• ×

12:40 مساءً , الأربعاء 8 يوليو 2020

قائمة

مئة عام على رحيله.. قاسم أمين... لماذا تبنّى تحرير المرأة العربيّة؟

 0  0  1.4K
 
على الرغم من الدعوات التي سبقت كتاب «تحرير المرأة» لقاسم أمين والتي بدأت مع قيام الدولة الحديثة وإنشاء المؤسسات التعليمية والمهنية في عهد محمد علي (في مصر)، ثم أخذت تتسع مع عددٍ من رواد النهضة كرفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق ومحمد عبده، فلقد ظلّ هذا الكتاب يحتل موقع الريادة بين الدعوات التي أطلقت خلال عقود قبل منتصف القرن الماضي. لعلّ هذا الموقع يعود الى أن الكتاب لم يقتصر على تناول جانبٍ واحد يعمل الكاتب على معالجته في الإطار الأخلاقي الذي أوصت به الشرائع وأرسته التقاليد والأعراف، بقدر ما يتناول قضية المرأة باعتبارها قضيّة متكاملة وبارتباطها الوثيق بالنظم السياسية والاجتماعية والثقافية السائدة.

أصدر أمين «تحرير المراة» عام 1899 وهو أول كتاب يصدر له باللغة العربية بعد أن كان قد نشر عدداً من المقالات في صحيفة «المؤيد» عالج فيها قضايا إصلاحية في المجالات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية. من المستغرب أن يتعرّض أمين في كتابه هذا الى القضايا التي دافع عنها، حين ردّ في كتابه «المصريون» (صدر باللغة الفرنسية عام 1894) على دوق داركور الذي عمد في أحد كتبه الى مهاجمة المصريين والنيل من الإسلام والمسلمين، فهو يدافع في «المصريون» عن نظام الحجاب وتعدّد الزوجات، ويدعو الى عدم الاختلاط بين الرجل والمرأة ويهاجم المجتمعات الأوروبية وصُور المساوئ الناجمة عن هذا الاختلاط. من الطبيعي أن يواجه تعرُّضه لهذه القضايا في كتاب «تحرير المرأة» ردوداً مشابهة لردوده على داركور!

المجتمعات الغربية

لعلّ هذا الكتاب جاء ليردّ على الاتهامات التي يتبناها مفكرون غربيون حول عددٍ من القضايا من دون النظر الى أبعادها الثقافية والاجتماعية ـ والتي تنمُّ عن تحيّز ظاهر الى ما آلت إليه المجتمعات الغربية وإلى أنماط التفكير والسلوك السائدة فيها. لذلك فإن كتاب «المصريون» سيحمل، في الوقت نفسه، موقفاً نقدياً من الحضارة الغربية ودفاعاً عن القيم الإسلامية والشرقية التي يتبناها أو يضعها في سياقها التاريخي.

تأثر أمين بمفكّري النهضة العربية، لا سيما بالأفغاني ومحمد عبده، وبالحركات النهضوية الغربية وأفكار الثورة الفرنسية. لكنه رأى أن المجتمعات الغربية لم تلتزم هذه الأفكار في نظرتها ومواقفها من البلدان الإسلامية والشرقية عموماً. هكذا، فإن ما ورد في «المصريون» يأتي في إطار مشروع حوارٍ حضاري من دون أن يتعارض ـ في مجمله مع مشروعه النهضوي ومواقفه من القضايا التي يتناولها في «تحرير المرأة» ثم في كتابه «المرأة الجديدة».

شكَّل «تحرير المرأة» صدمة ثقافية حتى لأولئك الذين عرفوا بدعواتهم التحررية وأيدوا دخول المرأة معترك الحياة ومشاركتها في قضايا اجتماعية وثقافية، لا سيما في أوساط الطبقة المصرية والعربية. تكمن أهمية الكتاب أو خطورته، كما تصفه المقالات المعترضة على صدوره، في أنه يناقش عدداً من المفاهيم التي باتت من المسلّمات الدينية والتي تحدّد دور المرأة في مختلف المؤسسات والميادين، وفي أنه ربط قضية تحرّر المرأة بالتحرر الاجتماعي. رأى أمين أن ثمة تلازماً بين «الحالة السياسية والحالة العائلية»، كذلك رأى أن «افتقار المرأة المسلمة الى الاستقلال بكسب ضروريات حياتها هو السبب الذي جرّ ضياع حقوقها...» وأن «المرأة في الشرق في رق الرجل والرجل في رق الحكومة وحيثما تتمتع النساء بالحرية الشخصية يتمتع الرجال بالحرية السياسية...».

أما القضايا التي أثارت جدلاً في الأوساط الفكرية والسياسية، والتي تبيِّن مدى الارتباط بين «تقييد المرأة» و«النظم الاستبدادية» فهي، أولاً: قضيّة الحجاب، حين يتعرض أمين للحجاب فإنه ينظر الى «ما هو معروفٌ الآن» والى «الطريقة المعهودة في ارتدائه»، وهو يرى أن أسباب الفتنة لا تعود الى ما يبدو من أعضاء المرأة «بل إلى ما يصدر عنها»، وهو بهذا المعنى يعطي للمرأة حضوراً يتمثّل في سلوكها وطريقة تعاملها أكثر مما يتمثل في كونها مجرد مصدر للفتنة!

لعلّ أشدّ ما أثار عدداً من المفكرين ورجال الدين في مسألة الحجاب يعود الى اعتقاد أمين في «أن الشريعة لم تقضِ بالحجاب مثل ما هو معروف الآن»، وهو يستند في ذلك الى عدد من الآيات التي عمل على شرحها عدد من الباحثين والكتاب المعاصرين (جمال البنّا، محمد سعيد العشماوي...).

رأى أمين، على الرغم من عدم انكاره لوجوب الحجاب في عدد من مقالاته، أن الحجاب يحول دون مشاركة المرأة في عدد من القضايا، كذلك يحدّ من إمكان نيلها حقوقها الطبيعية والشرعية:

«... وبالجملة فقد خلق الله هذا العالم، ومكّن فيه النوع الانساني ليتمتّع من منافعه بما تسمح له قواه من الوصول إليه، ووضع للتصرف فيه حدوداً تتبعها حقوق، وسوى في التزام الحدود والتمتّع بالحقوق بين الرجل والمرأة من هذا النوع، ولم يقسم الكون قسمة إفراز، ولم يجعل جانباً من الأرض للنساء يتمتّعن بالمنافع فيه وحدهن وجانباً للرجال يعملون فيه في عزلةٍ عن النساء» و»لقد خولت الشريعة للمرأة ما للرجال من الحقوق وألقت عليها تبعة أعمالها المدنية والجنائية، فللمرأة الحق في إدارة أموالها والتصرّف فيها بنفسها. فكيف يمكن لرجل أن يتعاقد معها من غير أن يراها ويتحقّق من شخصيتها؟»

تفوّق الرجل

أما القضية الرئيسة الثانية التي يتعرض لها أمين في كتابه، فهي تعدد الزوجات، ويرى أن هذه العادة هي استمرار للعوائد القديمة التي كانت مألوفة قبل الإسلام ويردّ هذهِ الظاهرة الى حال المرأة في الهيئة الاجتماعية، والى شعور الرجل بالتفوق. أما حالات الرضاء في القليل النادر فتنشأ عن أن المرأة تعتبر نفسها متاعاً للرجل.

يتوقف أمين عند ظاهرة تعدد الزوجات العاطفية والنفسية فيبين الضرر الناجم عن مشاركة الزوجة امرأة أخرى بزوجها، ويتوقف عند إحساس المرأة الطبيعي بالغيرة، وشعورها بتضعضع مكانتها في المجتمع... كذلك يجيزُ، نظراً إلى الجورِ الناجم عن تعدد الزوجات ولما يترتب عليه من المفاسد والمصالح ولما ينشأ عنه من فساد في العائلات، «للحاكم منعه بشرطٍ أو بغير شرط على حسب ما يراه موافقاً لمصلحة الأمة».

يتعرض أمين في «تحرير المرأة» الى قضية الطلاق، فيشير الى شيوعها عند اليهود والفرس والرومان، والى طرق معالجتها في المسيحية حيث لجأت الكنيسة الى تقرير أحكامٍ في أحوالٍ سمّتها «أحوال بطلان الزواج». كذلك يعيد ظهور هذهِ الأحكام الى أن المنع (منع الطلاق الذي لا يزال سائداً في شرائع عددٍ من الأمم الغربية) هو إفراط في احترام العقد ومغالاة فيه الى حدّ يصعب معه أن يتفق مع راحة الإنسان: «نعم إن أماني الأمم الصالحة أن تكون عقدة الزواج عندها لا تنحلّ الا بالموت، ولكن ممّا تجبُ مراعاته أن الصبر على عشرةِ من لا تمكن معاشرته فوق طاقة البشر.»

إلا أن أمين يرفض إباحة الطلاق ويرى أن الشريعة وضعت أصلاً عاماً يجب أن تردّ إليه جميع الفروع في أحكام الطلاق وهو أن الأخير محظورٌ في نفسه مباح للضرورة.

شكّل كتاب «تحرير المرأة» الذي صدر عام 1899 صدمة ثقافية في المجتمع المصري وفي المجتمعات الإسلامية عموماً. كانت القضايا التي تناولها محظورة في الأوساط الفكرية والاجتماعية والسياسية، وكان النظر الى العيوب الناجمة عن تطبيق أحكامها على النحو السائد آنذاك نوعاً من المخاطرة، لما يشكّله من اتهام لرجال الدين وللطبقات الاجتماعية والسياسية التي عملت على تفسير هذهِ الأحكام على النحو الذي يناسبها ويكفل سيطرتها على مختلف مرافق الحياة، كذلك لما يُعتبر أيضاً خلخلة في المفاهيم والعوائد التي رسخت في عقول الناس وسلوكهم.

الحجاب

تعرض أمين الى مسألة الحجاب، التي يكاد يجمع معظم العلماء المسلمين على اعتبارها فريضة، والى مسألة تعدد الزوجات التي يجزم الفقهاء والناس بتحليلها ويُقدمون عليها من دون النظر الى عواقبها والى الموانع التي تحول دون تطبيقها. كذلك تناول مسألة الطلاق التي شاعت في المجتمعات العربية والإسلامية باعتبارها حقاً من حقوق الرجل ليحصرها في مناسباتٍ وضرورات تجعل منها حلاً، يهدف الى صالح الفرد والأمة وليس مجرد ذريعة لتحقيق رغبة الرجل.

لكن ما يحمله «تحرير المرأة» من أفكارٍ ومناقشات سيكون، كما يبدو، تمهيداً لكتابه «المرأة الجديدة» الذي صدر عام 1900 وضمنه ردوداً على الاعتراضات التي قدّمت ضد الكتاب الأول. كانت الزوبعة التي أثارها «تحرير المرأة» في الأوساط الفكرية والسياسية بين مؤيدين، كسعد زغلول والإمام محمد عبده، ومعارضين، كمصطفى لطفي المنفلوطي وطلعت باشا حرب ومصطفى كامل، اخذت تهدأ قليلاً. كانت التحولات التي أخذت منحى نهضوياً والتي تجلّت في جمعيات وحركات سياسية وفكرية أخذت تستقطب المزيد من المؤيدين من مختلف الطبقات. لذلك سيكون كتاب المرأة الجديدة أكثر جرأة (والتزاماً) في إظهار حقوق المرأة العربية والمسلمة وفي تأكيد دورها الاجتماعي وأهمية مشاركتها في مختلف الميادين.

يتناول أمين في «المرأة الجديدة» عدداً من القضايا التي تعرض لها في «تحرير المرأة». إلا أن هذهِ القضايا ستأخذ هنا منحى علمياً يقوم على قراءة لأحوال المرأة عبر العصور، ويعتمد دراسة مقارنةً بين حالها في المجتمعات الغربية وحالها في المجتمعات الشرقية ويرسمُ صورة لواقعها في الأسرة وفي مختلف الهيئات الاجتماعية.

يتوقف أمين في «المرأة الجديدة» عند المسألة التي تشكّل «بيت قصيد» الجدل الدائر حول أوضاع المرأة العربية والمسلمة وهي: حرية المرأة.الا أن ما يميّز هذا الكتاب هو المنحى التربوي (والتعليمي) الذي يحاول من خلاله أن يبيّن الخلل الفاضح في العلاقات الاجتماعية وأن يُظهر مدى الترابط بين مظاهر الاستبداد في العلاقات السائدة بين الرجل والمرأة والمظاهر الاستبدادية في المؤسسات الاجتماعية والسياسية.

أثار أمين في «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» عدداً من القضايا (الاجتماعية والسياسية...) التي تحول دون تحرر المرأة أو تحدّ من دورها... فهل لا تزال هذه القضية عالقة في الممرات الشائكة لقضايا المجتمع؟

مؤلفاته

«كلمات» وهو عبارة عن خواطر كتبها في مفكرته الخاصة ونشرت سنة 1908

«أسباب ونتائج» وهي أربع عشرة مقالة يعالج فيها قضايا اجتماعية وتربوية واقتصادية.

«أخلاق ومواعظ» وهي مقالات نشرها في المؤيد بين 1895 و 1898.

«المصريون» (1899) كان نُشر بالفرنسية سنة 1894، ويردّ فيه على دوق داركور الذي هاجم المصريين والمسلمين وتقاليدهم ومعتقداتهم.

«تحرير المرأة» الذي شكّل صدمة ثقافية للأوساط الفكرية والسياسية وتناول فيه قضايا تحرر المرأة وأبرزها مسألة الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق.

«المرأة الجديدة» (1900) وضمنه ردوداً على الذين عارضوا كتابه «تحرير المرأة» وبيّن فيه الأسباب التي تحول دون تحرير المرأة العربية والمسلمة ونيلها حقوقها.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy