• ×

06:19 صباحًا , الأربعاء 8 يوليو 2020

قائمة

«كريستوفل».. فضة أين منها الذهب؟!

 0  0  2.1K
 عندما يكون للفضة اسم وعنوان تصبح قيمته أكبر. خصوصاً عندما يكون عنوانه قصور العالم الفخمة عبر قرنين من الزمن بدءاً من ليون الفرنسية والاليزيه مروراً بقصور السلطنة العثمانية وروسيا القيصرية وصولاً الى طائرة الرئاسة لشارل ديغول.
فعندما نذكر الاسم تخطر في بالنا فوراً حقبة من زمن الرقي والبرجوازية وقصور الأغنياء وليالي الأنس على سُفَر الأغنياء، اضافة الى مفهوم الابداع الحديث في الفنون والتصميم في عالم المجوهرات.
انها «كريستوفل» العلامة التي جعلت الفضة تنطق لتروي تاريخ المجتمع الأرستقراطي. وقصة ابداع بدأت في عام 1830 لتجدد شبابها على أبواب الألفية الثالثة وتثبت وجودها كمنافس شرس في عالم الترف والفخامة. تستحق أن يقال فيها \"فضة لمن ولد وفي فمه ملعقة من ذهب\" بعد أن لقب مطلقها بصانع فضة الملوك ومورّ.د السلاطين.
فما هي قصة الماركة المسجلة المتجددة التي لا تزال بعد أكثر من 180 عاماً هدفاً لاقتنائها باعتبارها تحفاً لا تقدر بثمن؟.

«كريستوفل» هي أولا اسم لعائلة فرنسية ثرية كانت تمتلك شركة لتصنيع المجوهرات من الفضة الخالصة بدءا من أواخر القرن الثامن عشر. ولكنها انطلقت كعلامة تجارية في عام 1830 بعد أن استلم تشارلز كريستوفل ادارة أعمال عائلته الموجودة في مدينة ليون الفرنسية. وبدأ تشارلز بالخروج عن الأسلوب التقليدي لصناعة المجوهرات مطلقاً العنان لابداعه. وخلال عشر سنوات تمكن تشارلز من نشر اسم مجوهراته بين أوساط الطبقة الغنية في فرنسا. ولكن طموحات التوسع لدى تشارلز كريستوفل دفعته الى الدخول في شراكة مع شقيقته روزين التي تزوجت من أحد الأثرياء الواصلين في السلطة الفرنسية بهدف نشر اسم مجوهرات كريستوفل في العالم وتحقيق أرباح مادية ومعنوية. وتكمن من التوسع بفضل أساليبه الادارية المبتكرة التي تعتمد على تقديم منتج عالي الجودة.

استراتيجية ذكية
استطاع تشارلز كريستوفل من خلال رؤية استراتيجية ذكية من الحصول على الحقوق الحصرية لاستغلال براءات اختراع تقنية الطلاء الكهربائي للفضة التي أحدثت ثورة في عالم صناعة الفضيات التقليدية. ومع استخدام هذه التقنية أسس تشارلز مصنعاً جديداً ومتطور لصناعة أدوات السفرة والمطبخ الفاخرة من الفضة والأحجار الكريمة لاسيما البورسلين والكريستال.
وخلال السنوات الأولى لافتتاح المصنع نالت منتجات كريستوفل الجديدة شهرة واسعة وانتشرت بشكل كبير على موائد الملوك والأمراء والبرجوازيين في حقبة الامبراطوريات العظيمة (صحون وملاعق وكؤوس وشمعدانات).
وكانت الجودة هي المفتاح الرئيسي بالنسبة لكريستوفل لدخول بيوت الأثرياء، مما دفع تشارلز لتوظيف مجموعة من أهم المصممين والمبدعين في تلك الحقبة من أصحاب الخبرة الطويلة في مجال المجوهرات أمثال اميل ريبر وأونست مادروكس.
في عام 1850 أطلقت «كريستوفل» خط الاكسسوارات الفضية وأدوات التزيين، اضافة الى التماثيل بعد أن أخذت براءة اختراع ابتكرها المهندس والفنان الفرنسي جاكوبي تتلخص بصناعة قوالب تسمح بتنفيذ أي فكرة. حيث يسكب فيها الفضة فتعطي نسخة طبق الأصل عن الأشخاص أو الأشياء المراد تجسيدها. لتكمل بذلك «كريستوفل» تواجدها في جميع أنحاء المنزل أو القصر. ومن حينها انطلقت فكرة التماثيل والنصب التذكارية المصنوعة من الفضة.
وبعد ذلك أطلق تشارلز حملة ترويج لمنتجاته من خلال اقامة معارض خارجية عالمية حققت من خلالها العلامة الكثير من الربح المادي والمعنوي وحصلت على جوائز التميز والإبداع وكذلك حصل تشارلز كريستوفل على لقب صانع الفضة للملوك والسلاطين منهم نابليون الثالث والملك لويس فيليب والسلطان العثماني عبدالعزيز وإمبراطور المكسيك وقيصر روسيا. حيث كان يطلب من تشارلز بعض التصميمات الخاصة.
وبمجرد وصول العلامة إلى بلاط الملوك والسلاطين حققت مبتغاها بأن تكون علامة الترف الفاخر الأولى في العالم بحيث أن إمبراطوريات العالم القديم كانت تسيطر على كل بقاع الأرض بواسطة ما يسمى باستعمار الشعوب والأوطان.
وقبل وفاته في عام 1863 كان تشارلز كريستوفل قد وجه أعمال العائلة من متجر مجوهرات صغير إلى قيادة صناعة الفضيات الفاخرة في العالم خلال وقت قياسي انتشرت فيه متاجر كريستوفل الخاصة في أوروبا وأميركا وصولاً إلى روسيا ودول الشرق المتوسط بعد أن كسب ثقة أغنياء العالم. وكان مصنع كريستوفل في ألمانيا الأكثر إنتاجاً والأكثر مساهمة في تاريخ نشر العلامة التجارية لقربه من الإمبراطوريات القديمة مثل النمسا وهنغاريا وروسيا القيصرية والسلطنة العثمانية.

نهج التوسع
بعد وفاة تشارلز استلم قيادة كريستوفل نسيبه هنري بوليت الذي استفاد من فكرة التماثيل ليرفع في وسط مدينة مارسيليا الفرنسية نصب للسيدة العذراء من الفضة أطلق عليها اسم سيدة مارسيليا ويبلغ طول النصب نحو 11 متراً ووزنه 4500 كيلو غرام. كما قامت كريستوفل بعدها بطلاء سقف دار الأوبرا الفرنسية في باريس وأنشأت العديد من التماثيل الثمينة بناءً على توصية من الفنان الفرنسي غارنييه.
وعمل القائد الجديد لكريستوفل على إستراتيجية التوسع والمنافسة فقام بالاستحواذ على شركة منافسة لتصنيع الفضيات وأطلق منتجات جديدة بتصاميم تواكب العصر. وفي عام 1898 جهزت «كريستوفل» فندق الريتز الفرنسي الفاخر بجميع المستلزمات من الفضة وهي لا تزال حتى اليوم علامة الفضة الأولى في سلسلة فنادق الريتز المنتشرة حول العالم.

مورّ.د السلاطين
منذ انطلاقتها عرفت «كريستوفل» على أنها المورّ.د الأول لقصور الملوك والسلاطين. وهي تحكي في تركيا قصة تاريخ عمره قرن ونصف القرن بدأت مع زيارة السلطان العثماني عبد العزيز إلى مدينة تولون الفرنسية في عام 1855 وزيارته إلى أحد معارض كريستوفل بهدف شراء جهاز لابنته من الفضة الخالصة. ومن كثرة إعجابه بالمعروضات طلب السلطان عبد العزيز مجموعة خاصة من القطع التي نقش عليها رمز السلطنة، إضافة إلى تماثيل وقطع فنية لا تزال لغاية اليوم جزءاً من الحضارة وتاريخ تركيا، وهي موجودة اليوم في المتاحف التركية كقطع أثرية لا تقدر بثمن. وكان السلطان العثماني قد طلب بفتح متاجر لكريستوفل في كل من اسطنبول وبيروت وكان له ما طلب في بداية القرن العشرين. ولا تزال كريستوفل حتى اليوم تقليداً في تركيا وخصوصاً الإقبال الشديد على أدوات تناول الشاي المصنوعة من الفضة ماركة «كريستوفل» التي يتباهى بها من يقتنيها. ولا تزال حتى اليوم متاجر كريستوفل في اسطنبول وأنقره تشهد إقبالاً كبيراً وتحقق مبيعات مميزة.

الرصاص خفّت بريق الفضة
كان لصوت الرصاص والقنابل أبلغ الأثر على علامة كريستوفل حيث كان يخفت بريقها عندما تندلع الحروب العالمية. ولكن على الرغم من ذلك إذ استمر الإبداع فقد عمدت كريستوفل إلى إطلاق خط الأزرار الفضية والمذهبة والنجوم والأوسمة التي كانت تعلق على بزات الضباط الفرنسيين والإيطاليين الذين كانوا يحبون الظهور وسط طبقتهم الأرستقراطية بمظهر الثراء. كما جهزت «كريستوفل» الباخرة الفرنسية «نورماندي» في عام 1935 في المحيط الأطلسي. ثم جهزت الطائرات الرئاسية الفرنسية بجميع اللوازم الفضية بطلب خاص ورسمي من الجنرال ديغول. واستمرت «كريستوفل» في زمن الأزمات بالعمل بصمت على الرغم من انفجار القنابل تحضيراً لعصر الازدهار. ولكن لا شك في أن هذه الأزمات انعكست سلباً على مسيرتها العالمية بسبب ما أودت إليه الحروب من دمار للدول وافقار للشعوب والتحول الكبير في طبقات البرجوازية خصوصاً بعد انهيار الإمبراطوريات الكبيرة.
في مصر خلال عام 1950 افتتح الملك المصري فاروق الأول مستشفى هليوبوليس الذي كان مستشفى ملكيا وقد جهز بأدوات الطعام الخاصة بالمرضى التي تم صنعها من الفضة من ماركة كريستوفل. ولا تزال بعض القطع من تلك اللوازم معروضة في واجهة زجاجية موجودة في بهو المستشفى.

علامة متجددة
في بداية التسعينات تعرضت «كريستوفل» لنكسة مالية كبيرة وخفت صيتها، خصوصاً بعد الركود الاقتصادي الذي ضرب العالم. ولكن مع وصول المدير الحالي موريزيو بورتيلي وهو من الجيل الخامس لأسرة «كريستوفل»، استعادت العلامة أنفاسها وجددت شبابها عن عمر ناهز مائة وثمانين عاماً، خصوصاً بعد إعادة هيكلة الشركة واطلاق منتجات جديدة بأسعار ديموقراطية بهدف مواجهة المنافسة التي نشأت خصوصاً من قبل علامة تيفاني للفضيات. كما عملت على التنويع في المنتجات بما فيها إطلاق المجوهرات وساعات اليد التي لقيت نجاحاً كبيراً. وسوقت «كريستوفل» لمصطلح «هوت اورفيفريري» إلى قاموس صناعة الفضة تيمناً بمصطلح هوت كوتير الذي يستخدم لتصاميم الملابس الفاخرة.

إبداع يدوي
تنفذ «كريستوفل» في ورش «هوت ارفيفريري» عمليات الإنتاج التقليدية يدوياً وذلك لإعطاء القطع المصنوعة دقة وقيمة أكبر. ويقوم بالعمل فريق متخصص يمتلك خبرة طويلة في التصميم، على رأسهم كريستيان لاكروا والمصمم ريتشارد هاتن الذي يضفي أسلوبه الخاص على مجموعة حملت اسم Atomes dargent تجمع بين ثراء الماركة والمادة. وقد أطلقت في حفل خاص أقيم في إيطاليا ونالت المرتبة الأولى بحسب تصنيف مجلة بزنس ويك بين القطع الأكثر ابداعاً في التصميم.ويقول هاتن أن عمله الأول في الفضة مع «كريستوفل» التي يأتي اسمها قبل اسم المصمم عكس العلامات الأخرى التي يتصدر اسم المصمم في البداية. وفي نهاية التسعينات تحولت ملكية علامة كريستوفل إلى شركة خاصة تعنى بتجديد العلامات التجارية ومقرها في لوكسمبورغ. ومنذ بداية الألفية الثالثة تتعاون «كريستوفل» مع دار الأزياء كريستيان ديور في تصميم مجموعة من الإكسسوارات الخاصة.

تواريخ رئيسية
1830 إطلاق منتجات كريستوفل لأطقم المائدة والمطبخ من الفضة.
1842 تطوير العمل بعد الحصول على تقنيات طلاء الفضة.
1854 اطلاق خط التماثيل الفضية واكسسوارات الديكور.
1900 افتتاح متاجر كريستوفل في بيروت واسطنبول.
1990 كريستوفل تصاب بأزمة مالية ويخفت بريقها.
2000 شباب متجدد بعد عمر 170 عاماً.

إصدارات محدودة حفاظاً على البرستيج
تقوم «كريستوفل» بإعادة إطلاق مجموعة من التصاميم القديمة التي نالت شهرة كبيرة مثل طقم القهوة «سيغوني» الذي يعود تصميمه إلى عام 1926 وتم إصدار كمية محدودة منها تقدر بنحو 50 قطعة وتحمل أرقاما تسلسلية. إضافة إلى مجموعة «جيومتري» التي صممت في حقبة السبعينات من القرن الماضي.
كما طرحت «كريستوفل» مجموعة من أطقم المائدة من الشوك والسكاكين والملاعق من الفضة المرصعة بقطع الماس لتزيد المناسبات الخاصة فخامةً وترفاً. وقد استغرق العمل على المجموعة نحو ستة أشهر ويقدر سعر القطعة الواحدة بـ 4400 دولار، أما الطقم كاملاً فهو مؤلف من 48 قطعة ويقدر ثمنه بنحو 200 ألف دولار. لتحل محل ملعقة الذهب ملعقة الماس والفضة.

في 130 دولة
اليوم تنتشر «كريستوفل» في أكثر من 130 دولة حول العالم في 75 متجرا خاصا بها إضافة إلى نحو 500 محل موزعة على أفخم مراكز التسوق الراقية في العالم مثل هارودز وفيفث أفنيوز. وهي تعتبر هدفاً للاقتناء خصوصاً كهدية زفاف أو جهاز عروس.

أبو النجاح
ولد تشارلز كريستوفل في مدينة ليون الفرنسية عام 1805 في عائلة تعمل في الفضة والحرير. تلقى تعليمه في باريس وانصرف للعمل في متجر المجوهرات الذي تملكه العائلة. عام 1830 أسس أعماله على نطاق واسع وأطلق علامة كريستوفل بعد أن حصل على حقوق حصرية في تصنيع الفضة وفق طريقة مبتكرة. لقب بصانع فضة الملوك ومورّد السلاطين وقد منحه نابليون الثالث وسام شرف من رتبة ضابط. انتشرت علامته في قصور الأثرياء وعلى موائدهم. توفي عام 1863 لتكمل بعده «كريستوفل» في عالم الفخامة والترف على الرغم من تغير الإمبراطوريات. إلا أن القصور الفخمة لا تزال تحكي في زواياها حكاية رجل مبدع.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy