• ×

02:34 صباحًا , الأربعاء 16 أكتوبر 2019

قائمة

عَروس المَطر

 1  0  697
الجريدة 
العماءُ يتقوّض/ الحضور جنين
عندما فتحت الباب كانت رائحة الشقة تشبه رائحة السردين، رغم أنني وشقيقي، لا نحب السردين ولا نأكله
كانت ملابسنا المغسولة حديثًا منشورة على الأرائك، وقد تُركت وحدة التكييف مفتوحة لتساعد في تجفيفها، والبطانية الزرقاء المهترئة مرمية على الأرض مع وسادتين، وعلبة بسكويت صفراء، ورقائق بطاطا شيبس متكسرة، وتل من الأقراص المضغوطة، وكثيرٌ من الأسلاك المتشابكة وقد تكدّس الغبار في الفراغات بينها: غبارٌ اسفنجي تحوّل إلى ندف لفرط ما نسج حضوره حول نفسه كانت شاشة التلفزيون مضاءة وعليها صورة مجمّدة لسيارة سباق تقطع شارعًا
واضحٌ أن «أسامة» كان هنا
شمّرت عن ساعديّ، أردت- للحظة- أن أرتب الفوضى، أن أقشع الرطوبة عن وجه المكان، والهواء الآسنُ القديم، ورائحة الخلّ ورقائق البطاطا و أردتُ أن أغيّر ما ينبغي أن يتغيّر، بدا كل شيءٍ وكأنه يطفرُ من جسده ويعومُ في الفراغ بفوضى، ماهيات تتداخل بمياعة وتتجرأ على بعضها، تذوّب حضورها في كلانية شرهة تغمر المكان، كان ينبغي أن أتدخّل! هكذا خيّل إلي.. ولعلي لم أفكّر بالأمر حقيقة، وامتثلتُ لما بدا لي (أو لم يبدُ) أمرًا محتومًا، ما حدث ببساطة- في لحظة القرار بعينها- هو أنني أحبطتُ، ربما من ألوان الأثاث، الحمراء بقسوة، ربما من لون ساعديّ، الأصفر بشراهة كان كلّ شيء بلا معنى. رميت بجسدي- دفعة واحدة- على الأريكة، تمددت فوق الملابس الباردة، أتنشق رائحة مساحيق الغسيل وأغمض
أين أسامة الآن؟
إنه- في أحسنِ حالاته- إذا أراد أن يكون ذا فائدة، فإنه يكفّ عن التواجد، يتركُ المكان يئنّ تحت قسرية التداخلُ الهمجيّ بين مفرداته، بين رقائق البطاطا وعلب البسكويت وتلال الأقراص المضغوطة و الرائحة، رائحة السردين من أين تجيء؟
أنا وحدي، وحدي تمامًا، لا أحد يستطيع تغيير حقيقةٍ كهذه، وحدي مثل خديج عثر عليه في صرّة ملابس، خديج نسيت اللقائق أن تأخذه إلى أم، أو لم ترغب بذلك أصلاً، وحدي، وسط كومة ملابس، ملابس في كلّ مكان، من فوقي ومن تحتي، وعن يميني وعن شمالي كم سيستغرقني الأمر لكي ألملم ملامح المكان، وأعيد له وجهه؟
اللقالق لم تمرّ من هنا
فقد كبرتُ.
أغطي عينيّ بساعدي، ينبغي أن تكفّ الألوان عن الحضور، والروائح المشبوهة لمساحيق الغسيل الحزينة وعلب السردين ورائحة الخلّ والملح والبطاطا وكأن كلّ شيء يتحرّك في هذا العالم إلا أنا!
ربما ينبغي أن يكفّ العالم عن الحضور، ينبغي أن تضمر ملامح الأشياء، كل هذه الألوان والروائح والمهام التي ينبغي فعلها ليتها تنقرض، تنقرض لبعض الوقت رفقًا بي وبكل العاجزين عن المواكبة، عن الاتساق، العاجزين عن تبرير وجودهم على أدمة العالم مثل بثرةٍ متقيّحة، قليلٌ من الانقراض النبيل، وكثيرٌ من البياض، السطور الفارغة، الإنصات و
هناك أستطيع أن أفكّر أقلّ، أغمض أكثر، وأتركُ العالم يرحلُ بدوني.
«أسّوم»
يناديني «أسّوم» لأنني «أسماء»، وأناديه «أسّوم» لأنه «أسامة»، ونحن- كما يقال- توأم: لا نتشابه، هو- مثلاً- يحب اسمه، وأنا أرى بأنه من قبيل التعسف، والظلم، أن يكون اسمي «أسماء»، هكذا فقط: أسماء! ولا أستطيع أن أبرز- على أي صعيد- هذا الإرهاب الذي نقترفه بشكل عشوائي، عندما نسمي الأشياء، ونضيف- بمزاجنا الخاص- كلمة «بأسمائها»، عندما نجرها كالأكباشِ المرعوبةِ، خارج الهيولى، لتحضر في التجربة، وما بعدها، ونزجها في التفرقة الكونيّة، لتخضع للناموس، وتمثل للقسطاس، فتروج كلمات متألّهة، كلمات مغرورة ومتعالية، كلمات مثل (أفضل/أسوأ)، (أجمل/أقبح)
لا تعرفُ الأشياء لماذا هي أقل أو أكثر، لا تعرف ذلك إلا إذا سمّيناها، الأشياء تبقى سعيدة ما لم نخرجها من هيولى الحياد، ونقذف بها في جحيم الانحياز، حيث لا تعودُ الأرض مسطحة، ولا الأشياء صديقة الأشياء، وتتراتب ملامح الكونِ في طبقية سافرة
إننا نسقطُ عدواننا على الأشياء، نجعلها- هي الأخرى- مكرهة على التواجد، على حمل رسالةٍ أبتها السماء، والأرض، وحملها الإنسان، إنه كان
ربما نحاولُ أن نعبّر عن رعبنا؟
هل الأسماء إرادة متجلية أم مجرد هرطقة؟
الأكيد، أن لا أحد يريدُ اسمًا بهذه المياعة وهذه الحتمية، اسمٌ يتأرجح بين هاجس الظهور وجنة الغياب، اسمٍ متردّد، مشاع، يمكنُ أن يكون أي شيء بطول المسافة الفاصلة بين الوردة والجيفة، بين القلق والتابوت، بين الأمير والضفدع، بين الأغنية والدمعة، يمكنني أن أكون كل شيء، بل أنا في الحقيقة كلّ شيء، ولفرطِ اتساعي وقدرتي على مزاحمة أي اسمٍ على إسمه فأنا ما أزال، أمامي، غير مرئية، غير معروفة، مثل كتلة مائعة من الهلام..
عندما تكدّسنا، أنا وشقيقي، في بطنٍ واحد، أرادوا لنا اسمين متقاربين لأن موضة التوائم تقتضي ذلك، لأننا سنعرض- لاحقًا- على العالم بصفتنا مفردتين في عبارةٍ واحدة، فنجانين من طقمٍ واحد، بصفتنا معجزة التشابه والاختلاف، والتجلي الأليف لقدرة الخالق، وخصوبة الطبيعة، لأننا نذكرهم بالآياتِ الداعية إلى التدبّر، وبالبرامج العلمية على قناة «ديسكوفري»، لأننا- ببساطة شديدة- موضوع حسن السّمعة!
كانت أمي في شهرها السادس عندما عرفت بأن في بطنها توأم، وقد فوجئت بالخبر يجيء متأخرًا لأنني كنتُ- حسب ما قالت- مختبئة خلفه، لم ينتبه لي أحد، لم أنتبه لأحد، لم يرغب بي أو أرغب بأحد، كنتُ خلفه، عرفوا بأمري لأن قدمًا ثالثة ظهرت على شاشة «السونار»، منذها وهما يبحثان عن اسمين متشابهين، ولكن ما حدث، بعد أن مددوني إلى جانبه في جناح المواليد، هو أنهما عرفا- بما يكفي من الرّعب- كم نحن لا نتشابه، كان كل ما فيه ينبئ بإمكانيةٍ فارهة للوسامة، وكلّ ما فيّ يشي بالنقيض، كنتُ زرقاء، مشعرة، بعينين جاحظتين وذقنٍ مدقوقة
وهكذا، سيداتي سادتي! كان هو أسامة الهصور، وكنتُ أنا الشيء الذي هو- لفرط دمامته- تصعب تسميته، كنتُ «أسماء».
- أسّوم؟!
- هااااااااااه
- قوميْ!
كان متربعًا، فوق البطانية الزرقاء البغيضة، يلعب الـ «بلي ستيشن»، يمضغ بسكويتة، هل غفوتُ؟ أتساءلُ و
- أسّوووم!
- شنو؟
- يوعاااان!
- أسامة ترى مالي خلق..
خدي الأيمن متعرّق، عليه آثار مطبوعة لكومة الملابس التي تمددت عليها، يحكني/ أدعكه..
- قوميْ، ليش نايمة ع الهدوم؟
أدعكُ عينيّ:
- ريحتها حـلوة!
يضحك، السيارة في الشاشة تنحرف عن الشارع، تحمرّ أذناه: «يا حماااااار لاااا!»، من تراه يشتم؟ يرمي بعصا التحكم من يده، يضربُ اللعبة بقبضته، تهتزّ الشاشة على التلفزيون، يعيد الكرة «غبي!»
أيّنا؟
ثقيلة مثل كيسٍ من الملح، عوالمي تتساقط، أنا يقظة- الآن- وهذا ليس جيدًا، أفركُ وجهي، أقرفص فوق الثياب، برأسٍ متدلية، مثل جوربٍ على حبل غسيلْ.
- رحتي حق أبلة حصة؟
- إيه
- شقالت؟
- قالت لأ
- أفا!
- بروح لها مرة ثانية.
وأتثاءب
- خلك منها «أسّوم» أنا كلي لك!
- شبي فيك؟
- والله أنا شخصية عظيمة.
- شفيك زود بالله؟
- خفيف دم، وسيم، وقلبي طيّب..
- وتقدّر الحياة الزوجية؟!
يضحك/ أتثاءب/ أسأله ينظر إلى ساعته «الكاسيو» المشدودة إلى معصمه الأيسر، يخبرني:
- الساعة أربع العصرْ.
- والله؟
- طبعًا ما سويتي غدا؟
- نطلب بيتزا.
وأنهض، ركبي متيبّسة، أسمع طقطقات عظامي فيما أنتصبُ، أنتصبُ بقدر ما تستطيعه الروح المأزومة في الجسد المأزوم، ألقي نظرة على المكان من حولي، أتفقد الوجه الذي أعرف وأرهب، إنه هو، وكما يبدو دائمًا، المكان المفضل للأشياء عديمة القيمة، والروائح الغريبة، والأفكار الشاذة، والوحدة، إنه المكان «الآخر»، أو هو ببساطة- المكان، حيثُ يتكثف الزمنُ ويكفّ عن المضيّ وتُتْرَك الأرواح معلّقة على المشاجِبِ لتهترئ، ورغم كل ما تحاول الفوضى أن تشي به من حياة، إلا أنها لم تزد المكانِ إلا موتًا
الفوضى فضيحة المكان، الفوضى تقول أشياء لا يجدر بها قولها، أشياء يتغاضى الناس عن قولها في سبيل أن يكونوا لطفاء، مثل أنني أغدو في كلّ يومٍ أكثر تآكلاً، مثل أن المكان مفرّغ من الرغبة، أي ذرة من الرغبة بأي شيء، أي شيءٍ من شأنه أن يجعل مسألة تنظيف الأرض وغسل الصحون أكثر منطقية، الفوضى هنا تقول بأن الحياة عديمة المعنى، والطعم، والرائحة الفوضى هنا تقول بأنني غير سعيدة.
عندما أغسل وجهي لا أنظر في المرآة، أعرفُ كم أنا صفراء! أتركه/ رأسي متدليًا أسفل الصنبور، أدعكه و
شيءٌ ما ينبغي أن يتغيّر في حياتي، شيءٌ ما ذقني مثلاً أو
- شتسوين؟
إنه يتبعني، يتبعني مثل طفلي!
- يا أخي ما في شوية خصوصية بهالبيت؟
- أسّوم خليني أغسل لك شعرك!
ويحبني مثل أمّي!
- تعال
لماذا هو سعيدٌ دائمًا؟ سعيد لدرجة الإزعاج! حتى الطريقة التي يمسك بها بعلبة الشامبو، يضغطها، الطريقة التي يتأمل بها السائل الشاحب الكثيف يتجمّع في راحتيه، الطريقة التي يدعك بها شعري، الطريقة التي تفوحُ بفرحٍ غريب، غير مبرر، فرح شاذ، وكأنه كفّ منذ مدة عن أن يكون بشرًا!
- أسّوم شعرك طال.
- بقصّه.
- لا لا خلّيه، حلو!
- مالي خلق أمشطه.
- خليه، أنا أمشطه بس خلّيه.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 1 )

  • #1
    بواسطة : mido elgemazy
    09-02-2012 05:36 صباحًا
    ممتاز مهود رائع شكرااا
تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 1 )

  • #1
    بواسطة : mido elgemazy
    09-02-2012 05:36 صباحًا
    ممتاز مهود رائع شكرااا

Privacy Policy