• ×

05:04 صباحًا , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

الشاي العراقي سحر الطقوس وثراء التقاليد

 0  0  2.6K
 رغم أن علاقة العائلة العراقية بالشاي ليست قديمة العهد، إلا أنها ارتبطت به ارتباطا وثيقا، فغدا جزءا من حياتها وطقسا استثنائيا من طقوسها خاصة في الشتاء. فحين تطأ أقدام الضيف البيت العراقي يهرع احد ما لوضع الماء على النار وتُجهَز الاستكانات والقوري (ابريق الشاي) والسكر الموضوع في إناء خاص (الشكردان). وفي ليالي الشتاء الباردة تجتمع العائلة حول موقد النار، وتتناول الشاي مع القصص والحكايات، فلليل حكاية وللموقد حكاية.

أما في الأعياد فيجري تناول الشاي طوال اليوم بسبب كثرة الضيوف. وأحيانا يتناوله الناس للتسلية وإبعاد السأم والضجر. حتى أن قسما من الناس اعتاد تناوله، فحين يفقده لسبب ما يشعر بالصداع. والى هذا تشير أغنية قديمة للمطرب الراحل حضيري ابو عزيز:

\"دمضي العريضة امضي العريضة

عيني يبو التموين امضي العريضة

الحلوه عله الجاي طاحت مريضة\".

ولأن علاقة العائلة العراقية بالشاي علاقة فريدة. هكذا دخل الشاي في مفاصل حياتها، فهو كالخبز لا يخلو منه بيت. وللشاي قصص وقصائد ولوحات فنية وأغنيات. ففي أربعينات القرن الماضي اشتهرت أغنية عن الشاي وما زالت معروفة حتى الآن بعد أن توطنت في الذاكرة الشعبية. تقول الأغنية

\"خدري الجاي خدريه عيوني المن أخدره

مالج يبعد الروح دومج مكدرة

احلف ما أخدره ولا اقعد كباله

الا يجي المحبوب واتهنه بجماله\"

وهناك لوحة للرسام نزار سليم عنوانها \"شرب الشاي\"، ويرد الشاي في قصيدة لنزار قباني في رثاء زوجته العراقية بلقيس، اذ يسائلها \"أين شايك العراقي المهيل\".

من الحيدرخانة إلى المحافظات

ولشدة ولع العراقيين بالشاي تفننوا في إعداد خلطته، وطريقة شربه، فالبعض يتناوله بالاستكان والبعض الآخر بالصحن بعد تطعيمه بالهال. وهناك من يخلط السكر معه، وغيره يشربه (دوش أو دشمله) حين يتناول السكر منفصلا. والسكر أنواع فمنه الخشن والناعم والقطعة الهرمية الشكل التي تسمى \"كله\"، وتستخدم بعد تكسيرها إلى فصوص صغيرة، أو المكعبات التي تسمى \"قند\".

يقول الباحث الأكاديمي احمد الناجي في حديثه لـ\"نيوزماتيك\"، إن \"العراقيين عرفوا الشاي بعد الاحتلال البريطاني عام 1914، وقد انفرد في بيعه احد العطارين في محلة الحيدرخانه المطلة على شارع الرشيد، وشيئا فشيئا اتسع نطاق تجارته وانتقل إلى بقية المدن العراقية\".

ويضيف \"قوري الشاي يصنع من المعدن أو الخزف، ويسكب في كأس يسمى الاستكان، واصل الكلمة انكليزية، كما أظن، وهي مكونة من ثلاثة مقاطع East tea can أي كوب الشاي الشرقي، وهذه الكلمة متداولة في الروسية والألمانية ولغات أخرى\".

ويقول المؤرخون إن أول من عرف الشاي هم الصينيون قبل آلاف السنين، ثم اكتشفت نبتته في إقليم آسام الهندي عام 1832، من قبل روبرت بروس وهو ضابط بريطاني كان يعمل في شركة الهند الشرقية. أما موطن الشاي فهو سيلان والهند وكينيا وروسيا واندونيسيا وإيران وشمال العراق. ويعتبر شاي سيلان من الأنواع الجيدة، وزراعته تحتاج إلى أرض جبلية رطبة.

عضو هيئة الإحياء والتحديث الحضاري في بابل محمد عبد الجليل يقول لـ\"نيوزماتيك\"، \"أصبح العراق من البلدان الأولى في استهلاك الشاي على الرغم من حداثة دخوله إليه أيام الاحتلال البريطاني، وتعلمه العراقيون. أما قبل ذلك، أيام الحكم العثماني فقد كان موجودا لكنه قليل جدا وفي البيوت الميسورة فقط ويتم تناوله في المناسبات والأعياد\".

ويشير عبد الجليل إلى أن \"المقاهي حين كانت تستخدم القهوة سميت كهاوي وحين انتشر الشاي وحل محل القهوة أصبحت تسمى جاي خانه، وبذلك غدا الشاي الشراب السحري المفضل لدى عامة الناس، فهو صديق الصغار والكبار\".

أما الشيخ وهاب المرشدي فيقول \"أتذكر رواية طريفة عن الشاي. ففي عشرينات القرن الماضي زار وفد من أهالي الريف احد الأعيان فقدم لهم الشاي ولم يكونوا على معرفة سابقة بهذا المشروب. وبعد أن وضعت أمامهم استكانات الشاي ظلوا صامتين لا يعرفون كيف يشربونه. وبعد فترة برد الشاي فطلب المضيف تغييره. وعندما لاحظ أن ضيوفه مستمرون في صمتهم بادر إلى تحريك الملعقة الصغيرة داخل الاستكان، واخذ يشرب منه. فعمل الضيوف مثله. وعند خروجهم سألوه عن المشروب، فقال لهم انه الشاي\".

خلاصة الوردة

رؤوف الطاهر، 70 سنة تاجر شاي منذ الخمسينيات يقول لـ\"نيوزماتيك\" \"واكبت مراحل زراعة الشاي في بلدان عديدة منها الهند وروسيا وكينيا وإيران. والشاي الجيد هو الذي يعطي اللون والنكهة في الوقت نفسه\".

ويضيف الطاهر \"تؤخذ أوراق الشاي وهي خضراء اللون وتحمص ثم تغربل لتصنيفها حسب الحجم، الخشن والوسط والناعم\".

وينبه الطاهر قائلا \"عند شراء الشاي عليك أن تنظر إلى الأوراق إذ ينبغي أن توجد بينها خيوط بيض. هذه الخيوط هي التي تعطي النكهة وهي خلاصة النبتة- الوردة\".

وحول طرق تناول الشاي يقول الطاهر \"لشرب الشاي عدة طرق منها طريقة تسمى الدشلمة وهي أن يتم تناول قطعة من السكر منفصلة عن الشاي وهذه الطريقة اتبعت في إيران ومورست في العراق إلى وقت قريب، وللدشلمة عُدَة خاصة تتكون من أوعية وفأس صغير تسمى \"الدكاكه\" لتكسير \"كلة القند\"، التي غالبا ما كانت ترسل كهدية في الأعراس.

ويشير الطاهر إلى أن\"العراقيين يتلذذون بشرب الشاي بواسطة الاستكان فقط ولا يميلون إلى شربه بالكؤوس. ومع الشاي نشأت طرائف فمثلا إذا وضعت في استكانك ملعقتين يقولون لكن سوف تتزوج بأخرى إذا كنت متزوجا، أو ستتزوج اثنتين إذا كنت أعزب.

يقول حسين سياحي، 55 سنة، \"لا استطيع الاستغناء عن شرب الشاي فعند آذان الفجر اعد الشاي مع الهيل وأتلذذ برائحته\"، مضيفا \"مادمت مستيقظا أتناول استكان شاي كل ساعة فيجعل يومي مليئا بالحيوية\".

الحاجة سميرة علوش، 60 سنة، تقول في حديثها لـ\"نيوزماتيك\"، \"أتناول الشاي باستمرار، لكني قبل مجيء شهر رمضان بأسبوع، ابدأ بتقليل شربي له حتى أتمكن من أداء الصوم\".


نيوزماتيك

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy