• ×

01:35 مساءً , الجمعة 27 نوفمبر 2020

قائمة

كيف فقدت المضادات الحيوية مفعولها السحري؟

 0  0  793
 كانت المضادات الحيوية في ما مضى أدوية عجيبة لها مفعول علاجي سحري. أما اليوم، فيشهد العالم نمواً متزايداً لعدد البكتيريا العالية المقاومة والقاتلة المنتشرة في أنحاء العالم. غالباً ما تتأتى هذه الجراثيم القاتلة من المزارع الإنتاجية التي تُعالج فيها الحيوانات بصورة عشوائية المريضة منها وغير المريضة.

تنمو عادةً مسبّبات الأمراض في البيئة الدافئة والرطبة، فتعشعش غالباً في منطقة الإبطين، وفي الأعضاء التناسلية وأغشية الأنف المخاطية. تتمركز مسبّبات الأمراض هذه في الخزائن المدرسية والجامعية وفي الحمّامات المشتركة الخاصة بالسجون والنوادي الصحية.
تنتقل البكتيريا عن طريق البشرة، تحديداً بواسطة المناشف أو الألبسة أو الاحتكاك الجسدي المباشر، ويكفي أن يكون المرء مصاباً بخدش صغير حتى تدخل إلى مجرى دمّه. تنمو البذور المتقيّحة في موقع الإصابة، ما قد يسمح لمسبّبات المرض أن تبدأ بتآكل الرئتين. وفي حال تأخر الأطباء في معالجة الداء، قد يموت المريض بسرعة كبيرة.
هذا ما حصل مع آستون بوندز (17 عاماً)، وهو طالب في ثانوية ستونتون ريفر في ولاية فيرجينيا الأميركية. ظل يصارع المرض لأسبوع، ثم توفي. وهذا ما تعرض له على الأرجح عمر ريفيرا (12 عاماً) الذي كان يعيش في نيويورك والذي كان الأطباء أرسلوه إلى المنزل لاعتقادهم أن العوارض البادية عليه ما هي سوى حساسية. لكنه توفي ليلة عودته إلى المنزل.
حصل الأمر عينه تقريباً في ثانوية تقع في ولاية نيو مكسيكو. منذ أقل من أسبوعين، أُدخلت مشجّعة فريق رياضي مدرسي إلى المستشفى نتيجة إصابتها بخرّاج. كذلك سُجّلت إصابة 12 طالبة مدرسية أخرى بطفح جلدي مثير للشكوك. وقد أظهرت تحاليل المرضى الطبية أنهم مصابون ببكتيريا أطلقت عليها وسائل الإعلام الأميركية تسمية «الجرثومة الخارقة».
تعتقد إدارة المدرسة الواقعة في بالين أن البكتيريا انتشرت بواسطة الفرشات الموجودة في صالة المدرسة الرياضية وفي غرف المصارعة. ومع أنه تم تطهير هذه الغرف 40 مرّة، إلا أن الخوف من إمكان احتوائها على البكتيريا ما زال موجوداً.

خوف من انتشار وباء

يطلق علماء الأحياء المجهرية على هذه البكتيريا تسمية المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للميثيسيلين والمكتسبة في الأماكن العامة، ويشيرون إليها عادة بعبارةca- MRSA. تكمن خطورة هذه البكتيريا في أنها تقاوم أنواع المضادات الحيوية الشائعة كافة تقريباً، ما يصعّب عملية الشفاء منها. بخلاف سلالة بكتيريا العدوى المكتسبة في المستشفيات المقاومة للأدوية والمشار إليها بعبارة ha-MRSA التي تصيب الكبار والأشخاص الموجودين في المستشفيات ودور النقاهة خصوصاً، تطاول بكتيريا المكورات العنقودية الذهبية الشباب الأصحاء. وأصبحت تشكل هذه البكتيريا خطراً صحياً كبيراً في الولايات المتحدة. في ألمانيا، نجح الأطباء في اكتشاف وجود هذه البكتيريا التي لم تسفر حتى الساعة عن أي وفيات.
في الواقع، ليست ha-MRSA وca-MRSA سوى مجرد سلالتين تنتميان إلى ترسانة كاملة من مسبّبات الأمراض التي أصبحت اليوم مقاومة لأنواع المضادات الحيوية كافة تقريباً. بعد مرور أقل من قرن على اكتشاف البنسلين، يبدو أن العلاج الأقوى الذي توصّل إليه الطب الحديث بدأ يفقد فاعليته.
في هذا السياق، حذرت المجلّة الطبية البريطانية The Lancet من مغبّة تحوّل البكتيريا المقاومة للأدوية إلى «وباء». اليوم، لم تعد مسبّبات الأمراض الخطيرة في ألمانيا مجرّد «جراثيم مستشفيات» مخيفة يمكن إيجادها في وحدات العناية المركّزة، إنما أصبحت شائعة في الأماكن كافة.
منذ حوالى الأسبوعين، تم تبليغ المستهلكين بنتائج تحليل لحم الدجاج الذي أجرته مجموعة «أصدقاء البيئة» الألمانية المناصرة للقضايا البيئية والتي وجدت فيه أن ثمة بكتيريا مقاومة لأنواع عدة من الأدوية في أكثر من نصف أعضاء الدجاج المباع في المحلات التجارية الكبيرة.
فضلا عن ذلك، وُجدت هذه البكتيريا الخطيرة على متن أحد قطارات ألمانية السريعة، وأظهرت الفحوصات أن بكتيريا MRSA أصابت أكثر من 10% من سكان دور العجزة الألمانية. في حالة المسنين هؤلاء، قد يؤدي كل جرح مفتوح إلى الوفاة في حال أصابته هذه البكتيريا الفتاكة. بالإضافة إلى ذلك، وجدت مسببات المرض أيضاً على لحم البقر وعلى الخضار.
في الإطار عينه، تم التوصل إلى استكشاف مخيف آخر يقول إن 3 إلى 5 % من السكان يحملون في إمعائهم ما يسمّى ببكتيريا بيتا لاكتاماز الموسّعة الطيف من دون أن يعرفوا ذلك. ولا تستطيع حتى المضادات الحيوية الحديثة محاربة هذه البكتيريا العالية المقاومة.

تخفيف الدفاعات

في الخريف الماضي، انتشرت بكتيريا لاكتاماز الموسّعة الطيف في وحدة العناية المركزة الخاصة بحديثي الولادة في إحدى مستشفيات مدينة بريمن الواقعة في ألمانيا الشمالية، ما أسفر عن وفاة ثلاثة أطفال حديثي الولادة.
في الحالات العادية، لا تشكل الإصابة بالبكتيريا المقاومة للأدوية خطراً على صحة الإنسان لأن جهازه المناعي قادر على التحكم بمسبّبات المرض وإبقائها تحت سيطرته. لكن تنشأ المشاكل عادةً عندما يصبح الشخص مريضاً على نحو خطير.
في هذا السياق، تشرح بيترا غاستميير مديرة معهد النظافة الشخصية والطب البيئي التابع لمستشفى شاريتيه في برلين: «لنأخذ مثلاً شخصاً يخضع لجراحة ويتبيّن في مسار العملية أنه يحتاج إلى تنّفس اصطناعي وإلى إدخال قسطرة وريدية أو بولية إلى جسمه. في مثل هذه الحالة، قد تساعد القسطرة على إدخال بكتيريا الإمعاء المقاومة إلى الرئتين وإلى مجرى الدم وإلى المثانة».
قد ينتج عن مثل هذا التدخل الجراحي التهاب في المسالك البولية أو التهاب رئوي أو تعفّن في الدم، وجميعها أمراض لا يمكن معالجتها إلا بواسطة ما يُسمّى بالمضادات الحيوية الاحتياطية وهي أدوية للحالات الطارئة لا تُعطى إلا عندما تفقد المضادات الحيوية الشائعة مفعولها.
انتشار الجراثيم القاتلة

في الآونة الأخيرة، ظهر تهديد أكثر خطراً بكثير على حياة الإنسان. فمع انتشار بكتيريا بيتا لاكتاماز الموسعة الطيف، أصبح استعمال المضادات الحيوية الاحتياطية أكثر شيوعاً، ما سمح بظهور أشكال جديدة من البكتيريا المقاومة. في الواقع، أصبحت هناك مجموعة من مسبّبات المرض لا تستطيع حتى الأدوية الأكثر تطوّراً في الترسانة الطبية محاربتها.
في الهند حيث معايير النظافة الشخصية منخفضة وحيث بيعت المضادات الحيوية من دون وصفة طبية، تساعد البكتيريا على تطوير مناعة ضد الأدوية، يُقال إن ثمة مئة إلى مئتي مليون شخص يحمل هذه البكتيريا القاتلة التي يصعب محاربتها. ولا يزال هناك مضاد حيوي واحد- هو دواء لم يعد يُستعمل اليوم بطبيعة الحال نظراً إلى آثاره الجانبية التي قد تكون قاتلة- قادر على محاربة هذه البكتيريا القاتلة. في حالات الإصابة الخطيرة، يموت الأشخاص الذين يصبحون مصابين بإحدى مسبّبات المرض هذه، جرّاء التهاب في المسالك البولية أو التهاب الجرح أو التهاب رئوي.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الجراثيم القاتلة نجحت في الوصول إلى بريطانيا عن طريق سياح قاموا بسياحة طبية إلى الهند بغرض إجراء جراحات تجميلية فنقلوا العدوى إلى مئات الأشخاص. كذلك سُجلت بضع إصابات في ألمانيا.
دفع انتشار البكتيريا المتسارع كثراً إلى التساؤل عما إذا كانت الأمراض المعدية التي من المفترض أن تكون قابلة للعلاج ستتسبّب بمزيد من الوفيات في ألمانيا كما حصل في القرون الماضية. لسوء الحظ، تشير دلائل كثيرة إلى أن الأمور تسير في هذا الاتجاه.
يقول الدكتور ياهودا كارميلي الذي يعمل في مركز سوراسكي الطبي في تل أبيب: «نسير في اتجاه حقبة ما بعد المضادات الحيوية. لكن هذا الانتقال لن يحصل بين ليلة وضحاها ولا في الوقت نفسه في مختلف أنحاء العالم. هنا تكمن الكارثة لأن ذلك يعني أنه لا يُنظر إلى هذه الظاهرة على أنها مشكلة خطيرة».
حذّرت أخيراً منظمة الصحة العالمية من إمكان وقوع كارثة طبية وشيكة. في مجلّة The Lancet، أطلق خبراء الصحة نداءً عاجلاً قالوا فيه: «لقد شهدنا بصورة سلبية للغاية على عملية خسارة الأدوية، التي لطالما أفادتنا وأشفتنا، قيمتها وقدرتها العلاجية. نحث زملاءنا في مختلف أنحاء العالم على تحمّل المسؤولية لحماية هذا المورد الثمين. لم يعد الوقت يسمح لنا بالتزام الصمت وبالاكتفاء بما توصل إليه العلم».
اللامبالاة التي يعرّض بها الأطباء والمزارعون فاعلية واحدة من مجموعات الأدوية الأكثر أهمية للخطر، مثيرة للجنون. فكل عام، يُعطى في ألمانيا ما يقارب الـ900 طن متري من المضادات الحيوية للمواشي وحدها. وبدلاً من الاكتفاء بمعالجة الحيوانات المريضة فعلياً، يعمد المزارعون بصورة روتينية إلى إعطاء الأدوية لكل حيواناتهم. بالإضافة إلى ذلك، يُستخدم سنوياً ما يقارب الـ300 طن متري لمعالجة البشر بما فيهم أولئك الذين يعانون رشحاً بسيطاً.

خصم جعلناه أكثر قوة

سيؤدي حتماً هذا الاستعمال الواسع النطاق للمضادات الحيوية إلى انتشار الجراثيم المقاومة لها. ذاك أن المضادات الحيوية توفر ظروفاً ملائمة لنمو البكتيريا التي أصبحت مقاومة من تلقاء نفسها نتيجة تغيير صغير حدث في تركيبتها الوراثية. باختصار، تستفيد هذه البكتيريا من حقيقة أن المضادات الحيوية لا تزال تقتل البكتيريا المنافسة لها، تحديداً البكتيريا غير المقاومة للمضادات الحيوية.
في حالات كثيرة، ليس من الضروري حصول تغيير وراثي كي تصبح البكتيريا المقاومة قادرة على النمو لأنها تستطيع دمج قطعاً من مواد وراثية عائدة إلى مسببات أمراض أخرى. مثلاً، بقي جين بكتيريا بيتا لاكتاماز الموسّعة الطيف لملايين السنوات نائماً في الأرض حيث كان جزءاً من منظومة بيئية بكتيرية مركّبة تشمل فطريات وجذور نباتات منتجة للبنسلين. مع مرور الوقت، أُدمج هذا الجين بواسطة بكتيريا الإمعاء البشرية ليكون بمثابة إضافة لا طائل منها. بالتالي، لم يكن سوى استعمال المضادات الحيوية الواسع يمنح بكتيريا بيتا لاكتاماز الموسّعة الطيف فرصة للانتشار.
أظهرت الدراسات الأخيرة أن استعمال كميات صغيرة من المضادات الحيوية قد يكسب البكتيريا قدرة على مقاومة الأدوية. إذا عدنا إلى الماضي، لوجدنا أن استعمال المضادات الحيوية بصورة عشوائية كان بمنزلة غلطة فادحة. في هذا السياق، يقول جان كلويتمانس عالم الأحياء المجهرية الذي يعمل في مستشفى أمفيا الواقعة في مدينة بريدا بجنوب هولندا: «في الأعوام الثلاثين الماضية، لوثنا بيئتنا بالمضادات الحيوية وبالكتيريا المقاومة. يكمن السؤال في ما إذا كان بالإمكان عكس ما تسبّبنا به. لعلنا لا نستطيع راهناً سوى تدارك حصول الأسوأ».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy