• ×

11:26 مساءً , الأحد 29 نوفمبر 2020

قائمة

جنيفر شديد بعد التفجير الإرهابي في الأشرفيه لبنان

 0  0  2.7K
لها 











كأنها كائنة أسطورية. الطفلة جنيفر شديد (10 سنوات) نهضت من تحت الركام كأغنية وطنية بيروتية وفتحت عينيها. حين برزت صورتها على موقع مجلة Paris Match الفرنسية (التقطها المصور الفوتوغرافي حسن شعبان) بدت وكأنها جثة دم هامدة وصامتة . جسمها الصغير ممزق وتسريحة شعرها المدرسية ممهورة بالزجاج. رغم الجروح والخدوش والألم خرجت من إطار الموت الذي أودى بالشهيد اللواء وسام الحسن في تفجير منطقة الأشرفية الإرهابي.

لا تزال الطفلة اللبنانية جنيفر شديد ترقد في المستشفى اللبناني الكندي حيث تتماثل للشفاء. "لها" التقت طبيبها الدكتور أنطوان يونان وووالدتها ومنقذتها، شقيقتها جوزيان.



الدكتور أنطوان يونان: جروح جنيفر أعادتني عشرين عاماً إلى الوراء

بدا الدكتور أنطوان يونان (جراحة عامة) متفائلاً: "ستترك جنيفر غرفة العناية المركزة غداً، هي في حالة جيدة ومستقرة الآن". يصف حالتها المأسوية يوم انفجار الأشرفية: "كانت مشظاة من رأسها حتى أحمض قدميها يوم الإنفجار. لقد أصيبت بـ30 شظية في رأسها، اثنتان منها وصلتا إلى منطقة الدماغ وأحدثتا نزفاً طفيفاً وخمسة جروح في وجهها. كانت خمسة أوتار من يدها اليمنى مقطعة، عالجنا الأمر وباتت تحرك أصابعها. حركتها طبيعية". نجت جنيفر بأعجوبة هذا ما يعبر عنه ذهول الطبيب: "حالتها كانت خطيرة. النسبة المئوية لحجم خلايا الدم الحمراء (Hematocrit) كانت منخفضة (19) بينما المعدّل لدى الأطفال يتراوح بين 35و40". يضيف الدكتور يونان مستعيداً أرشيفه المثقل بالجراح والموت: "جراح جنيفر أعادتني عشرين عاماً إلى الوراء وتحديداً أيام الحرب اللبنانية. بدأت أزاول المهنة عام 1983. مضى طويلاً ولم أعاين حالة مشابهة لجنيفر أو في جسمها 560 غرزة". وبعيداً عن لغة الطب والمفردات العالمية يلفت: "إيمان هذه الطفلة كبير. هي دائمة الصلاة. لقد استدعت حالتها جهود أربعة جراحين، عظم وتجميل ورأس وجراحة عامة".

بين أرجاء طابق غرف العناية المركزة، ذهاباً وإياباً كانت حركة والدتها السيّدة نسرين وشقيقتها جوزيان التي تتنقل على كرسي متحرك، هي أيضاً تعرّضت لإصابة مباشرة نتيجة قوة الانفجار وانهيار زجاج المنزل وأثاثه عليها. تسكن العائلة حالياً في فندق"بادوفا" المجاور للمستشفى.


باتت "أم جنيفر" رغم أنها طفلتها الصغرى

"لا أريد سرد تفاصيل ذاك النهار مجدداً. لا أرغب في استعادته"، تقول والدة جنيفر، والدة جوزيان أيضاً. هي باتت "أم جنيفر" رغم أنها طفلتها الصغرى لكن حجم المأساة يجعلها تلقّب باسم ابنتها الصغرى. هي أم شابة وطيبة تعمل حاضنة. يوم الحادث كانت في دوام العمل، تحتضن طفلة لم تكمل عامها الأول. لا تروي السيّدة نسرين الحادث بالتراتب الزمني، تستبق الأمور وتخلطها وتخفقها تماماً كتفاصيل شارع الأشرفية الذي أمسى ركاماً. تقول: "لقد ركنت السيارة المفخخة تحت المبنى الذي نسكنه! كنت في منطقة الحمرا". نكات كثيرة رغم الجراح أطلقت تحديداً عن أسلوب ركن "سيارة الموت". فلبنان المعروف بازدحامه في قلب النهار وصعوبة العثور على مكان لركن سيارة، طبع الجريمة بتساؤل ساخر: "بالتأكيد ركن المجرم السيارة في اليوم السابق". لا تكف "أم جنيفر" عن الصمت، عيناها دامعتان، تترقب أن تناديها جنيفر. عرفت بالانفجار عبر رسالة الإلكترونية: "نسرين تفقّدي طفلتيك. وقع انفجار في الأشرفية". من كان المرسل: "لم أتنبه. حاولت الإتصال بهاتف المنزل لم استطع. وبدأت الشكوك تساورني وتخطف أنفاسي". وصل أهل الطفلة التي تحتضنها، رأت الوالدة صورة جنيفر المدماة على التلفزيون لكنها لم تخبر الأم المصابة بقلق. كان منشغلة بطلب إذن الخروج. حين استطاعت التحرّر من واجبها كان يدور في رأسها سيناريو وحيد: "حدث الانفجار بالتوقيت مع موعد خروج جنيفر من المدرسة". مشت كثيراً حتى أوقفت سيارة أجرة، "استغلني السائق وطالبني بمبلغ كبير. لم أقو على الجدال. أعطيته ما طلب. وترجلت من السيارة على مسافة بعيدة من المنزل. كانت المنطقة معزولة ومطوقة. مشيت كثيراً وكنت كأنني ثابتة مكاني مهما تقدّمت". وصلت إلى مكان الحادث وكان المشهد خراباً: "وجدت Converse (حذاء) ابنتي على الأرض ملطخاً بالدم". توقفت "أم جنيفر" عن الكلام وفقدت رغبتها في المواصلة. في تلك اللحظات قدم إليها أحدهم يخبرها بأن جنيفر تطلب رؤيتها. تختم بهذه الكلمات المؤثرة: "حين وصلت إلى المستشفى ورأيت جسم جنيفر الملفوف بالأبيض تخيّلته كفناً وأنني خسرتها لكنني شعرت بأنفاسها"، ثم هرعت مسرعة إلى غرفة العناية المركزة. فكان دور جوزيان في إكمال القصة.

ماذا فعلت جوزيان ابنة السبعة عشر ربيعاً في ذاك اليوم ؟

قصة حياة وموت

جوزيان:"أسامح من اقترف هذه الجريمة"

صوتها الرقيق جُرح أيضاً، لكنها تكلمت. كانت مفاجِئة كبقائها على قيد الحياة. بادرت إلى القول: "أسامح من اقترف هذه الجريمة". كانت أكثر صلابة من والدتها. روت التفاصيل: "كنا في المنزل في الطبقة الخامسة من المبنى. كنا في غرفة واحدة، غرفة الجلوس بعد أن وصلت شقيقتي باكراً إلى المنزل. كان نهارها الأول مع باص المدرسة. كانت تسألني عما جهّزته لها من طعام. كنت قد أعددت لها طبق الفتوش ورقاقات بالجبن. ولم تكمل جملتها". كانت وجبة الغداء بمذاق الألم. "تعرضت وشقيقتي لمسّ كهربائي نتيجة الانفجار. تراكم الأثاث فوقنا. لم أكن أقوى على النهوض. فأنا أجريت لي عملية في ركبتي. لم أفقد وعيي نتيجة الإصابة. رفعت الخزانة عني لأتفقد شقيقتي وابن خالي الصغير الذي كان في المنزل. لم أجدها رغم أننا كنا في غرفة واحدة. كانت تسألني جنيفر كان الردم متواصل السقوط وكان ابن خالي مرتعباً ويقف في الممر المؤدي إلى الغرف الأخرى، كان سليماً ولم يتعرض لأي خدش.

وجدت جنيفر وكان جزء من السقف فوقها وجزء من الخرانة الخشبية المرصعة بالكريستال. كانت يداي مخضبتين بالدم. حاولت الإمساك بشقيقتي لكن أصابعي انزلقت. نظفت يديّ، كنت أمررهما على الحائط لإزالة الدماء. لم أقو على حملها. سحبتها حتى قدوم والدي. لقد ارتمى عليها ولم يتمالك الموقف. أبعدته عنها، ضربت والدي ليستعيد وعيه. وصلنا إلى الطابق الأول ولم تعد رجلاي تسعفانني. سقطت كأن أمري انتهى. لكنني عدت مجدداً إلى المنزل لإحضار ابن خالي. لم أكن أتساءل عن الانفجار بل همي الأول إنقاذ شقيقتي. تضيف بقوة متألمة: "رغم أن الأمر كان بمثابة حلم أقوى من الحقيقة وأكبر من أن يصدّق. ما زلنا أحياء وأشكر الله كل لحظة على الصباح الذي طلع علينا في اليوم التالي. أدعو بالرحمة لكل من سقط في هذا الإنفجار. وأشفق كثيراً على من اقترف هذا العمل الإرهابي. سأصلي له، أقدر على الصفح عنه لأنه بالتأكيد ليس في وعيه الكامل وفاقد لإنسانيته وإلاّ كان رأف بأحوالنا وبأطفال السياسي الذي اغتالوه. لن أنعته بالحيوان لأن الحيوان يملك الحكمة".

تتحضر جوزيان لدراسة اختصاص الإخراج والتمثيل. لكنها استبعدت أن تنقل هذه الصورة الدموية من أي شارع بيروتي، "لن أنقل صورة بشعة في لبنان وعنه يوماً. لا أريد أن يحتفظ أي مشاهد بهذه المأساة". أما جنيفر فتحلم بأن تصبح مصوّرة فوتوغرافية مشهورة. غالبية صور العائلة هي من التقطتها.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy