• ×

07:23 مساءً , الإثنين 6 يوليو 2020

قائمة

الجميل والمقدَّس لآنا ماري شيمل.. صورة وفيّة للشرق العربيّ المسلم

 0  0  2.7K
 

يقوم المترجم عقيل يوسف عيدان في مقدِّمة «الجميل والمقدّس» لـِ «آنا ماري» شيمل بتعريف الحضارة والثقافة والمقارنة بينهما، فالحضارة تشمل أنظمة الحكم وتطبيقها وكلّ ما يتعلّق بالحقوق التي تنصّ عليها النظم والتشريعات في سبيل صون كرامة الإنسان، إضافة إلى النشاط الفنّي الذي يظهر رقيّ المجتمعات، والنشاط العلمي الذي ينعكس إيجاباً على مستوى تيسير حياة الناس.

يرى عيدان أن الحضارة والثقافة تتقاطعان وتتداخلان في كثير من النقاط، غير أنّ الثقافة اليوم تعني المعرفة وما يهذّب النفس من أنواع الفكر والفنّ. تطوّر مفهوم الحضارة إلى أن بات يعني حركة المجتمع بكلّ تشعّباتها من لغة وأدب وفنّ وتقاليد... أمّا الثقافة فلا تتّسع دلاليًّا لما تتّسع له الحضارة لأنّها أضيق، فكلّ شعب هو بكلّ تأكيد ذو ثقافة، لكن ليس ضروريا أن يكون ذا حضارة، وثقافة شعب حيّ يمكن أن ترتقي إلى حضارة بينما ثقافات الشعوب البدائيّة تبقى ثقافات.

ثقافة المدن

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحضارة تشمل مظاهر التقدّم المادّي التي لا يمكن أن تشملها الثقافة. يشير المترجم إلى أنّ الثقافة في بدايات التاريخ كانت ثقافة مدن، منها ما انتشر وازدهر وأمسى حضارة مثل حضارة أثينا، وحريّ بالذكر أنّ ثقافة المدن سبقت زمنيًّا ثقافة الدول. يصل عيدان في عرضه إلى أنّ الثقافة العربيّة هي تراث تراكم على مدى أربعة عشر قرنًا أو خمسة عشر والغربيّون هم أوَّل من يشهد لشموليّة الثقافة العربيّة واتّساعها. استطاعت هذه الثقافة أن تتّسع لتصير حضارة وربّما الحضارة العربيّة الإسلاميّة هي «الصورة المشرقة لحضارة العالم في القرون الوسطى». يقدّم عيدان بطاقة تعريف بالمؤلّفة آنّا ماري شيمل معتبرًا إيّاها من أبرز المستشرقين الذين أعجبوا بالحضارة الإسلاميّة واحترموها وأدركوا أهدافها السامية ومقاصدها النبيلة.

كتاب «الجميل والمقدَّس» كناية عن ثلاثة أبحاث: «الجنينة... الأزهار والبساتين في حضارة المسلمين»، و«التشبيه بالحروف في الأدب الإسلامي» و«الباز الأشهب... ملاحظات على البيزرة في الشرق والغرب». في البحث الأوّل، عرضت شيمل تأثّر شعراء الغرب بجمال بساتين ممالك الإسلام، فها هو رلكه، الشاعر الألماني الكبير، يقول في إحدى قصائده: «غنّ يا قلبي جمال البساتين التي لا تعرفها... مياه أصفهان أو شيراز ووردهما»... وهذا التأثّر وليد الاطّلاع على التراث الأدبي العربي مثل «ألف ليلة وليلة»... ترى شيمل أنّ المسلمين أحبّوا البستان والأزهار لأنّهم آتون من أرض غلب عليها الحرّ والجفاف، وإذا كانت الأرض الجنينة تجلّيًا للنعم السماويّة فإنّ نِعَم الآخرة توصَّف بجنّة الخلود «جنَّة عالية قطوفها دانية»، ولحبّ الحدائق وزهورها خلفيّة دينيّة أيضًا، إذ إنّها ممّا يسبّح الله أيضًا، وفي هذا السياق يقول الشاعر التركي: «أمّا ورد الجنّة فرائحته هي الله».

وصف الحدائق

تفيد كتب التاريخ أنّ الخلفاء والسلاطين أنشأوا البساتين والحدائق الخلاّبة حيث المياه، وهذه الحدائق نالت نصيبها الواسع في الأدب العربي قبل أن تنتقل إلى الأدب الغربي. من الأبيات التي تنسب إلى أبي نواس في وصف الرياض: «فانثنينا إلى رياضِ عيونٍ / ناظراتٍ ما إن بهنّ احورارُ / ومكان الجفون منها ابيضاض / ومكان الأحداق منها اصفرارُ»... وممّا قاله الصنوبري في وصف حديقة له في حلب «والسّرو تحسبه العيون غوانيًا / قد شمّرتْ عن سوقها أثوابَها»...

لم يكن الزهر معروف الأنواع والعدد كثيرًا، فضّل الشعراء أزهارًا معيّنة، فالبنفسج مثلاً احتلّ منزلة مهمّة عندهم وعنه قيل: «فضْلُ دهن البنفسج على سائر الأدهان كفضل ولد عبد المطّلب على سائر قريش، وفضل البنفسج على سائر الزهور كفضل الإسلام على سائر الأديان». نقل روزبهان البقلي المتصوّف حديثًا شريفًا جاء فيه: «كلّما رأى الرسول صلّى الله عليه وسلّم وردًا قبَّله ووضعه على عينيه».

الحرف العربي

في الفصل الثاني «التشبيه بالحروف في الأدب الإسلامي»، تعرض شيمل حضور الحرف العربيّ في وجدان العرب الذين تفنّنوا في رسمه وجعلوه فنًّا واسعًا يتّسع للإبداع. كتب أحد شعراء تركيا الشعبيين قصيدة في القرن السادس عشر يقول فيها إن اسم حبيبته يرسمه المطر الهاطل والبطّ السابح والثلج المتساقط على الأرض، فحبيبته اسمها «ألف»، وكلّ خطّ مستقيم يراه اسمها. لا يمكن غضّ الطرف عن أنّ القرآن الكريم أشار بكثرة إلى الكتابة والقلم واللّوح المحفوظ، وهذا الكلام ترك أثره العميق في وجدان المسلمين. بالمفهوم الإسلامي، أنزل الله آياته مسطّرة بالحرف و«يُروى أن نبيّ الله سليمان عليه السلام سأل عفريتًا عن الكلام فقال: ريح لا يبقى، فما قيدُه؟ قال: الكتابة». افتخر بعض الملوك العرب والعجم بأنّهم نسخوا القرآن بأظرف خطّ... واعتبر بعض المتصوّفين وأهل المذهب الحروفيّ أن للحروف معاني تربطها بالذات الإلهيّة وتساهم في الكشف عن أسرار الكون. أخذ القلم والخطّ والكتابة حيّزًا كبيرًا من الشعر العربي والمسلم، فقال أحد الشعراء مجنّسًا باسم ابن مقلة: «وأجاد السطور في صفحة الخدّ / ولم لا يجيد وهو ابن مقلة» ويقول آخر: «تسلسل دمعي فوق خدّي أسطرًا / ولا عجبٌ من ذاك وهو ابن مقلة». عن التشبيه بالحرف قال ابن المعتزّ: «وكأنّ السقاة بين الندامى / ألفاتٌ على السطور قيامُ». قال الشيخ غالب: «وكلّما قرأ جيمًا دلّ ذلك على صدغها»...

تعرض الباحثة شيمل في الفصل الثالث «الباز الأشهب» تعلّق الشرق والغرب على حدّ سواء بطائر الباز ومختلف أنواع الصقور، وتذكر أنّ حبّ الجوارح من بزاة وصقور قد وصل إلى أوجّه في القرون الوسطى في جميع بلدان العالم حيث تنافس الملوك والأمراء مربّين البزاة ومهذّبين الشواهين، ولا يزال البعض حتى يومنا يصطاد بالصقر.

طالما تبادل الأمراء الجوارح في القرون الوسطى كهدايا استثنائيّة ذات قيمة عالية. وقد حظيت الجوارح بوصف رائع ودقيق ومفصّل في أدب العرب وتحديدًا الصقر. ممّا قيل في الباز «إن الصيد فيه طبيعة لأنّه يؤخذ من وكره فرخًا... فيصيد ابتداء وقريحة من غير تدريب بخلاف الصقر»... وقيل إنّ أوّل صيّاد بالبازي كان ملك الروم، وأوّل من صاد بالشاهين قسطنين ملك الروم. تسترسل صاحبة «الجميل والمقدّس» في سرد أخبار الأمم مع الجوارح وتربيتها والصيد بها ولم يفتها على جاري عادتها الاستشهاد بأبيات شعريّة ومرويّات تثبت موضوعها وتزيده جمالاً ومصداقيّة. صار الباز مثلاً كناية من كنايات العرب وقِبلة شعريّة، فقال أحد الشعراء العرب شاكيًا جفاء دهره: «وكلّ باز يمسّه هرمٌ / يجري على رأسه العصافير»، وقال آخر في شيخوخته: «وكنت كباز الجوّ قُصّ جناحُه / يرى حسراتٍ كلّما طار طائر»...

«الجميل والمقدّس» كتاب يضيء زوايا حضاريَّة في تاريخ العرب والمسلمين، وهو حجر في مدماك الحضارة والتواصل بين الشرق والغرب يثبت أنّ من المستشرقين من كانوا أوفياء لنقل صورة الشرق العربي المسلم أكثر من بعض العرب أنفسهم أحيانا.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy