنذاك) لتوقيع عقد على بطولة فيلم «غني حرب» (1947) الذي تدور قصته حول الأحداث التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واحتكار التجار البضائع وتخزينها ثم بيعها بسعر مرتفع، وتركهما نيازي معاً وذهب لقضاء بعض أعماله.
أخرج المنتج العقد ليوقعه كمال الذي تصور أنه أصبح نجماً يجب أن يتقاضى أجراً كبيراً فطلب 500 جنيه، فثارت ثائرة المنتج وشعر كمال بالحرج، فاتصل الشوا بنيازي ليعاتبه على هذا الوجه الجديد المغرور، إلا أن الأخير أصلح الموقف بينهما وخرج كمال بـ 100 جنيه، وكان أجراً كبيراً لأي وجه جديد آنذاك، وجسد في الفيلم شخصية طالب في كلية الطب يغرم بجارته (إلهام حسين) ابنة الجزار (بشارة واكيم).

-5-

في أول يوم تصوير في استوديو مصر، تذكّر الشناوي اليوم الذي أرسل فيه خطاباً إلى الاستوديو أعلن فيه رغبته، كمشرف على النشاط الاجتماعي والثقافي في مدرسة قصر الدوبارة الثانوية، زيارته مع التلامذة والتعرف إلى أوجه نشاط العمل السينمائي. فعلا، حُدد موعد الزيارة وقبل مغادرة الاستوديو طلب كمال زيارة غرف الممثلين، وفوجئ بغرف صغيرة كأنها غرف للإيواء الشعبي، سأل عن غرف النجوم الكبار أمثال يوسف وهبي وليلى مراد وأم كلثوم فأرشدوه إلى غرفة كبيرة، عندها اكتشف التمييز بين النجم الكبير والممثل الصغير.
المهم أنه في أول يوم تصوير أُعطيَ الشناوي الحجرة التي لم تعجبه أثناء رحلة المدرسة، وشاءت الظروف أن تنشأ علاقة صداقة بينه وبين الفنانة إلهام حسين، بطلة الفيلم، فطلب منها أن تسمح له بالإقامة في حجرتها الكبيرة، وقبل أن تتهمه بالجنون سرد لها قصته وذكرياته مع المكان،
وكانت المفاجأة أن أمرت بنقل ملابسها وأدواتها الخاصة إلى حجرته الصغيرة وانتقل الشناوي إلى الحجرة الكبيرة. وتساءل جميع من في الأستوديو عن سرّ هذا الممثل الجديد الذي تركت له البطلة غرفتها، وظن البعض أن علاقة حبّ تجمع بينهما، وفي صباح اليوم التالي عاد الشناوي إلى حجرته السابقة.
مرّت السنوات وأصبحت حجرة النجوم هي مكان الشناوي الطبيعي بعدما أضحى نجماً كبيراً في عالم السينما وأقرب إلى النموذج الهوليوودي في فترة الأربعينات، فقيل إنه مزيج من غلين فورد وكلارك غيبل وغاري كوبر وتايرون باور.
كان فيلم «غني حرب» الشرارة الأولى لانطلاق موهبته وأول دقة قلب في علاقة حبّه الطويلة مع السينما، أول صفحة في كتاب نجوميته التي فاقت كل تصوّر، أول علامة تشير إلى أن كمال الشناوي أصبح، منذ تلك اللحظة، على موعد مع الشهرة والأضواء والنجاح والبريق وسيكون صاحب لقب «دون جوان» السينما المصرية الذي وقف أمام 40 نجمة من نجمات السينما في أفلام صارت جزءاً من تاريخ السينما.

-6-

كانت الفنانة المعتزلة حالياً شادية بطلة «حمامة السلام» (1947)، ثاني فيلم أدى بطولته، وكان عمرها ملائماً لعمر الشناوي فشكلا ثنائياً فنياً جميلا وناجحاً، وقد برهن المخرج حلمي رفلة عن ذكاء في اختيارهما للفيلم الأول له مع شادية.
بعد ذلك، ظهر الشناوي وشادية معاً في أفلام: «عدل السماء» (1948) إخراج أحمد كامل مرسي، «ساعة لقلبك» و{ظلموني الناس» (1950) للمخرج حسن الإمام. من ثمّ تعاون معهما حلمي رفلة في أفلام أهمها: «بين قلبين»، «حياتي أنت»، «قليل البخت»، «مغامرات اسماعيل ياسين»، وعلى غراره فعل المخرج حسن رمزي أيضاً ومخرجون كثر تهافتوا عليهما بعدما وضعوا ثقتهم في ثنائي ناجح أقبل الجمهور على مشاهدته،
وبلغ عدد الأفلام التي قدمها كمال مع شادية 32 فيلماً، فكانت أكثر ممثلة وقفت أمامه.
تمحورت أفلامهما حول قصص اجتماعية دمها خفيف، وهي عبارة عن حدوتة تقليدية للحبّ بين ولد وبنت وما يتخللها من مشاكل، وكانا يخرجان من فيلم ليبدآ فيلماً جديداً، وأحياناً كانا يمثلان أربعة أفلام في وقت واحد.
وفي «ليلة الحنة» (1951)، كانت أول قبلة سينمائية لشادية وشكلت عاملا مهماً في ما بعد جعلت كمال الشناوي يوطد علاقته بها فكبرت ونمت إلى درجة أنه أنتج لها فيلم «عش الغرام» (1959) إخراج حلمي رفلة، وفيه أعلنت شادية غضبها من الشناوي لأنه كان يتودد إلى شقيقتها الفنانة عفاف شاكر ورفضت الاستمرار معه. عندما سئل الشناوي عن سبب غضب شادية قال: «حذف أغنية «حلو الحب» تلحين بليغ حمدي في المونتاج نظراً إلى طول الفيلم».

-7-

انطلق الشناوي في سماء السينما لامعاً كالشهاب وقدّم عشرات الأفلام التي تدور في أجواء إنسانية واجتماعية. من الطريف أنه في عام واحد (1948) قدم تسعة أفلام، وفي عام 1949 قدم سبعة أفلام وفي عام 1950 قدم 11 فيلماً، وهو رقم يبدو مذهلا لأنه كان ينتقل من استوديو إلى آخر ولا يجد وقتاً للأكل والشرب والنوم.
بلغ عدد المخرجين الذين تعاملوا معه في الفترة من 1947 إلى 1950 17 مخرجاً قدموا معه 28 فيلماً هم: بركات، يوسف شاهين، صلاح أبو سيف، عز الدين ذو الفقار، فطين عبد الوهاب، أحمد كامل مرسي، حلمي رفلة، عباس كامل، حسن الإمام، كامل التلمساني، كمال عطية، حسن رضا، حسين صدقي، عبد الفتاح حسن، السيد زيادة، حسن رمزي ونيازي مصطفى. هؤلاء كانوا أعلام الإخراج في تلك الفترة لكن معظمهم، باستثناء شاهين في فيلمه الأول «بابا أمين»، أصبحوا أسرى السينما التجارية التي قامت على الميلودراما الفجة أو الكوميديا الهزلية، وتصدرت ملصقات الأفلام أسماء من نوعية «غرام المليونير»، «مغامرات خضرة»، «المعلم بلبل»، «بنت العمدة»، «جوز الأربعة»، «ظلموني الناس»، «ماكانش على البال»، «كيد النسا»، «نشالة هانم» وكلها شارك فيها الشناوي
وللأوراق بقية.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy