• ×

01:08 صباحًا , الثلاثاء 14 يوليو 2020

قائمة

أربعون عاماً على رحيله.. مارسيل دو شان... صفع الموناليزا وأطلق الفنّ الجاهز

 0  0  1.7K
 



تمر هذه السنة ذكرى 40 عاماً على رحيل الفنان الفرنسي مارسيل دو شان (1887- 1968)، وهو من أكثر الفنانين تأثيراً في القرن العشرين، واستجابة للتغيرات المستحيلة في عالم الفن نتيجة الثورة الصناعية، علاوة على ذلك، كان أقل إثارة للانتباه من فناني هذا القرن الذين يعتمدون كل ما هو غير مألوف لمجرد أنه يؤرخ لهم.

توَّج مارسيل دو شان الفن بأفكاره وتبنى فكرة «الفن كعدم»، بحسب كتاب جانيس مينيك عنه، في أعماله التشكيلية، بل يعتبر أحد أهم مفجري طاقات الفن والأدب الخاص بالدادائية في أميركا بين عامي 1915 و1923، مهَّد الطريق لمعانقة الحرية مع الابتعاد عن التقليدي والاقتراب من الأساليب اللاحدودية في التعبير الفني الحديث.

يعرف الجميع اسم مارسيل دو شان، الرجل الذي أطلق «الفن الجاهز» وحوّر لوحة «الموناليزا» بإضافة شاربين ولحية عليها، وأثار أكبر فضيحة فنية عرفها القرن المنصرم عبر رفعه مرحاضاً عادياً إلى مقام التحفة الفنية. لكن المحيط الفني الفرنسي لم يهضم انطلاق شهرة دو شان في نيويورك أولاً والتكريس الذي حظي به في الولايات المتحدة، على الرغم من اعتراف الوجوه والتيارات الطليعية التي شهدها القرن العشرون بموقعه الريادي. حين توفي عام 1968، كان ما زال مجهولاً في فرنسا. وحدها جريدة «الفيغارو» نشرت خبر وفاته في إحدى زواياها، بينما خصصت «نيويورك تايمز» صفحتها الأولى لهذا الحدث.

وصفه أندريه بروتون بـ«منارة السوريالية» وأكّد أن هذا الفنان هو «الرجل الأكثر ذكاءً في القرن العشرين». قبل بروتون، افتُتن تريستان تزارا بطبيعة أبحاثه، فعيّنه مراسلاً للحركة الدادائية في نيويورك، وتأثّر فرنسيس بيكابيا ومان راي بشكلٍ كبير بمسعاه «غير الفني»، مع ذلك، تبقى أعمال دو شان غامضة لدى معظم الناس، نظراً إلى طابعها الذهني وموقعها في ما وراء الذوق والتلذّذ الجمالي وتشجيعها الالتباس وسوء الفهم. أكثر من ذلك، ما زالت هذه الأعمال، إلى اليوم، التعبير الأكثر راديكالية لذهنٍ حر.

في هذا السياق التحريضي والمعادي لطرق الرسم التقليدية، أضاف دو شان على لوحة الموناليزا شاربين، فأصبحت بذلك عملا خالصا له يساوي ملايين الدولارات، أنجز الرسام لوحته هذه عام 1919، بهدف السخرية من النقاد ومن تقاليد فنون القرون الوسطى الراسخة والجامدة. في حين كانت اللوحة الأصلية التي رسمها الإيطالي ليوناردو دافينشي تنال الاهتمام والتكريم في متحف اللوفر، قوبلت لوحة الفرنسي دو شان بالاستهجان واعتبرت بمثابة الصفعة التي لا تغتفر.

يذكر أن الفنان أهدى لوحته الى الشاعر الفرنسي لويس أراغون الذي أهداها، بدوره عام 1979 الى حزبه، الحزب الشيوعي الفرنسي. ظلت اللوحة بعيدة عن الأنظار الى أن قرر القائمون على متحف الفن الحديث في مركز جورج بومبيدو اقتناءها، لتكون نجمة معرض بعنوان «بيغ بانغ»، الذي يستقبل الزوار اعتباراً من أواسط هذا الشهر.

عام 1917، عرض دو شان عملاً أطلق عليه اسم «النافورة»، وهو عبارة عن مبولة نصبها في معرض فني، ثم ألقى بيانا عن الكيفية التي يتم بواسطتها إيصال شروط «الفن» عبر مؤسسة المعارض الفنية. صدم البيان الحضور وحملهم على إعادة النظر في وضعهم كمستهلكين للفن, وفي علاقتهم بالأمور اليومية. يمكن نسب مثل هذه الادعاءات إلى «المبولة»، لأن الزمان كان عام 1917، وكان يحمل مثل هذا الموقف الجدة والغرابة.

ما زال المأزق الفني، الذي عبّر عنه دو شان ودفعه إلى اعتبار المبولة عملاً فنياً، مطروحاً وبحدّة أكبر. وإذا كنا نفهم، أو بالأحرى نحاول أن نفهم، دواعي قفز بعض الفنانين الغربيين على المنجز الحداثي في اتجاه مرحلة «ما بعد الحداثة»، فما الذي يسوِّغ هذا القفز عند الفنانين أو داخل ثقافات لم تستنفد بعد مراحلها الكلاسيكية، وما زال الالتباس والغموض يشوبان علاقتها بالحداثة ؟

لم يبدأ مسار دو شان الفضائحي بهذين العملين، فمنذ عام 1912، طلب منه رفاقه التكعيبيون (ومن بينهم شقيقاه جاك فييون وريمون دو شان - فييون) سحب لوحته «عارية تنزل على الدرج» من «صالون المستقلين»، نظراً إلى الطابع التحريضي للعنوان مقارنة بأسلوب المعالجة. بعد عامٍ واحد، أحدثت هذه اللوحة بالذات فضيحة في نيويورك لدى عرضها مع لوحات تكعيبية فرنسية، فتحوّل دو شان بين ليلة وضحاها إلى أبرز اسم فني حديث في أميركا. من الفضيحة إذاً وُلدت أسطورة هذا الفنان، فضيحةٌ لم تلبث أن تحولت إلى استراتيجية حقيقية له. لدو شان استراتيجية محدَّدة حتى داخل عملية ابتكاره، إذ يرتكز على فكرة أن «المتأمِّل في اللوحة هو الذي يصنعها»، ما يشرح عدم إنهائه أحياناً أعماله الفنية إلا بعد شعوره بأنها أصبحت ملائمة لزمنها.

ما بعد الحداثة

في كتابه «ما بعد الحداثة.. مقدمة قصيرة جدا»، يناقش كريستوفر بتلر أثر أفكار ما بعد الحداثيين في الفنون وفي العالم الأوسع. لدى تصديه لعمل جيف كونز «ماكنة هوفر الجديدة القابلة للتحوير» (1980)، وهو عبارة عن مكنسة كهربائية في صندوق زجاجي، يكتب بتلر: «في هذا العمل يتهكم كونز على أعمال دو شان الجاهزة، لأنها في الحقيقة أداة استهلاكية مرغوب فيها (وليست مجرد مبولة أو عجلة دراجة مثل أعمال دوشان)».

ما يفعله الفنانون من أمثال كونز هو إعادة تقديم الحيلة القديمة، إنما وضعوا مكان المبولة مكنسة كهربائية هذه المرة، كما في «سرير غير مرتب». في كل حالة، تطلق القطعة المعروضة إشارة بكماء باتجاه قضايا مبهمة مختلفة، لكن تبقى الفكرة المركزية واحدة. ولمَّا كان هذا النوع من الفن الإدراكي يعتمد كليا على الفكرة، سرعان ما تصبح الحيلة مثيرة للضجر. على الرغم من أن بتلر لم يأت على ذلك، يمكن أن يقال الأمر نفسه عن الكثير من مواقف ما بعد الحداثة.

من ناحية أخرى، يقول الباحث العراقي كنعان مكية في كتابه «النصب التذكارية»: «بعد دو شان تبدو لوحة وارهول مثيرة للسأم. لا يمكن أن تصدر مثل هذه التعابير عن الفن إلا مرة تفقد بعدها عنصر الطرافة. حالما صوِّرت علبة الحساء على لوحة الرسم، أصبح بالإمكان طرحها جانباً مثلما تُلقى علبة الحساء الفارغة نفسها في صندوق القمامة. تعوز علب وارهول صفة التفرد التي يضفيها الزمن، وتبدو كأي علبة أخرى من حساء كامبل، وليس لها طابع أو شخصية مميزة. لم يدخل في رسمها التفكير بالصور الذهنية على أي مستوى مستقل تماماً، باستخدام عناصر الرسم المعتادة، من خطوط وألوان وأشكال ونسيج فني خاص، بل طغى المحتوى العقلي على التعبير البصري بالكامل، فضاع جوهر عملية الرسم باعتبارها معاناة للعلاقة بين جرة الفرشاة وبين الشكل المنظور».

مع كثرة أمثال وارهول في الأوساط الفنية، إذا لم يعد البعد المرئي البحت أحد الفنون المرئية سيزداد ضحالة وفقراً. غلب الطابع العقلاني على اللوحة الفنية ولم تعد تكشف عن مفاتنها بالتدريج عبر مشاهدات عدة وبمجهود حسي فاعل من جانب المشاهد. لكن ذلك هو المقصود بالضبط، تقوم شهرة وارهول على أساس كونه واحداً من فنانين كثر عمدوا إلى نسف مهنتهم ذاتها وتحريفها بين فناني القرن العشرين. بينما تظهر أشكال فنية جديدة (فن التلصيق والتصوير الفوتوغرافي والتوليف والسينما ورسومات الكومبيوتر) يجري الإستغناء عن الأشكال القديمة من قبل الفنانين أنفسهم، ولو موقتاً على الأقل.

هذا جانب من السجال الذي يحدثه فن دو شان، كانت أعماله بمثابة ألغاز ومصدراً للمفاجأة والتخمين بالنسبة إلى فناني القرن العشرين. كانت عنيدة بهدوء، تكمن ثوريتها في مضمونها، وفي رد الفعل المرئي تجاهها، زود أعماله بالسخرية وأدهش من تابعه، خصوصاً أنه مؤمن بأن روح الشعر تطل بوضوح وغنية بالجمال، بينما نلاحظ كرهه الشديد لأشكال الفن غير العقلي

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy