• ×

09:17 مساءً , الإثنين 13 يوليو 2020

قائمة

عائلة إنجليزية تبيع منزلها وتشتري باصاً لتجوب به العالم

 0  0  915
 بعد أن أخذ الماء يرشح من السقف تفحصت السيدة ماني اتكنز الأشياء التي تخضلت بالماء ثم انفجرت باكية وسالت الدموع بغزارة علي خديها.. في الأعلي علي سقف الباص الكبير الذي أصبح منزل العائلة طوال الأشهر الماضية كان أبنها يحاول جاهداً أن يسد الفتحات التي تسرب منها الماء بواسطة قطع من الألمنيوم يمنع استمرارية سقوطه.. ربما أن يحاول الإنسان بيع منزله وشراء باص كبير بدلاً منه فذلك ضرب من الجنون ولكن في الحقيقة هو هذا ما عملته عائلة السيدة ماني ورأت فيه فرصة لا يمكن أن تفوتها علي الاطلاق من أجل أن تنفذ فكرة برقت في ذهنها منذ زمن.. لقد ظلت المحاولات متواصلة من أجل إيقاف تسرب المياه رغم أن الوقت يقرب من منتصف الليل والمكان مهجور لأنه عبارة عن مخيم في منطقة نائية. وكانت يدا ماني شبه متجمدتين من شدة البرد فيما تحاول جاهدة أن تساعد ابنها علي اكتمال تصليح الثقب الموجود في سقف الباص. وفي داخل البيت الباص كانت معظم الأدوات والأواني تستخدم للتخلص من الماء الكثير الذي بات يهدد الزاوية التي تستخدمها العائلة للنوم.

ولأول مرة تعيد ماني النظر بقرارها الذي اتخذته سابقاً وهو أن تتخلي عن كل شيء من أجل أن تسافر مع زوجها جو وابنائها الأربعة حيث بدأت تشعر بأنها ربما تكون قد اتخذت القرار الخطأ.

لقد باعت العائلة منزلها الجميل في دورسيت في انجلترا وتركت عملها واصطحبت ابنها لوس 16 سنة وهاري 13 سنة وبيث 10 سنوات وآرثر 8 سنوات وذلك بعد أن تركوا مدارسهم لينطلقوا في تلك الرحلة المغامرة.. ولم يعترض أي منهم علي العيش في ذلك الباص وهو من نوع ليلاند الذي تمت صناعته قبل عشرين عاماً ولكن بالتأكيد الحياة كان فيها الكثير من الصعوبات لاسيما أن عائلة بأكملها قد تحولت من التعود علي العيش في منزل إلي مكان مختلف جداً.

وفي أغلب الأوقات كانت العائلة تواجه تنوعاً في الشارع لم تألفه من قبل الأمر الذي انعكس علي نفسياتهم حيث بدوا متفائلين بالرغم من أن الباص كان ضيقاً بعض الشيء.

ومنذ زواجهما قبل 18 سنة بدأت ماني وزوجها جو 43 سنة الذي يعمل مهندس اضاءة بالحديث عن السفر.. وبعد أن شرعا في تكوين حياتهما الزوجية تم تأجيل ذلك الحلم علي أمل تحقيقه في اللحظة المناسبة. وبعد سنوات من زواجهما انتقلا للعيش خارج لندن واشتريا منزلاً في سيواج في دورسيت.. وقد استقر أطفالهما في المدارس القريبة من المنزل الذي يتكون من سبع غرف.. ولم يمنعهم ذلك نسيان حلمهم الذي لا يفارقهم رغم تقادم السنين.

وتقول الزوجة ماني: كان جو يضطر للبقاء بعيداً عنا بسبب عمله في الخارج لذلك كثيراً ما قال إنه من الرائع أن يجتمع شمل العائلة علي الدوام وليس لفترات متباعدة وأن نكون قريبين منه.. وبعد ذلك أدركنا أنه يجب أن يكون هناك فسحة بين امتحانات الأولاد لكي تتحقق رغبتنا.. وقد سألنا الأطفال عن رأيهم بالفكرة وقد أبدوا تجاوباً رائعاً. وقد أدرك الجميع أنها ستكون مغامرة سيشترك بها جميع أفراد الأسرة.

ولم نكتف بذلك فقد سألنا كل واحد عن الوجهة أو المدينة التي يقترح أن نقصدها.. وبدأت بعض المصاعب تواجهنا بسبب اختلاف الرغبات التي كان يجب أن توضع في مخطط الرحلة.. ومع ذلك فإن آرثر شعر بالإحباط عندما لم توضع مدينة نارنيا التي هي مكانه المفضل ضمن مخطط الرحلة.. لذلك كان الباص الاختيار الموفق والنموذجي ليكون وسيلة للسكن والانتقال في ذات الوقت بالنسبة لعائلة كبيرة الحجم مثل عائلة أتكنز وكذلك سيؤمن لهم ما يرغبون في تحقيقه.

وبعد أن باعت العائلة منزلها مقابل 425 ألف جنيه استرليني وتخلصت من ديونها تبقي لديهم حوالي 70 ألف جنيه استرليني لتمويل رحلتهم المغامرة.. وكان شراء الباص صفقة رابحة حيث قام الزوج بإكمال جميع الترتيبات المتعلقة باحتياجاتهم كعائلة.. لقد تم تزويد نظام الإنارة بالطاقة بواسطة مولد وضع في مقصورة الحقائب التي تقع في أسفل الباص.

كانت جمالية اختيارهم غير الاعتيادي لمنزل متحرك تكمن في أنه احتوي - بعد التحوير- علي حجيرات نوم وفسحة كبيرة لطاولة خصصت للأطفال الذين سيقومون بأداء فروضهم الدراسية أثناء التنقل.

وتقول الزوجة ماني : إن جميع الأطفال في مدارس حكومية التي أعلنت أنها تقدم دعماً كاملاً لما نوينا أن نقوم به. وبالرغم من أننا قمنا بتطوير المناهج والدروس الخاصة بنا إلا أننا بقينا علي علي تماس مع المدارس. وأنا واثقة من قدراتهم الرائعة وهم علي مستوي راق.

وفي الباص لا يستطيعون مشاهدة التلفزيون لعدم وجوده لكنهم يمتلكون ألعاباً كثيرة وأجهزة دي في دي .

إن الطريق والزمن المرصود للرحلة المغامرة كان كثيراً ما يتطور أو يتعرض للتغيير.. ومنذ أن قالوا وداعاً للأقارب في شهر يوليو الماضي اتجهت العائلة بالباص نحو فرنسا وبدأوا باكتشافها تدريجياً. ومن ثم انتقلوا إلي أسبانيا وإيطاليا واليونان وبلغاريا وتركيا ورومانيا. وفي غضون أشهر قليلة سوف يشحنون الباص علي ظهر عبارة لينطلقوا نحو جنوب أمريكا ومن ثم يتجهون إلي الولايات المتحدة حيث يأملون بعد ذلك أن ينتهي المطاف بهم في استراليا. وتتوقع العائلة أن تستمر المغامرة لمدة قد تصل إلي السنتين.. وقد قرروا أن يؤدي بعض من الأولاد امتحاناتهم الدراسية عن بعد حيث يتم إرسال الاجابات بواسطة البريد.

وتضيف الزوجة ماني: رغبتنا أن تكون انطلاقتنا مثالية وبمقدار الطموحات التي نحملها في دواخلنا لذلك كانت لدينا الكثير من العطلات العائلية في فرنسا والأسابيع الأولي من الرحلة التي بدأت الصيف الماضي توجناها بأوقات رائعة قضيناها في أماكن لم تطأها أقدام الكثير حيث تآلفنا مع أشعة الشمس والخضرة والماء.

وبالرغم من أن الكثير أخبرونا بأننا سنقع في دوامة الروتين كون أن الباص سيشكل المحور وهو المكان الذي سيجمعنا معظم الأوقات لكننا لم نمر بمثل هذه الظروف لأن خططنا كانت محبكة حيث كنا نقضي معظم الوقت خارج الباص ولا نسمح لأنفسنا أن نهدر دقيقة واحدة من دون الاستمتاع بالطبيعة التي في الخارج وكذلك بالأماكن والأجواء التي كنا علي قناعة تامة بأننا قد نراها الآن لكن قد لا نراها مرة أخري.. لذلك كنا في الأجواء الجميلة لا ندخر لحظة من أجل الاستمتاع بكل ما يحيط بنا.

وتعترف السيدة ماني بقولها: بالطبع لاتزال لدينا تلك المشاكل البسيطة الموجودة لدي أية عائلة لكن ذلك لا يصل قطعاً إلي مستوي الصراخ والعراك مع بعضنا البعض.. ولقد ابتعدنا عن تلك المشاهد لأننا جميعاً كنا نصبو نحو هدف واحد هو أن نجوب هذا العالم وذلك ما جعلنا نقترب من بعضنا أكثر لذلك عندما نصل مكان ما نخرج من الباص برغبة جارفة لاحتوائه وعندما نعود يقوم كل منا بواجباته المناطة به.. لقد كانت التجربة برمتها بأوقاتها الطيبة والمحزنة أمراً لا يمكن تصديقه فهي تجربة حياة وذلك ما أكده معظم أفراد العائلة.

وأعتقد أن العائلة كانت محظوظة لأنه لم يكن بيننا ذلك المراهق المشاكس أو العنيد أو الطائش.. وربما أن الأمر كان صعباً بالنسبة لابنتنا بيث لأنها الفتاة الوحيدة في العائلة وقد افتقدت صديقاتها كثيراً.

وأينما كنا ننزل أو نقف بالباص كان الأولاد يخرجون معهم كرتهم ليجدوا أصدقاء جدداً يشاركونهم اللعب.. إن الأطفال يتكيفون بشكل لا يصدق مع الأجواء الجديدة ولم نشعر بالندم لأننا أخذناهم في هذه المغامرة التي قد لا تقدم عليها أية عائلة أخري في الكون ولكننا لم نفعل ذلك لنبرهن شيئاً ما لشخص ما.. لقد فعلنا ذلك وبعنا المنزل وأشترينا الباص ليلاند لأننا رغبنا في أن نحقق حلم راودنا جميعاً.

وعندما كانت يواجههم طوفان الربيع التي تتسبب به الأمطار التي تتساقط بغزارة في فرنسا تجد أن العائلة قد استعدت بشكل جيد لذلك عبر الكتيب الإرشادي المخصص لهذا الغرض وعندما حاصرتهم المياه في المخيم في فرنسا تصرفت العائلة بروح الفريق واستندوا في قيامهم بإجراءات ساعدت في إنقاذهم من هذه الورطة.

وتقول السيدة ماني: كانت هناك أوقات عصيبة جداً كتلك التي صادفتنا عندما نتفاجأ بطرق ضيقة جداً لا تسمح بمرور الباص.. وكذلك تلك المواقف التي يتعرض بها الباص إلي الأعطال حيث تجد أن الجميع يحاول إصلاحه ليتسني لنا استكمال الرحلة نحو الجهة التي قررنا الذهاب إليها لحظة الانطلاق.

وفي أحيان كثيرة وجدت العائلة نفسها في مأزق لا يمكن أن تتصوره ففي الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه وصول قطع غيار لتصليح الباص بعد أن تسببت وعورة الطريق في رومانيا بإلحاق أضرار بالأجزاء الخلفية اكتشفوا أن المحور الخلفي قد كسر وهو الأمر الذي تسبب في سقوط الجزء الخلفي من الباص برمته.

واستطاع المشرف علي المخيم أن ينقذنا حيث ذهب لمسافة 80 كيلو متراً تقريباً وتنتقل بين ثلاث ورش تصليح إلي أن عثر علي الميكانيكي الذي يستطيع إصلاح الباص.. وكنا ندرك أن أجور التصليح غالية وأن علينا دفع مبلغ كبير حتي نستطيع إصلاحه والمال كان عنصر قلق بالنسبة لنا، ولكننا مضطرون للدفع علي الرغم من أن الزوج جو قد هيأ الكثير لأنه كان يعمل في العمالة الحرة التي تتيح له التواصل عبر الاتصالات الالكترونية. كما أننا كنا قد وضعنا ميزانية مضغوطة علي نحو لا يصدق لكنها لم تشتمل علي شروط سلامة دقيقة جداً. لذلك فإن هذه الأعطال في الباص كانت تتسبب بإرباكات شديدة لجميع أفراد العائلة.

وفي كل بلد كانت تزوره العائلة يغمرهم الناس المحليون بذلك الترحاب والتعاطف غير المحدود الذي كان يرون فيه حافزاً إضافياً لاستكمال رحلتهم الغريبة بالنسبة للآخرين لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لهم.

وتقول ماني حتي الأشخاص الذين لا يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية كانوا يحاولون جهدهم التعبير عن انبهارهم بتلك العائلة الانجليزية التي ركبت مثل هذه الرحلة الطويلة باستخدام باص قديم أصبح سكناً لهم أيضاً.

لقد أبدي الناس اهتماماً غير اعتيادي بمغامراتهم حيث تقول ماني إن الجميع اندهشوا لكن بالرغم من ذلك كانت هناك بعض الإشارات السلبية التي لم تشكل شيئاً في مجملها قياساً بذلك التعاطف معنا وكنا نستمع لتحذيراتهم التي يوجهونها إلينا لذلك كنا حريصين علي أن لا نضع أنفسنا في المواقف الخطرة. ونبدي حذراً غير اعتيادي من الأماكن التي نجهلها وإذا شعرنا بأي شيء بسيط ننطلق مغادرين المكان إلي طرق أكثر أماناً.

وتضيف ماني: لحسن الحظ لم نواجه أية حالة عنف أو جريمة وربما ذلك يعود لأن الباص ليس بالشيء المغري كما أنه لا يوحي بالشيء الكثير للصوص أو المجرمين الذين عادة يستهدفون الضحايا الذين لديهم الكثير.

وبالنسبة لفترات قيادة الباص الذي يبلغ طوله حوالي 35 قدماً فتقول ماني في معظم الأوقات كان زوجي جو هو الذي يقود الباص علي الرغم من أني قد اجتزت اختبارات الحصول علي رخصة قيادة المركبات الثقيلة قبل أن أغادر المملكة المتحدة.

وعن الانطباعات التي خرجت بها العائلة في هذه الرحلة المغامرة تضيف ماني لقد صعقنا في بعض الأحيان من الرفاهية المفرطة أو الفقر الذي يعيشه بعض الناس حيث تؤكد أن من بين أكثر الإيجابيات التي تركت أثرها لدي أبنائنا هو ذلك التماس الذي عاشوه مع أطفال آخرين من أماكن فقيرة في أوروبا كرومانيا علي سبيل المثال.. لقد كان الفقر وسيلة فعالة في تسليط الضوء علي حالات لم نرها من قبل. لقد شاهدنا أطفالاً يشقون طريقهم في الوحل والطين من أجل القيام بأعمال رخيصة جداً أو تجدهم يعملون في تفريغ بالوعات المياه الثقيلة.

وعن الأشياء الأخري التي خرجوا بها بسبب هذه الرحلة فتشير إلي الفائدة التي جنوها من الاحتكاك بثقافات شعوب مختلفة كتلك التي عاشوها عندما مروا بإيطاليا كما كانت هناك لحظات لا يمكن لها أن تتكرر فقد شاهدوا مع جمع من السياح قرص الشمس وهي تغيب خلف المياه في فينيسيا وهو منظر لا مثيل له في أية بقعة أخري من العالم. لقد كنت أشاهد أطفالي كيف تجمعوا معاً ليرقبوا ذلك الصعود والنزول لقرص الشمس علي الأمواج .

وتبدو ماني- التي تأمل بتأليف كتاب عن تلك الرحلة- غير متأكدة من قادم الأيام لأن عائلتها أصبحت مولعة جداً بذلك الباص القديم. لذا تجدها تبدي شكوكها بشأن العودة والعيش حياة العائلة التقليدية في إنجلترا.. وتقول ماني: لدي شعور من أنه قد ينتهي المطاف بنا للعيش في الباص نفسه في فرنسا وذلك بعد أن تستكمل رحلتنا المثيرة.

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy