• ×

08:55 مساءً , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

كيف تكون «بابا»؟!

 0  0  818
 
الرجولة والابوة، ظاهرتان متناقضتان تتحدان بعمق منذ اللحظة التي يتلقى فيها الزوج نبأ حمل زوجته لطفل يحمل اسمه وصبغته الوراثية، ويعد باستمرار نسله.
انها الطبيعة التي تخضع الرجولة وقساوتها لسطوة المشاعر وتغنيها بالعاطفة والحنان بانتظار القادم الجديد، وهي في ذلك تتبع انظمة مبرمجة تحدث تغييرات بيولوجية في كيان الرجل ولاوعيه لتحضره لمواكبة الحمل والانجاب، والمشاركة في تحمل المسؤولية.
اذاً، لعبة الاستمرار هي الدافع وراء خضوع الرجل لواقع معاكس لطبيعته خدمة لبقاء ذريته.
فكيف تسير هذه اللعبة، وماذا يتغير في كيان الرجل اثناء حمل الزوجة ليتسبب في هذا التحول، وما هو رأي العلم في هذه الظاهرة؟

كيف تتكون الصفات الذكورية؟
من المعروف علمياً ان مشاعر الانسان وسلوكه وتفكيره ترتبط الى حد بعيد بمستوى توزيع كيميائيات جسمه ودماغه، وهرمون التيستوستيرون المرتفع في جسم الرجل، هو المسؤول الاكبر عن صفاته الذكورية، التي منها الشجاعة والاقدام وحب السلطة والمغامرة الى سواها من الصفات التي تميزه عن الجنس اللطيف، وهي بمجملها صفات تبعده عن تأجج العواطف والسلوك الانثوي الذي يذكيه هرمون الاستروجين المرتفع في اجسام النساء.
والمعروف ايضا ان هرمون الاستروجين والتيستوستيرون موجودان معا في اجسام الذكور والاناث بنسب تؤمن مواصفاتهم الفطرية.
لكن الطبيعة التي تحرك لعبة الاستمرار لمصلحة الكائنات الحية، تتدخل في المراحل الانتقالية البالغة الدقة لتعدل من صفات هذه الكائنات بحسب الظروف حفاظاً على بقائها، من هنا التغيير الذي نلحظه في صفات الرجولة منذ اللحظة التي تلي اخصاب الزوجة.

ماذا يحصل بالتحديد؟
وفقا لآخر الدراسات، تبين ان الرجل الذي يدين لرجولته بارتفاع هرمون التيستوستيرون، يحتفظ جسمه كما سبق واشرنا، بهرمونات جنسية انثوية بنسب متفاوتة، وفي مرحلة اخصاب زوجته، يحصل بينه وبينها تقارب سببه بث كيميائي غامض، يرفع مستوى هرمون الاوسترجين الانثوي في جسمه بهدف اثارة عاطفته وتهيئته لتقبل الجنين وانتظار ولادته، ومن ثم احاطته بالعناية والحماية.
والجدير ذكره ان هذه الدراسات لفتت الى معاناة فئة من الرجال في هذه المرحلة من عوارض مشابهة لعوارض حمل النساء، والتي اهمها: الغثيان والقلق النفسي وزيادة الوزن نتيجة الميل الزائد الى تناول الطعام.

هرمونات أخرى
وبالإضافة الى «الإستروجين»، ترتفع في جسم الرجل هرمونات أخرى مهمتها برمجة دوره الفطري في مجالات مشابهة.
فهرمون «البرولاكتين» مثلا، الذي يعزز مقدرة الإناث على الارضاع بعد الوضع، يرتفع نسبيا في اجسام الرجال خلال الاسابيع الثلاثة الأخيرة من حمل الزوجات من أجل تأمين رغبتهم في المساعدة بالاعتناء بالطفل بعد ولادته، بالطريقة نفسها التي تتبعها ذكور الطيور وبعض الحيوانات الثديية.
ولإثبات هذه النظرية، أجريت تجارب على ذكور بعض الحيوانات الثديية والطيور، تمثلت بحقنها بكميات زائدة من هرمون «البرولاكتين» خلال مرحلة حضانتها لصغارها. وقد ثبت بالمراقبة ان عاطفة هذه الحيوانات وحمايتها للمواليد الجدد فاقت بكثير العاطفة والحماية اللتين تقدمهما الحيوانات والطيور الأخرى.

القلق ضروري للتربية
اما الهرمون الثالث الذي يلعب دورا بالغ الاهمية في تحضير النساء للأمومة والرجال للأبوة، فهو هرمون «الكورتيزول» المسبب للقلق.
فهذا الهرمون يرتفع في اجسام النساء الحوامل خلال الاسابيع الثلاثة الأخيرة السابقة للوضع بهدف تهيئتهن لمراقبة تقلبات الحمل وحماية الطفل بعد الولادة. وبفعل البث الكيميائي الناتج عن العلاقة الحميمة بين الزوج والزوجة، يرتفع هذا الهرمون ايضا في اجسام الأزواج خلال المرحلة ذاتها من أجل تحضيرهم للمشاركة بالقلق والترقب والاستعداد لحماية الطفل خدمة للأهداف الطبيعية الآنفة الذكر.
وهرمون «الكورتيزول» حسب رأي الاختصاصيين، له مهمة ضرورية أخرى هي تسهيل عملية دفع الجنين أثناء الوضع، وتحضير الأم لاستقباله بشغف.

تأثير العلاقة الزوجية
ان نسبة اندماج الأزواج وتوحد تطلعاتهم في مرحلة الحمل وبعده تختلف باختلاف العلاقة القائمة بينهما. بمعنى ان تزامن التغييرات الهرمونية المشار اليها يختلف بحسب قوة الارتباط العاطفي التي تجمعهما، والتي ترتبط الى حد بعيد باشارات بيولوجية غامضة عجز الاختصاصيون عن تفسيرها بوضوح. مع ذلك، هناك تكهنات تربط هذه العلاقة بهرمون يعرف بـ«الكيرومون». وهو الهرمون الذي تفرزه اجسام الحيوانات وتلتقطه أنوفهم في مراحل التزاوج لإذكاء الرغبة الجنسية وتحقيق الانجذاب بين الجنسين، خصوصا بين حاملي الجينات الملائمة للدمج بهدف خلق ذرية أكثر قوة ومقدرة على الاستمرار. ويعتقد العلماء ان هذا الهرمون بالذات موجود في أجسام البشر للغاية ذاتها. بهذا يتم الاستنتاج ان العلاقة الزوجية الحميمة، والبث الكيميائي، والاشارات البيولوجية، هي عوامل متداخلة تتفاعل ضمن حلقة مغلقة هدفها بقاء الأجناس وتأقلمها وتطورها واستمرارها.

أهمية دور الأب في التنشئة
هذه وسواها من المعطيات، تبرز ما لدور الاب من اهمية في حياة الطفل تفوق اهمية المعلومات المعلنة عنه.
فآخر الدراسات كشفت بوضوح عن ايجابيات مشاركة الاب المباشرة بالعناية بالمولود الجديد، وسلبيات تفرد الام بهذه المهمة بفعل التقاليد الموروثة.
والمجتمعات الغربية، كما هو معروف وعت اهمية هذا الدور منذ عقود، وخصوصا اثر اقتحام النساء فيها مجالات العمل اسوة بالرجال. لذا تجرأ المسؤولون في دول غربية عدة على تشريع قوانين جديدة تعطي الوالد الموظف حق طلب اجازة قانونية تخوله ملازمة زوجته في المنزل بعد الوضع، للمشاركة في العناية بالمولود وغمره بالعاطفة والحماية الضروريتين لنموه، علما ان رجالا كثيرين ما زالوا يعتقدون ان العناية المباشرة بالطفل هي انتقاص من الرجولة. وهذا الاعتقاد يشمل على العموم نسبة لا يستهان بها من رجال المجتمعات الشرقية الذين تمنعهم التقاليد من الافصاح عن مشاعرهم تجاه اطفالهم، حفاظا على كبريائهم. رغم ذلك نرى ان النخبة المثقفة المتطورة من الشرقيين قد تخطوا هذه المفاهيم منذ عقود، واقدموا على مشاركة زوجاتهم بالعناية بالاطفال بالشغف الذي تمليه عليهم رغباتهم الفطرية، وخصوصا بعد اطلاعهم على ايحابيات دور الاب في التربية والتي كشفت عنها اخر التقارير الطبية الحديثة.

إيجابيات اظهار عاطفة الابوة
حسب اخر التقارير الصادرة عن المؤتمرات الدورية للأطباء النفسانيين، تبين ان الاطفال المحاطين بحنان الاب وعنايته المباشرة، يتمتعون بحدة ذكاء تفوق سواهم. كما ثبت انهم يتسلحون بمقدرة على التكيف تتيح لهم تذليل العقبات ومواجهة الصدمات. بهذا يعتبرون اقل عرضة للامراض العقلية والنفسية وينطبق الامر نفسه على ادمان الكحول والمخدرات. كما يعتقد ان هؤلاء الاولاد هم اكثر مناعة ضد الامراض المتفشية.
مع ذلك نرى ان هذه المعطيات وسواها، لم تتمكن حتى الآن مع الاسف الشديد، من ايصال الرسالة التربوة المطلوبة الى شريحة كبرى من البشر.
فالتقاليد كما سبق وذكر، حالت ولاتزال في بعض المجتمعات دون تلبية الاباء نداء المشاعر، صونا للرجولة والكبرياء. ومفاهيم الحرية والعصرنة طغت في مجتمعات اخرى على التزامات الزواج، فكثر الطلاق وتفككت العائلات. والاطفال في كلا الحالين ضحايا الحرمان والجوع الى عناية الوالدين المشتركة.
فمتى يعي الوالدان عمق الدور الذي منحه الله لهما، ومتى يدركان اهمية الاستجابة الى اوامره عز وجل والانصياع لها؟

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy