• ×

02:15 مساءً , الجمعة 3 يوليو 2020

قائمة

إبراهيم أصلان:الأديب من يقيم علاقة صحيَّة بين الإنسان والعالم

 0  0  1.6K
 وحيد، يسكن الزحام ضلوعه، يجلس في المقهى متأملا شاردًا لاهيًا عن الصخب والضوضاء حوله، منشغلا ولاقطاً التفاصيل الصغيرة، يكتب في العمق وبإحساس رهيف وقلبه مغروس في الهموم العامة للبشر، هو الأديب إبراهيم أصلان الذي ينتمي إلى حقبة الستينات وفي الوقت ذاته لا ينتمي إلى أصحاب الصوت العالي من الكتاب والمبدعين، يبدع بصمت ولا يعتبر نفسه أديبًا.

يقول: «على الرغم من انشغالي بقضية الكتابة والقراءة طوال حياتي‏،‏ لم أنظر إلى نفسي بوصفي كاتبا أبدًا، كنت أفضّل أن يُنظر إليّ كعضو منتسب إلى هذه الطائفة من الكتّاب العظام،‏ فلست أكثر من عاشق للكتابة‏، وهذا العشق هو أكبر من عشقي لاحترافها». حول الكتابة وأحدث أعماله ومشروعه الأدبي ومسيرته كان هذا الحوار.

«عصافير النيل» عملك الثاني، يُحوّل إلى شاشة السينما بعد «مالك الحزين»، ماذا تتوقع ؟

أحاول الابتعاد دائما عن دائرة التوقعات، لست قلقا على نجاح التجربة، إذ سبق أن مررت بها في روايتي «مالك الحزين»، لكن أؤكد دائما أن السينما كوسيط فني تختلف عن الرواية كوسيط أدبي. السينما محكومة باعتبارات لا نجدها في الرواية، لذا يجب أن أنظر إلى أعمالي التي تنقل إلى السينما بمنطق حيادي لا يشوبه التعصب لقدسيّة النص الأدبي.

ألا تخاف الجور على نصِّك؟

الأمر ليس كذلك، أعبّر عن أفكاري في كتابي ولي لغتي، وأعتقد أن اللغة ليست أفضل الوسائل للتعبير عما هو مرئي‏،‏ لأن هناك وسائط أخرى تغني المجال التعبيري لأي كاتب،‏ أود القول إنه في مسيرتي، تعرفت إلى وسائط تعبيرية أخرى تغني اللغة كوسيط مباشر،‏ وأسعى في تجربتي إلى انتفاء عنصر القراءة ليتعامل القارئ مع مشهد بصري زاخر بتفاصيل الحياة‏، ونصوصي كلها سعي للكشف عن هذه التفاصيل.

هل يقوم مشروعك الأدبي على اللغة أم الفكرة ؟

أعتقد أنني تأثرت في مشروعي الأدبي إلى حد كبير بفكرتي عن الكتابة وهي لديّ طاقة عشق لا ينضب، الكاتب ليس قاضيا يحاكم الناس ويحكم عليهم بل هو شاهد أمين، والكتابة عندي سعي نحو أمر معين، والمبدع الحقيقي - لا أحب استخدام هذه الكلمة - هو من يحاول خلق علاقة صحية بين الإنسان والعالم، بمعنى أنني أحاول جعل المتلقي يتلمس الوجود والأمور بطريقة مرهفة وحذرة كالغدير بالضبط، وذلك لمتعة اكتشافها والتعرف إليها. اعتدت ألا أفرض وصايتي على القارئ بتقديم حلول أدبية جاهزة إليه، وأترك بالتالي مساحة واسعة أمامه تختلف باختلافه.

لكن يرى البعض أن اللغة المكثفة لديك هي عماد مشروعك؟

علاقتي باللغة هي علاقة البحث عن المعنى. منذ البداية، أتعامل مع الكلمات كعناصر أولية غير مثقلة بالاستعارات والتشبيهات، أريد أن تشف حتى تتحول إلى حياة حقيقية، وأتمنى أن يتعامل القارئ مع النص كأنه يرى ويسمع ويشم، يعيش المشهد والحركة في داخله ولا يقرأه. أرى ضرورة أن يعيش كل إنسان تجربته، وبعد ذلك سيجد نفسه أمام طريقين: إما أن يكتب تجربته أو يكتب بهذه التجربة. أدركت مبكرا، والفضل في ذلك ليحيى حقي، أن الظاهرة الإبداعية واحدة وإن اختلفت الوسائط، وكل وسيط له إمكانات، ويتطلب إغناء هذا الوسيط جهدا بمعنى البحث عن الحلول للمشاكل التي تعترضك ككاتب، فما هو مرئي، على سبيل المثال، مشكلة محلولة تماما في فن مثل السينما والفن التشكيلي، وتساعد متابعة سير وأحوال فنانين كبار كثيراً في ذلك. يستوقفني نموذج فان غوغ دائما لأنه مثال استثنائي في العذابات الروحية التي عانى منها، مع ذلك، لم أر لوحة واحدة له تتناول هذه العذابات التي عاشها بشكل مباشر، تكون التجارب الكثيرة زاداً للعمل وليست موضوعًا، بمعنى أن عذابات فان غوغ كانت موجودة في العلاقات اللونية في لوحاته وليست في مواضيعه، ما يمنح هذه الأعمال قيمتها.

أعمالك، خصوصاً «وردية ليل» و«عصافير النيل» و«خلوة الغلبان» في أجواء الكولاج الحياتي والقصة القصيرة، ما رؤيتك الشخصية لذلك؟

لا بد من التنبيه أولا أن القصة القصيرة مثل غيرها من الأشكال الفنية، ليست مجرد إطار بل أداة الكاتب في السعي نحو تكوين معرفة أكثر دقة وجمالاً للإنسان والعالم من حوله، من الممكن أن يحيا بها ويكتب الرواية أيضاً، على أي حال عندما أكتب، أكون معنياً بكتابة كتاب بغض النظر عن كونه مجموعة قصص أو رواية أو شعراً أو أي شيء آخر.

في «وردية ليل» مثلاً، كتبت عن الليل، والتقسيم الذي تراه فيها هو التطبيق العلمي للأفكار التي أشعر بها. يحاول الكتاب، على المستوى الفني، أن يحل مشكلة سردية، بمعنى أن المساحات الزمنية المستبعدة بين نص وآخر هي التي صنعت هذه النصوص، عموما ليست الرغبة في حل هذه المشكلة السردية طارئة لدي، حاولت ذلك قبل خمسة وعشرين عاما في كل القصص المرقمة في مجموعتي «بحيرة المساء» و{يوسف والرداء».

لا نجد للتراث أثرا واضحا في أعمالك، ما علاقتك به؟

أعترف أنني لست تراثياً، مع ذلك أقرأه للمتعة، استمتعت بعدد قليل من الكتب القديمة وتعلمت القراءة في «الف ليلة وليلة»، وحفظت عن ظهر قلب مقامات الحريري، بعدما قرأت يوميات قديمة للعقاد يقول فيها: «من لم يقرأ مقامات الحريري فليس بمتأدب». كان ذلك منذ زمن طويل وتساءلت: «لماذا لم يكتب الحريري مقاماته هذه بلغة مشروحة مباشرة»؟! الحقيقة أنني لم أكن سعيدا بمجمل ما خرجت به من هذه المقامات، إلا أنني أحببت مقامات الوهراني ومجموعة السير المعروفة مثل السيرة الهلالية، سيف بن ذي يزن، الأميرة ذات الهمة إلخ...

من هنا، فإن قراءتي في التراث محدودة بالنسبة إلى الكثيرين، على أية حال ليس التراث قوة منفصلة عن الواقع الذي نعيشه، خصوصاً أنه ليس مكتوبا فحسب، نحن نعيش على هدي من التقاليد والأعراف التي تؤكد تأثير هذه العناصر التراثية غير المكتوبة، وبسبب ولعي بتفاصيل الحياة اليومية وبخلق الله الذين يخوضون صراعاً يومياً لمتابعة حياتهم، ظننت أنني عبرت ضمنا عن هذه العوامل او العناصر التراثية والفاعلة فيهم، وأريد القول إن كل نص حقيقي يختزن تراثه وكل إنسان أيضاً.

قارن البعض بين عالمك وعالم هامنغواي، ماذا تقول؟

ما بيني وبين هامنغواي يتمثل في طريقة استخدام الأدوات الفنية، وهي مقاربة واردة بين كثر من الكتاب، سواء هنا أو في الخارج، بسبب الاعتماد على الرؤية البصرية، على التكيف، وليس الاقتصاد في الكلمات كما يفهم البعض، ربما لأن الجملة غالباً ما تكون تفصيلاً داخل المشهد الكبير. في المناسبة، هذه المبادئ الفنية التشكيلية، على سبيل المثال، موجودة لدى كثر من الشعراء المعروفين، بدءاً من اليوت الإنكليزي إلى فروست الأميركي، وإذا كان هناك من يرى تشابهًا أو استفادة في استخدام هذه الأدوات في ما أكتب، ففضيلتي أن لدي قدرة على التعلّم أتمنى ألا تنتهي.

تنتمي إلى جيل الستينيات، أخبرنا عنه؟
لم يأت جيل الستينات ليحمل رسالة، إنما للبحث عن رسالة عبر عمله الفني والإبداعي، لم يأت ليعبر عن معنى شائع أو متداول أو مفهوم بالنسبة الى العالم من حوله، إنما سعى إلى التوصل إلى معنى ومن ثم إلى حقيقة .
الذين أسهموا بأعمالهم الإبداعية البارزة في تأصيل هذا المعنى هم جيل كامل وليس مجموعة، كان هنالك إفراز اجتماعي مغاير على المستويات كافة، من أساتذة جامعات، علماء، حالة اجتماعية كاملة، وكان هناك إيمان كبير بالأفكار الكبيرة، وما زلت، أنا على الأقل، أؤمن بها في وقائع الحياة اليومية من حولي، واستمتع بأية أفكار، مهما عظمت، كقارئ ومفكر ولكن لا تكتسب أهميتها فعلا إلا عبر تقديمها في علاقات بسيطة جدا.
لم يأت جيل الستينات ليحمل رسالة، إنما للبحث عن رسالة عبر عمله الفني والإبداعي، لم يأت ليعبر عن معنى شائع أو متداول أو مفهوم بالنسبة الى العالم من حوله، إنما سعى إلى التوصل إلى معنى ومن ثم إلى حقيقة .الذين أسهموا بأعمالهم الإبداعية البارزة في تأصيل هذا المعنى هم جيل كامل وليس مجموعة، كان هنالك إفراز اجتماعي مغاير على المستويات كافة، من أساتذة جامعات، علماء، حالة اجتماعية كاملة، وكان هناك إيمان كبير بالأفكار الكبيرة، وما زلت، أنا على الأقل، أؤمن بها في وقائع الحياة اليومية من حولي، واستمتع بأية أفكار، مهما عظمت، كقارئ ومفكر ولكن لا تكتسب أهميتها فعلا إلا عبر تقديمها في علاقات بسيطة جدا.

لماذا تتخلل إصداراتك فترات صمت طويلة؟

لم أشعر أبداً أنني مقل إلا بسبب الإشارة الدائمة إلى هذا الأمر من المحيطين بي، فهذا سؤال أواجه به دائما، وما أريد أن أوضحه هو أن لديّ أوراقا وأقلاما وأعرف كيف تكتب القصص، وأدعي أنني أعرفها جيداً، وأكتب عندما أشعر بالرغبة في الكتابة. لا أعتبر الكتابة عملا مجانيا، أحرص على الجودة وأؤمن أن الكم ليس معيارا، ويؤسفني أن أشعر الآن بأن البعض يعمل على الانتصار للكم على حساب الكيف‏، وأرفض نظرية الإلحاح على القارئ‏. ‏ إذا لم تلب الكتابة حاجة حقيقية في داخل صاحبها‏،‏ لن تنجح في إثارة اهتمام متلقيها‏، وعلى الكاتب أن يعرف أنه كلما بذل جهدا كانت النتائج أفضل، وعليه أن ينمّي إحساسه بقيمة الإتقان.‏

‏‏ في «خلوة الغلبان» أطياف من سيرة ذاتية‏،‏ هل عوضّك ذلك عن كتابة سيرة شخصية؟

لم يكن هذا الأمر في ذهني أثناء الكتابة،‏‏ ربما كانت مادة الكتاب مشجّعة على ذلك‏،‏ لأن القضية في الكتابة ليست هي المادة الخام، إنما هي في طريقة عمل المخيلة على هذه المادة‏،‏ وهي تعيد بناءها‏،‏ بإمكانك أن ترى في صورة امرأة جميلة قصيدة شعر أغنى من أية قصيدة،‏ في الكتابة كلما ضيقت الأمور على نفسك‏،‏ استنفرت طاقاتك الإبداعية‏.‏ في «خلوة الغلبان» كنت أمام وقائع حقيقية، وكان عليّ أن أتعامل معها فنيًا لمواربة باب وهاجس يلح علي، باعتباري كاتبا مقلا، وهي بهذا المعنى كانت حلا أعطى لبعض اللحظات الإنسانية طاقة العمل الفني، لتصبح أكثر تأثيرا وتكسب مجالا جديدا أبعد من معناها الواقعي المباشر‏.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy