• ×

10:06 مساءً , الجمعة 10 يوليو 2020

قائمة

في أوكيناوا.. الناس لا يشيخون

 0  0  961
 تختلف الأماكن عن بعضها وتختلف معها أشياء كثيرة تلك حقيقة عامة ولكن في محافظة اوكيناوا التي ترقد في جزء ثان من اليابان تلك الدولة المتطورة تكنولوجيا هناك اختلاف رئيسي بارز ومثير تتميز به هذه المدينة عن باقي الأماكن في معظم بقاع العالم ألا وهو أن الناس في أوكيناوا يعيشون ويعمرون أطول بكثير من غيرهم من بني البشر.

وسكان أوكيناوا بشكل عام يأكلون فول الصويا ويمارسون تمارينهم الجسدية ولا ينقطعون عن المشي لكنهم لا يقتربون من الجبن. فهل هذه الوصفة السحرية هي التي تجعلهم يعمرون؟ هناك في أوكيناوا تجد أن الناس يعتبرون بلوغ المائة سنة مسألة طبيعية، كما أن من تراوحت أعمارهم ما بين الخامسة والسبعين والثمانين يبدون أقل من أعمارهم بل وكأنهم في الخمسينيات.

في أوكيناوا تلك المدينة التي شهدت أكثر المعارك دموية إبان الغزو الأمريكي لليابان يعيش الناس علي الطبيعة ولا يخضعون أنفسهم للضغوط، بل انهم من النوع المقاوم للضغوط والاجهاد. وعجائزهم لا يأكلون ولا يتوقفون عن عمل كل شيء بأنفسهم، وكذلك لا وجود في المدينة لدور رعاية كبار السن أو العجزة.

عموماً في هذا الموضوع الذي نشرته الديلي اكسبريس عن اوكيناوا وأخذت فيه رأي اثنين من العلماء الأخصائيين الذين قضيا وقتاً طويلاً في دراسة الأسرار التي تؤدي الي أن يعيش الناس هناك عمرا أطول، سوف نتعرف علي الأسباب التي تكمن وراء ذلك فدعونا نري لماذا يعيش سكان أوكيناوا عمراً أطول من الناس الآخرين في العالم.

في قرية صغيرة جداً في أقصي الجنوب في اليابان بدا معلم الاوركسترا الجديد والأكثر شبابا وهذا المعلم الذي يدعي السيد مياجي ذو روح مرحة ومرتاحة حيث ينهض يومياً في الصباح الباكر ليؤدي عدداً من التمارين الفريدة التي تعلمها بنفسه وحفظها عن ظهر قلب ليتهيأ نفسياً الي يوم العمل الذي يتعاطي معه بنشاط تام. ويحث السيد مياجي - الذي يرتدي عادة بعناية البنطلون والجاكيت - مجموعة طلبته المتحمسين علي غناء احدي الأغاني بكثير من العاطفة وكثير من الحماس.

ويبلغ السيد مياجي الثانية والتسعين من العمر لكنه لا يعتبر نفسه عجوزاً. والسؤال الذي يكرره هو لماذا عليه أن يعتبر نفسه عجوزا؟ فهو صاحب وجه لم يخط عليه التقدم في العمر أي علامات، وعندما نأخذ الحساب والاحصاءات بالاعتبار فإنه ما زال يملك الكثير ليفعله في حياته.

السيد مياجي شخص مفعم بالحيوية وله طموحاته التي لا تتوقف وينظر الي نفسه وكأنه شاب في مقتبل العمر ويؤدي معظم التمارين برغبة عالية ولا يري خيراً في أن يواصل كل تفاصيل حياته الدقيقة، رغم انه في هذه السن أو لو حتي عاش عشر أو عشرين سنة أخري.

مرحبا بكم في قرية اوكيناوا تلك الجزر النائية التي يمكن أن نتفاخر لكونها واحدة من المجتمعات التي تعيش طويلاً في العالم وأحد أكثر المجتمعات التي تتمتع بصحة عالية. فمن بين عدد سكانها الذين يبلغ عددهم حوالي مليون هناك 900 شخص تتراوح أعمارهم بحدود المئة عام ويتمتعون بحياة مليئة بالنشاط والعمل. وهي نسبة تفوق بأكثر أربع مرات من تلك الموجودة في بريطانيا والولايات المتحدة.

ويقول جون روبنسن صاحب كتاب ما زلت متعافياً في المئة من الواضح انه يحدث يومياً في أوكيناوا بحث عن تلك الحيوية التي يتمتع بها اجداد الأجداد، حيث يعيشون في منازلهم ويعتنون بالحدائق المنزلية بأنفسهم وفي عطلات نهاية الأسبوع يقوم احفادهم وأحفاد أحفادهم بزيارتهم، وهؤلاء العجائز أنفسهم يؤخذون في دول الغرب الي دور الرعاية أو يأهلون للإحالة علي التقاعد. وباختصار شديد ان كلمة تقاعد أو الإحالة علي المعاش لا وجود لها في اللغة العامية لجزيرة اوكيناوا ويتساءل شخص ما هل هو شيء ما في الهواء؟ ان مجموعة الجزر شبه الاستوائية التي تمتد من اوكيناوا ولمسافة 800 ميل بين الجزر اليابانية الرئيسية وتايوان تشكل ما يبدو وكأنها جنة الله في الأرض وفي الغالب يشار اليها بأنها جزر هاواي اليابان. ومن الشائع ان اوكيناوا تمتلك اجمل السواحل في عموم اليابان كما انها تمتاز بتلك الطبيعة الساحرة والبساط الأخضر الذي عادة ما تحيطه الغابات.

ويحف البحر بكل هذه الطبيعة الخلابة حيث يكون الجو دافئاً دائماً كما أن درجات الحرارة أكثر من 20 درجة مئوية عادة وتكثر فيها الشعاب المرجانية. والكائنات المائية التي تعتاش علي الطبيعة فضلاً عن السلاحف التي تضع بيضها سنوياً أي ان عوالم الطبيعة تشكل عنصراً رئيسياً لحياة بسيطة خالية من التعقيد الذي يعكر عادة صفو انسيابية هذا العالم الخالي من الأمراض.

ويقول الباحث برادلي ويلوكس الذي قضي مع أخيه عالم الانثروبولوجيا الطبية كريج سنوات في دراسة الظاهرة التي يتمتع بها سكان اوكيناوا من حيث انهم يعمرون طويلاً ويتمتعون بصحة جيدة يقول عن ذلك: منذ أول مرة وطأت قدماي أوكيناوا كانت الرائحة والشعور بالمكان مصدرا للإلهام.

لقد بدأت الدراسات والبحوث في وقت مبكر من عام 1975 عندما بدأت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية بتمويل الدراسة الخاصة بالأشخاص الذين بلغوا المائة عام في اوكيناوا.

ويقول الباحث برادلي: تشير السجلات الي ان الناس في اوكيناوا ممن تصل اعمارهم ما بين الخامسة والسبعين والثمانين يبدون وكأنهم في الخمسينيات. أما الجزء المثير في هؤلاء الناس أنهم يبقون اصحاء حتي اللحظات الأخيرة من الحياة.

وعلي نحو لا يصدق فإن سكان أوكيناوا لديهم أقل نسبة من حيث الاصابة بسرطان الصدر وسرطان البروستات وسرطان القولون وأمراض القلب التاجية علي صعيد دول العالم أجمع، وبعد الآلاف من الاختبارات فإنه قد تم تحديد هورمون معين هو الذي يحمل أسرار طول العمر التي يتمتع بها سكان أوكيناوا.

ويعرف هذا الهورمون ب DHEA وعلي الأكثر انه سلف لكل من الأويستروجين والتوستيرون. ونحن لا نعرف بالضبط ما هو ولكننا نعرف انه يرتبط بالعمر.

ويوضح برادلي: لقد ثبت الآن انه عندما يتقدم العمر بالناس في أوكيناوا فإن مستويات هرمون DHEA تأخذ في الانخفاض بشكل بطيء جداً من المتوقع.. ويبدو كما لو أنه ساعة قديمة وتعمل ببطء.

وليس هذا فحسب بل ان القضية تنطوي علي فعل الكثير مع النظام الغذائي. تتميز أوكيناوا التي كانت سابقاً تعرف بمملكة روكويوس بأن لها ثقافتها وأطعمتها ولغتها الخاصة بها الي أن تم ضمها بالقوة الي اليابان في أواخر القرن التاسع عشر. وحتي بعد ذلك فإن الجزيرة ظلت بعيدة جداً عن الحكومة المركزية بحيث استمر الناس في اعتمادهم علي الأملاح والسكر والفواكه واللحوم المحلية.

ويعني ذلك أن أطعمتهم طازجة وموسمية بدلاً من تلك المعلبة او المستوردة ويقوم العديد من السكان في أوكيناوا بزراعة ما يحتاجونه ويطبخون أطعمتهم حتي لو كانوا في سن المائة ويستهلكون كميات كبيرة من النباتات والفواكه الغنية بالمواد المضادة للتأكسد.

ويقول كريج: علي الأكثر انهم يستهلكون كميات كبيرة من منتجات فول الصويا بشكل أكبر من أي سكان في العالم، ويعتقد ان ذلك يلعب دوراً في انخفاض معدلات الإصابة بالسرطان.

وبشكل عام ان نظامهم الغذائي يحتوي علي أقل قدر من الدهون التي في حال استخدامها تكون مأخوذة من المصادر الطبيعية كالحبوب والمكسرات بدلاً من منتجات الألبان أو الزيوت المعالجة.

وهناك مثل قديم متداول في أوكيناوا معناه الطعام يجب أن يغذي الحياة وهذا أفضل دواء ومن يأكل طعاماً شاملاً سيعيش قوياً ومتعافياً .

وطبقاً لما يقوله العلماء فهناك عامل آخر يتعلق تحديداً بكمية الطعام التي يتناولها سكان أوكيناوا حيث ان الكبار في السن يتركون عيدانهم الخشبية عندما تكون ممتلئة بنسبة 80% ويستهلكون ما معدله حوالي (1200) سعر حراري في اليوم الواحد، ويقول سكان أوكيناوا: كُل قليلاً لتعيش طويلاً .

ومع ذلك فإن النظام الغذائي يشكل فقط جزءاً من الصورة، ان سكان اوكيناوا لديهم خدمة تمارين بدنية كبيرة بسبب طبيعة الحياة الريفية التي يعيشونها والتي تجعلهم يحافظون علي لياقتهم وصحتهم، كما ان هناك ثقافة الاحترام الشديد لكبار السن وإحساس عميق بالمساهمة والاعتناء بالآخرين. وفي الحقيقة انها توليفة من الدعم العاطفي والجسدي والذي في بعض الأحيان نفتقره كثيراً في رؤيتنا.

واستناداً لما يقوله برادلي وكريج فهناك ملاحظة واحدة شديدة الأهمية التي يمكن أن تقدم الجزئية النهائية في اللغز المتعلق بأسباب الحياة الطويلة التي يعيشها سكان أوكيناوا وهي الطريقة الفعالة التي يتعاملون بها مع الضغوط.

ويقول برادلي: لقد أطلقنا علي شخصياتهم أنها مقاومة للضغوط. انهم لا يعيشون حياة خالية من الضغوط لكنها غير موجودة علي الإطلاق. وكان عليهم ان يصمدوا أمام المجاعة عندما كانوا صغارا وكان عليهم ان يتغلبوا علي الفقر وكان عليهم ان يتحملوا الحرب العالمية الثانية.

وفي الواقع ان اوكيناوا ما زالت تعرف بكونها واحدة من المدن التي كانت ارض لأكثر المعارك الدموية. في عام 1945 أدت المعركة الشرسة الي إبادة ثلث السكان بسبب تبادل اطلاق النار بين الأمريكيين الغزاة والجيش الياباني. وتشير التقديرات الي ان حوالي 150 شخصاً قتلوا في هذه المعركة وهو عدد أكبر من الضحايا الذين سقطوا في القنبلة الذرية التي ضربت هيروشيما. انها من الاحصائيات المروعة التي ما زال سكان الجزر يشعرون بقسوتها.

ويقول برادلي هؤلاء الناس هم الناجون ولكن كيف بقوا علي قيد الحياة؟ انهم بنوا آليات التعاطي مع الضغط بمرور الزمن.

ويضيف كريج: ان معظم هؤلاء الناس لديهم إحساس لما يسمونه ب ايكي غاي أي لديهم إحساس بأن هناك شيئاً ما يمنح حياتهم معني وهدفا وتماسكا، شيئاً ما يجعلهم يتركون السرير صباحاً، شيئاً ما يتوقون للقيام به سواء كان العمل بحديقة المنزل أو التطوع للقيام بأي نشاط. وأيا كان نوع النشاط الذي ينخرطون به فإنه سيكون له معني بالنسبة لهم، ومن دون ذلك فمن الصعب ان يشيخوا.

ومع ذلك فإن المفارقة تكمن في أن هذه الموجة أو القوة الدافعة يمكن أن تتحول بسرعة، لأن جيل الشباب من سكان أوكيناوا لا يتبعون النماذج الرائعة لكبار السن فتجدهم منغمسين في التغيير في النظام الغذائي وطبيعة الحياة التي من شأنها ان تدمر صحتهم.

وهذا الي حد ما ينبع من العودة الي السنين التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، عندما بقيت الجزر تحت سيطرة القوات الأمريكية لأكثر من 20 سنة وهو الوقت الذي كان كافياً للسكان الشباب للتحول نحو النمط الأمريكي في الأكل. لذلك تجد في الوقت الحاضر ان أمراض القلب عند أعلي مستوياتها.

ويحذر برادلي: إذا ما قدر لهم واستعادوا الأساليب القديمة فعند ذلك سوف تتحسن صحة جيل الشباب وسوف يواصلون قيادتهم للعالم كونهم الشعب الذي يعيش عمراً أطول من الآخرين. أما إذا استمروا في انحدارهم نحو المسارات الأخري فإنهم سوف يواصلون فقدانهم للأرضية الصلبة التي كانوا يعتمدون عليها وربما يصل بهم الحال الي أن يكونوا أقصر من يعيشون عمراً في الشعب الياباني.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy