• ×

04:11 مساءً , الخميس 16 يوليو 2020

قائمة

السطو على بيترفايس في الإسكندرية!

 0  0  925
 ما اكثر ما تدق عقولنا في العالم العربي ازمة الاضطراب الاصطلاحي ان في الفن او الثقافة او العلم، وهو الامر الذي ما ان ننساه او نحاول تناسيه حتى يحدث ما يذكرنا مرة اخرى بثوراتنا المعرفية الواضحة والصريحة التي يبدو انها لن تحل سريعا في المستقبل المنظور.
في الايام الاخيرة عرضت في مدينة الاسكندرية مسرحية «ماراصاد ثورة في الحمام» للكاتب الالماني بيترفايس. حيث كان قد ترجمها في اواخر الستينات د.يسري خميس، وهو اول من عرفنا في العالم العربي بالمسرح التسجيلي ومسرحية «ماراصاد»..
المسرحية في ثوبها الجديد من اخراج د.محمود ابو دومة وبرعاية من خمس جهات داعمة منها مؤسسة فوند فونديشن ومركز الجيزويت ومعهد غوته وغيرها.


في ليلة العرض الاولى للمسرحية دعي د.يسري خميس من قبل معهد غوته وعندما وصل الى مكان العرض فوجئ ببامفليت العرض وقد تجاهل اسمه تماماً والادهى من ذلك فان بيانات العرض جاءت كالتالي:
«ماراصاد ثورة في الحمام» تأليف بيترفايس، كتابة واخراج: محمود ابو دومة وحينما سأل يسري خميس مخرج العرض عن السبب في تجاهل اسمه، كان رد ابو دومة انه سأل عنه فأخبره احد الاصدقاء ان د.يسري خميس قد توفاه الله: كان هذا العذر الذي تلقاه د.يسري اقبح من ذنب تجاهل اسمه، فغضب د.يسري خميس جداً، غير ان القضية بالنسبة لنا اخذت بعداً آخر، فكيف اجتمع اصطلاح التأليف والكتابة في عرض واحد، فهل كتب ابو دومة على تأليف بيترفايس، ثم هل كانت كتابة ابو دومة معتمدة على النص الالماني للمسرحية، ام اعتمدت على الترجمة العربية للدكتور يسري خميس؟ وإذا كان أبودومة قد اعتمد على الترجمة العربية فلماذا تجاهل اسم د. يسري خميس؟ وإذا كان قد اعتمد على النص الألماني فلماذا سأل عن د. يسري خميس أصلاً؟ ولماذا اعتذر له كما أخبرنا بذلك د. يسري نفسه؟
تثير هذه الحادثة قيماً علمية وأخرى أخلاقية خاصة ان أطرافها أساتذة جامعة ومثقفون كبار، كما أن أصابع الاتهام تشير إلى أحد قادة مكتبة الإسكندرية د.محمود أبودومة.
خصم حق المترجم
في البداية يقول الناقد والمخرج محمد زعيمة: ما يثير الشك ان المترجم معروف وهو اول من عرّف العالم العربي بالمسرح التسجيلي، وبيتر فايس ومسرحيته «ماراصاد»، وتجاهل اسم المترجم مع وجود رعاة وإضافة بند الكتابة إلى المخرج مع وجود اسم المؤلف يدعم الشك حول محاولة خصم حق المترجم لمصلحة المخرج الذي أضاف إلى نفسه مهمة الكتابة.
إن هذه الإشارة هي ما أكد عليه رئيس تحرير جريدة مسرحنا المتخصصة يسري حسان الذي قال بحدة: «ليس لدي تفسير سوى ان د. محمود أبودومة أراد الحصول على أجر الكتابة إلى جانب أجر الإخراج وهو الشيء المحزن حيث يشغل د. محمود أبودومة منصباً مهماً في مكتبة الإسكندرية والدكتور يسري خميس مترجم معروف وكذلك المؤلف الألماني بيتر فايس.. فإذا كان هذا يحدث مع أسماء كبيرة فما بالنا بالشباب».
إن هذا الاتهام الصريح الذي يوجهه «زعيمة» و«حسان» للدكتور محمود أبودومة هو ما يستبعده المخرج هشام جمعة قائلاً: لا أعتقد ان ذلك مقصود ولو كان مقصوداً فهذا عيب كبير، حيث ان الأمانة تحتم على المخرج ان يذكر المصدر الذي اعتمد عليه، خاصة إذا كان العمل عالمياً مثل مسرحية ماراصاد» لبيتر فايس.
فوضى المصطلحات
وعن السبب في حدوث مثل هذه الأمور يحدثنا الأكاديمي والأستاذ بالمعهد العالي للفنون المسرحية د. مصطفى يوسف قائلاً: إن الحياة الفنية والعلمية في العالم العربي تعاني من فوضى شديدة في المصطلحات، حيث يخضع المصطلح للهوى الشخصي.. الا ان هناك مصطلحات ثابتة مثل التأليف والاعداد ويجب عدم التعدي على حدود المؤلف.. لافتا الى ان الكتابة تأخذ عدة تجليات مثل التأليف، والاعداد، والاستلهام، والاقتباس، سواء لفكرة او لشخصية، والترجمة، والتعريب، والتناص، وللاسف يقول د. مصطفى يوسف ــ الحدود بين هذه المصطلحات جميعا غائمة.
وحينما سألناه عن المسؤول عن هذه الفوضى اجابنا بان الاسباب كثيرة، فالسوق المسرحي مشاع يعمل فيه كل من هب ودب، وكذلك الذاتية المفرطة في محاولة للتميز المخادع والبحث عن مقابل مادي، وهو ما يجعل المخرجين لا يذكرون اسماء المترجمين على كثير من العروض التي تقدم وهو ما يعد آفة تنخر في الثقافة المصرية والعربية، ولن يمكننا تجاوز هذه الازمة الا بتفعيل قانون حقوق الملكية الفكرية.
ووفق رؤية اخرى اضاف رئيس المركز القومي للمسرح د. سامح مهران بعدا آخر، مؤكدا ان الكتابة على الكتابة لا تعد ابداعا ولا تتمتع بحقوق الملكية الفكرية، الا اذا امتلكت الكتابة الجديدة خطابا خاصا بها، والخطاب هو المعنى النهائي والرسالة المكتملة التي تتحقق من خلال الاقوال والاحداث، ولن يحدث هذا التميز الابداعي في اعادة الكتابة الا اذا حدث تغير في الشكل او في المضمون او في كليهما معا، وهو ما نراه مثلا في مسرحية «هاملت يستيقظ متأخرا» للكاتب ممدوح عدوان.
مصائب إبداعية وأخلاقية
وعن اسباب هذه الفوضى في البنية المفاهيمية والاصطلاحية قال مهران: السبب الاساسي الجهل، وتقلص عدد القراء ولا خلاص من مثل هذه الفوضى الا بالقراءة الجادة، فالموهبة ان لم يتم تدعيمها بجهد في الاطلاع والتعلم فلا اهمية لها على الاطلاق.
لكن الباحث والكاتب المسرحي محمد امين يلفت الى ان التهاون في حقوق المبدع وعدم احترام الابداع الحقيقي هما السبب الرئيسي وراء مثل هذه المصائب الابداعية والاخلاقية، مضيفا: ان روحا من النرجسية المفرطة تسيطر على العاملين في الحقل الثقافي والفني، لافتا الى ان هذه النرجسية تتنافى وروح المسرح اصلا، ذاك الفن الذي يجب ان تحكمه قيم ديموقراطية ومشاركة جماعية فهو فن جماعي بالاساس.
وما كان ممكناً ان ننهي هذا التحقيق من دون ان نستطلع رأي د. محمود ابو دومة المتهم بتجاهل الدكتور يسري خميس لاهداف ليست برئية تماماً، وقد جاء رده مفاجئاً حيث قال: لم اعتمد على نص الترجمة العربية بل اعتمدت على ترجمة انكليزية. وعندما طلبنا بيانات الترجمة التي اعتمد عليها، استمهلنا ريثما يعود الى منزله، ولدى عودته اتصل بنا تلفونياً واخبرنا انها طبعة امازون للنشر، وانها موجودة بمكتبة جامعة ييل، وان المترجمين هما: جيفري سكلتون، وادريان ميتشل، الطبعة الثالثة 1984.
وبسؤاله عن معنى مصطلح كتابة الذي اضافه الى نفسه قال: هذا العام وفي المانيا اضاف المخرج الالماني بيتر اوستن ماير الى نفسه صفة كتابة حينما اعد مسرحية الفرس لاسخيلوس والمصطلح شائع وطبيعي، فقد يتعامل المبدع مع النص القديم بشكل مختلف لا يعتمد فيه على الخيوط الاساسية للنص القديم وانما يعتمد على فكرته الجوهرية فقط.
مبررات السرقة الأدبية
هذه الواقعة الفنية تحدث في مراكزنا الابداعية العربية كل يوم.. وسببها، كما حاولنا رصد ذلك، غياب الانضباط الاصطلاحي بالاساس.. فليس هناك اتفاق علمي حول الفارق بين التأليف والكتابة والاعداد والاقتباس والاستلهام والتناص.. الخ.. فهل يفيق اكاديميونا وفنانونا ويعملون على تدقيق هذه المصطلحات التي تتخذ احياناً مبرراً للسرقة الادبية واحياناً للاتهام بالسرقة؟ ام سيظل واقعنا الثقافي يعتمد امانة المبدع فقط مقياساً، كما اشار المخرج هشام جمعة، هل سنسير جادين ناحية الانضباط ام ستظل مفاهيمنا الفنية والثقافية تضرب في فوضى لا قرار لها

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy