• ×

03:45 مساءً , الأربعاء 15 يوليو 2020

قائمة

العادة السرية.. متعة في طريق مسدود

 0  1  1.4K
 في إحدى المجلات الأجنبية، قرأت حادثة غريبة جعلتني أتوقف كثيراً أمام طبيعة السلوك الجنسي عند الإنسان. تدور الحادثة حول رجل لم يكمل الأربعين عاما ظل يمارس العادة السرية حتى دخل في غيبوبة نقل على إثرها إلى المستشفى، ولم يأت الليل حتى فارق الحياة، وردا على سؤال الطبيب، ذكرت زوجته أنه مدمن لهذه العادة وأن علاقتهما الجنسية متوقفة منذ أعوام، ولم تتوغل في تفاصيل أعمق. مثل هذه الحوادث تكشف عن صورة شائعة من صور الإخفاق الجنسي المنتشرة في حياتنا اليومية.

لا شك أن ممارسة الجنس لدى الإنسان تتأثر بعوامل نفسية واجتماعية، عكس الجنس عند الحيوان الذي تحدده عوامل بيولوجية، كإفرازات الغدد الصماء التي تؤثر على الجهاز العصبي فتحدد سلوك الحيوان الجنسي، لذلك فإن استئصال تلك الغدد يؤثر سلبا على الغريزة الجنسية لدى الحيوان، بينما لا يزيل الرغبة الجنسية لدى الإنسان الذي يثار جنسيا وإن كان عقيما، لأن الإثارة لديه لها منطلق نفسي منفصل عن التأثير الهرموني، كما يلعب الآخر (الشريك) دورا عميقاً في العلاقة الجنسية الإنسانية.

الجنس وسيلة للتناعم
إن الجنس ليس حوارا من طرف واحد، بل هو وسيلة للتواصل والتناغم مع الآخر، والاتحاد بالشريك، فالنزعة الجنسية تدفع الرجل والمرأة أحدهما نحو الآخر بهدف أن ينصهرا من خلال تداخل الأجساد، في لقاء حميمي، وبلوغ نشوة أكبر من مجرد إزالة توتر عضوي، تحقيقا للأسطورة الأفلاطونية «إن الذكر والأنثى كانا كائنا واحدا يجمع أعضاء الذكر وأعضاء الأنثى، لكنهما انشطرا نصفين، ومنذ ذلك الحين أصبح كل من الشطرين يحن للقاء الآخر ليعيد الكيان الواحد الأصيل».
في سعي الإنسان لهذا الاتحاد يحدث أحيانا ما نسميه «إخفاقات الجنس» التي تنتج من اضطراب العلاقة بين الفرد وشريكه. من صور هذا الإخفاق: العادة السرية Masturbation وهي عبارة عن العبث بالأعضاء التناسلية بهدف الوصول للذة، لكن هل حقاً من يمارس تلك العادة يحقق اللذة والمتعة؟ الإجابة غالبا بالنفي، لأن ممارسة العادة السرية ينطوي فاعلها على نفسه، مستغنيا عن الشريك الآخر ككائن حقيقي، ربما يكتفي بصورته فقط من خلال الخيال الذي يساهم في اشتعال الإثارة، لكن هذا الخيال يختلف كلية عن الخيال في العلاقة السوية التي تعتمد على وجود الآخر بشكل حقيقي، ويكون قادرا على إثارة رغبات جديدة حتى بعد علاقة جنسية ناجحة، لأن الرغبة في التواصل ومعايشة الحب من خلال الجنس موجودة بقوة. أما الاستمناء فيحقق لذة انعزاليةSatisfaction Solitaire.. ويعبر عن سلوك جنسي غير ناضج توقف بصاحبه عند مرحلة طفولية مبكرة، لم تتح لها الفرصة لتنضج وتصل لمرحلة السواء الجنسي، لذا فهي تترك وراءها شعوراً بالانقباض، والحزن، والإحساس الشديد بالذنب، والكآبة، وتجعل الإنسان أسير الفراغ الذي يحاول دائما أن ينجو منه، فهي طريق مسدود، وليست جسرا للمتعة الحقيقية.
إدمان ذاتي

إن العادة السرية، باعتبارها سلوكا جنسيا ذاتيا، موضوع شائك ومحاط بالموانع الاجتماعية والأخلاقية. رغم انتشاره بين عدد كبير من البشر من مختلف الأعمار. هذه السرية التي يتم بها، جعل من الصعب الحصول على معلومات علمية دقيقة حول مدى انتشارها في الدول العربية، وتأثيرها النفسي والاجتماعي على ممارسيها، والفرق في ذلك بين النساء والرجال والأطفال. لذا نستمد معظم الإحصاءات والمعلومات العلمية من دراسات أجنبية أجراها علماء، مثل كينزي، وكتون، وهنت، ودي مارتينو، وميللر وليف، وكابلان الذين اهتموا برصد الظاهرة والتعامل معها كواقع معيش، وخلصت أهم النتائج إلى أن من 80 إلى 90% تقريبا من الرجال مارسوا العادة السرية مرة واحدة على الأقل، بينما تقل النسبة بين النساء لتصل من 60 إلى 70% تقريبا. وأن 35% من الأطفال مارسوها في سن من 7 إلى 9 سنوات بطريقة مقصودة. وفي دراسة أميركية حديثة قام بها (Frankl, M. L, 2003) اكتشف أن نسبة الفتيات الممارسات للعادة السرية في أميركا وأوروبا 80% وتستمر عليها نسبة 60% منهن بعد الزواج مما يعني أن هناك إدمانا على عادة الاستمتاع الذاتي، التي تعتمد لديهن على الإثارة الذاتية عن طريق الخيال، أو قراءة القصص ومشاهدة الأفلام الإباحية، أو الجنس اللفظي من خلال المحادثات الهاتفية، أو الإنترنت.
رغم الجدل الدائم حول أضرارها وفوائدها، إلا أن العادة السرية تعتبر إدمانا، بل وتشكل خطورة على المستويين النفسي والعاطفي إذا أصبحت وحدها رافدا للمتعة الجنسية، فالتعامل معها كواقع راهن ومُلح أحيانا يحتاج إلى نضج عاطفي وجنسي وفكري يتيح لصاحبه التوقف عنها وقتما شاء، بممارسة الرياضة أو إقامة علاقة مشبعة جنسيا وعاطفيا، أو تنمية الجانب الروحي في شخصيته، أو التقليل من التعرض للمثيرات الجنسية، أو غيرها من الحلول التي لا تجعل من الإنسان أسيرا لها كعلاقة مضطربة مع الذات والآخر.
فعل ناقص

يجب علينا تقييم العادة السرية ـ كفعل جنسي ناقص ـ بعيداً عن الخرافات التي تروج بأن الاستمناء يتسبب في الإصابة بالعقم أو الأمراض العقلية. لأن ما تسببه تلك العادة أشد قسوة من الأمراض العقلية، فهي تجعل الإنسان مسجونا داخل ذاته، بعيدا عن الآخر الذي يحقق له الوجود الحقيقي واللذة الدائمة. فيصبح كائنا منفردا يتسول اللذة من خيال عقيم، أو صور صماء، أو أفلام صنعت فقط لكل من يعاني افتقادا لآخر حي، وجسد دافئ بالحب، أو يفشل في التواصل الإنساني الحميم. وإلا لماذا نطلق على العملية الجنسية «جماع» أو «وصال»؟ لأنها تجمع الإنسان بشريكه، وتتيح له الاتصال به على المستويين العاطفي والجسدي، فهذا الإنسان الذي يشكو من العزلة والبعد، يسعى لإزالتهما بالاتحاد الكامل مع كائن آخر يكمل نقصه، كائن على صورته الإنسانية لكي يتاح له الاندماج معه، ومختلف عنه (من الجنس الآخر) كي يكتمل به.

موت اختياري
وفي الختام لابد أن ننصت إلى كوستي بندلي وهو يحذرنا من خطر الوقوع في براثن الوحدة، ومشاعر الوحشة، والاغتراب، والموت الاختياري حين نلجأ للاستمتاع الفردي، الذي هو في الحقيقة ليس استمتاعاً وإنما انتحاراً (جسديا وروحيا) بطيئاً. أو كما قال شاعر الهند العظيم طاغور:
أحاول أن أمسك الجمال .. لكنه يفلت مني.
تاركاً جسدا فقط بين يدي .. فأتراجع خائباً، تعباً.

بقلم رضوى فرغلي
معالجة نفسية
( متخصصة في العلاقات الزوجية ومشكلات الطفولة والمراهق

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy