• ×

11:06 صباحًا , الثلاثاء 7 يوليو 2020

قائمة

انها كلمات فيها العلاج والشفاء

 0  0  838
الجريدة 
ليس من السهل دائمًا التكلم عن المعاناة النفسية، مع ذلك، يشكل الكلام طريقة فاعلة تضعنا على مسافة من الصدمات والعقبات النفسية، فالتكلم عن الضعف وسماع كلام الآخرين هما مرحلة أساسية باتجاه التقبل التام للذات.
منذ الطفولة، نبني هويتنا من خلال تعلم التكلم، وشيئًا فشيئًا نبدأ الرد على الوالدين. ننمي نفسيتنا بتعقيداتها كافة من خلال لعبة الحوار مع الآخر. هذا الكلام المليء بالمعاني والرموز الذي يُسمع منذ اللحظات الأولى في حياتنا، يجعل منا كائنًا بشريًا، فالكلام هو نحات حياتنا، من خلال إقامة علاقة مع حديث الآخرين نؤكد وجودنا.
أما اختيار الكلمات والطريقة التي نقولها بها فيظهران شخصيتنا ويساعداننا على إيجاد موقعنا في العالم. عندما نبادر إلى التكلم، يكشف الكلام عالمنا الشخصي ورمز تفسيرنا للعالم الواقعي. في ظل لغة مشتركة، ينسب كل منا إلى الكلمات رموزًا ونوايا مختلفة، حسب ما يمليه اللاوعي والقيم التي يكتسبها من التربية. لذلك، يشكل كلامنا عنصرًا أساسيًا في هويتنا، وهو وسيلة للتعبير ولفهم من نحن. لكن، يعبر الأشخاص الخجولون أيضًا عن شخصيتهم لأن ما يكشف عن صدق الشخص لا يتمثل بكمية الكلام الذي يتفوه به بل بمضمونه العاطفي. ويجب ألا ننسى أن الكلام قد يشكل وسيلة لإخفاء المشاعر والهروب من العلاقات الحقيقية. يُشار إلى أن السكوت ضروري بقدر الكلام لأنه وسيلة للتعبير أيضاً، لكن تتمثل الخطورة في مواجهة المعاناة الداخلية من دون التعبير والانغلاق على الذات ببساطة.
أوجاع لا يمكننا التعبير عنها
نواجه أحيانًا معاناة لا يمكن التعبير عنها أو تجارب تبدو مستعصية فعلاً لدرجة نعجز عن مشاركتها مع الآخرين. مثلاً، عندما نخسر ولدًا أو نتعرض لمرض عضال، يتركنا ظلم الحياة من دون صوت وبلا ملاذ، ويقتصر التواصل مع الآخرين على النظرات والإيماءات. لكن يجب ألا نعجل الكلام الذي يصف معاناة مرتبطة بالجسد وتشكل جزءًا لا يتجزأ من الأنا، وقد نندم على كلام متهور لأنه لا يكون بالضرورة مؤكدًا.
بعد التعرض لصدمة، كالاعتداء الجنسي مثلاً، غالبًا ما يكون الكلام في هذا الموضوع من المحرمات، وللكشف عن المستور يجب الشعور بالضرورة لذلك. قد يتطلب ذلك وقتاً أحيانًا ما يضر في احتمالات متابعة المجرمين في القضاء، لكنها حقيقة نفسية، إذ يحتاج الكلام أحيانًا إلى إعادة تطويع، لذلك، يجب أولاً استعادة الثقة في النفس وفي الآخرين.
عندما تكون العقبات النفسية معقدة، قد تدفعنا العوارض الجسدية إلى التعرف إلى المعاناة النفسية. فحين لا نجرؤ على التكلم عن معاناتنا النفسية، يعبر الجسد عن الحالة من خلال لغة الجسد أو إشارة تحذير طبيعي تثير الكلام فنعبر عما يختلج في قلوبنا. في الواقع، التعبير عن الألم المعنوي من خلال الكلام ضروري لاستعادة حالتنا الطبيعية، لكن علينا أن نعرف إلى من نفصح عن مشاعرنا.
مسألة التكلم مع الآخر
من شأن التكلم مع شخص قريب أو الاستماع إليه أن يريحنا على الفور، لكن يجب أن ننتبه إلى اختيارنا لمحاورنا لأن قدرة الكلام هي سيف ذو حدين. عندما تضعفنا المعاناة النفسية، يمكن لأي كلمة في غير مكانها أن تسيء إلى حالتنا، أن تدمر انسانًا من خلال الإهانة والاحتقار والإذلال، كلها أعمال عنف رمزية تمثل الكرامة والمسؤولية والهوية، أي الشعور بالذات وبقيمتها ووجودها.
في الواقع، قد تؤثر السخرية المتكررة من صفة جسدية في الطفولة في الشخص المعني وتخفي لمدى الحياة السمات الخارجية للنجاح وتقدير الآخرين. في أغلب الأوقات، نقيّم طبيعيًا قدرة الكلام التفاعلية ونخاطر بالتحدث إلى أي كان. الأصدقاء والأقارب هم أول من نلجأ إليهم لأنهم يعرفون كيف يستمعون إلينا بلطف وتعاطف من دون الحكم علينا.
غير أن مصدر المعاناة مرتبط بعلاقات محددة بالمقربين منا، ويصبح من المستحيل، إذًا، الشعور بالراحة ونحن نكلمهم. هنا يأتي دور المحلل أو المعالج النفسي، فصفته الحيادية تؤمن احتمال التعبير من خلال كلام يحررنا فعلاً مما يكبلنا.
تسمية المعاناة
من الضروري أحيانًا تناول أدوية مضادة للاكتئاب للتخلص من عوارض كأزمة القلق، لكن أسباب المعاناة النفسية الدفينة تعالج من خلال التحليل النفسي، بالتالي من خلال الكلام. يتمثل الهدف في التوصل إلى تسمية الألم وفهم مصدره، والنأي عنه للنظر إليه بطريقة مختلفة وأكثر موضوعية.
يساعد ذلك أيضًا على التقليل من أهمية الأفكار التي كنا نعتبرها نهائية ولا رجوع عنها أبدًا، فندرك مثلاً أننا لم نعد غير قادرين على النجاح خلافًا لما رددنا من دون كلل أو ملل في طفولتنا، فالتعبير عن المعاناة من خلال الكلام هو عملية فعلية باتجاه استعادة التوازن المفقود.
أسئلة
لماذا يصعب علينا أحيانًا أن نسر للآخرين بمشاكلنا؟
في القديم، كان الإنسان يولد ويعيش ويموت في المكان نفسه، أما اليوم، فلم نعد نسرّ للآخرين بما نشعر به، لأن الدائرة الشخصية تميل إلى الاختفاء من حياتنا، حتى إننا نرى أناساً يمرون مباشرة من الخاص إلى العام في برامج متلفزة، إلا أننا نعرف أنه بهدف الشعور بالراحة يجب أن نتكلم مع شخص نثق به.
لماذا نحن بحاجة إلى حيادية المحلل النفسي للعمل على معاناة نفسية دفينة؟
لأن الشفاء يتطلب عملية طويلة من تفعيل اللاوعي وليس حل مشكلة محددة لا غير. لا يجب، بأي شكل من الأشكال، أن يحلّ المحلل النفسي محل المريض، بل عليه مساعدته على إيجاد طريقه من دون المشاركة في قراراته، خلافًا لما يميل الأصدقاء إلى فعله.
كيف يكون كلام الآخرين خطيرًا؟
ثمة كلمات نتفوه بها وهي قاتلة! غالبًا ما نصادف أناسًا ننسب إليهم أهمية كبيرة، خصوصاً الأهل والأقارب. بالتالي، المجاملات والتوبيخات التي يوجهونها إلينا تترك فينا معاني رمزية كبيرة، وعندما يحرك أحد هذه المعاني في حياتنا اليومية نستعيد جرحنا الأولي.
هل يمكن للكلمات أن تشفينا؟
أجل لأنها تحمل تأثير التنوير. يجب أن نسمع أحدًا يكشف لنا سبب معاناتنا لتصبح واضحة بالنسبة إلينا. بهذه الطريقة، نقلل من الأهمية التي نسبناها إلى الواقع أو الخيال الذي طبع نفسيتنا. كثيرات هن النساء اللواتي يعانين لأنهن يشعرن بأنهن قبيحات، في حين أنهن جميلات فعلاً، ذلك أنهن في طفولتهن تأثرن بكلام والدتهن أو أحد غيرها. في الواقع، من خلال العودة إلى مصدر هذا الجرح، يدركن ألا أساس لمخاوفهن ويتحررن من عقباتهن النفسية.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy