• ×

08:46 صباحًا , الإثنين 21 سبتمبر 2020

قائمة

نساء بلا نفقة

 0  0  2.1K
 اليوم هي الزيارة لنا لأروقة المحكمة حول معاناة المرأة في مجتمعنا مع رجل يظلمها، ويسلب كرامتها، مما يضطرها إلى اللجوء إلى أروقة المحاكم، راجية إنصافها.

المكان: قاعة إحدى الجلسات في محكمة حولي.
الزمان: الساعة الثامنة صباحاً.
الزحام شديد، والكل يتهافت لقراءة الورقة المعلقة على الباب لمعرفة رقمه من التسلسل الخاص بأسماء المدعين والمدعى عليهم.
ومن خلال الزحام وجدتها.. سيدة في العقد الثالث من عمرها، تسير بهدوء لدخول القاعة، وقد ارتدت فستاناً أبيض اللون، يتداخل معه اللون الأسود، وكأنها جمعت النقيضين كحالها، فهي تبدو مبتسمة مشرقة هادئة، لكنها تحمل في جوفها همّاً كبيرا ثقيلاً كثقل الجبل.
شعرت أن وراء هذه الابتسامة والطلّة المشرقة يكمن جرح عميق، فانتظرتها لحين خروجها من القاعة، لأسألها عن معاناتها وصدق حدسي. قالت (م. ن):
- لم أتوقع في يوم ما أن أدخل هذا المكان، وإن كان الدخول للمحاكم ليس عيباً، لكنني أعلم أن أبواب المحاكم طويلة عريضة تحتاج إلى نفس طويل، وصبر عميق، لقد اضطرتني الظروف إلى أن أرفع دعوى ضد طليقي (أبو أولادي) من أجل الحصول على نفقة تسد الجوع وتبعد الحاجة، وتمنع السؤال.
لقد طلقني زوجي بعد عشرين عاماً من الزواج والعشرة، وبعد أن أنجبت له ستة أولاد، وتزوج بأخرى وتركنا دون نفقة ودون كسوة ودون سؤال.
خاطبته ورجوته أكثر من مرة بأن يمنحني نفقة لأولاده، وقلت له أنني متنازلة عن نفقتي، فامتنع بل رفض رفضاً تاماً، وقال لي: أذهبي إلى المحكمة، واطلبي هناك ما تشاءين.
فقلت له: كيف أقدم شكوى ضدك وأنا عاشرتك عشرين عاماً؟ فحبذا المعروف وارحمني من دخول المحاكم.
لكنه أصر على عناده، وتمادى شهراً بعد شهر، مما اضطرني إلى الاقتراض من أجل إطعام عيالي وكسوتهم. وها أنا اليوم أحضر إلى الجلسة وهي الجلسة الرابعة، وفي كل مرة يطلب تأجيل القضية، وعدم الحكم فيها، من أجل أن يبحث عن أدلة مادية تثبت أنه مديون وأن حاله لا تسر، وإنه يمر بضائقة مالية، ولكن العكس هو الصحيح.
لقد حاول أبو أولادي أن يحرمهم من العيش الكريم، ومن نفقتهم، على الرغم من أنه لا يتفضل علينا بهذه النفقة لأنها هدية من الدولة. فدولة الكويت تمنح لكل طفل حتى يبلغ أشده خمسين ديناراً شهرياً، تضاف إلى راتب الأب، ولكن كلٌ واحد يتعامل بأصله، وأنا تعاملت معه بطيب أصلي ورجوته كثيراً وطلبت منه نفقة أولادي بالكلمة الطيبة، والفعل الطيب الذي ينم عن احترام العشرة ومع الأسف لا جدوى من محاولاتي.

ظالم وكذاب
خرجت سيدة من القاعة تبكي بحالة هستيرية، وجلست على احد الكراسي القريبة من القاعة وظلت تبكي. اخرجت هاتفها النقال تضغط بسرعة على أزرار الهاتف، ثم تضع النقال على اذنها، فلا احد يجيب على مكالمتها. يزداد بكاؤها وتنهمر دموعها، ترفع يديها الى السماء وتقول يا رب ساعدني.
آلمني هذا المشهد، فهو يعبر عن مأساة امرأة رسمت الرجل الكويتي في عالمها على انه الرجل الشهم الكريم، لكنها اكتشفت انه كذاب وظالم ولا يخاف الله.
انها سيدة وصفت الرجل الكويتي بهذه الصفات لأنها عاشرت رجلا كويتيا اعطى صورة سيئة للرجل الكويتي بصفة عامة، هذه السيدة الفلبينية تتحدث الفصحى بطلاقة، وقد اعتنقت الاسلام في الكويت، وتزوجب شابا كويتيا متدينا، وظنته ملاكا، فوجدته شيطانا.
تروي حكايتها قائلة:
- تزوجت منذ سبعة عشر عاما، وانجبت له ثلاثة اولاد. وكان متدينا يصلي كل فروضه في المسجد، ويصوم رمضان ويومي الاثنين والخميس من كل اسبوع. ظننت ان الرجل المتدين يحسن معاملة زوجته لأنه يخاف الله، لكنني اكتشفت ان زوجي لا يخاف الله، ولا يتقيه، وكان يضربني ويهينني ويقول لي انت فلبينية، ويناديني بالفلبينية امام اولادي، وكنت ارد عليه: انك عندما تزوجتني كنت تعلم انني فلبينية، وهذا ليس عيبا.
وتسترسل هذه السيدة لتتحدث عن الرجل الكويتي، وهي تقصد زوجها طبعا:
- بعد مرور سبعة عشر عاما تزوج زوجي بفلبينية اخرى، لكنها اصغر مني سنا، واكثر مني جمالا، وطلبت منه زوجته الجديدة ان يطلقني، فطلقني وتركني في الشقة انا وابنائي الثلاثة، وامتنع عن الانفاق علينا، مما اضطرني الى دفع الاجرة شهريا حتى لا اجد نفسي ملقاة في الشارع، ولكن بعد ان ادفع الايجار لا يتبقى من راتبي سوى دينار واحد، وهنا وجدت نفسي في مأزق، ولجأت الى بيت الزكاة الذي انقذني وحماني من الجوع، ولكن ابني الكبير طلب مني ان ارفع دعوى ضد ابيه وألا استجدي من بيت الزكاة. ومن اجل مصلحة ابنائي وحفاظا على كرامتهم، رفعت دعوى ضد طليقي اطالبه فيها بأجرة مسكن وبنفقة للاولاد واجرة خادمة واجرة سائق لأنني لا اعرف القيادة.
سألتها عن سبب بكائها فأجابت:
- حضر ابو اولادي الجلسة، وقبل ان ندخل القاعة لمحني انا وابني الكبير فناداه، وظننت ان الابوة قد طغت عليه، واعتقدت انه اراد تقبيله وضمه الى صدره، ولكني صعقت عندما رأيته يتحدث معه من دون ان يقبله، وطال الحديث وتغيرت ملامح ابني واخذ ينظر الي نظرة احتقار وخرج يركض من المحكمة وتركني وحدي.
لم استطع اللحاق به لأن موعد الجلسة حان فسألت طليقي عن الذي قاله لابني وجعله ينظر الي هذه النظرة ولماذا ركض وخرج من دون ان ينتظرني، فأجابني انه شوه صورتي امامه، وادعى بأنه قد تزوجني من الشارع، وانني اقيم علاقات غير شرعية بالرجال، وهذا هو سبب طلاقي منه بعد سبعة عشر عاما.
ان ماقاله طليقي لابني البكر كذب وافتراء، لكنه يتحدث من ناره التي اشتعلت في اعماقه بسبب رفعي لهذه الدعوى.

شر البلية ما يضحك
اما البلية المضحكــة فهي عــند المدعيـة (و. ل) التي حضرت المحكمة مع محاميها لتطالب بحقوقها وحقوق ابنائها:
- طلقني زوجي بعد خمسة عشر عاما من زواجي، وقد انجبت له خمسة اولاد طلقني من اجل ان يعيش بقية حياته، على حد تعبيره، مع زوجة يحبها واختارها بنفسه، انها المراهقة في سن الاربعين.
ظن زوجي، او بمعنى أصح طليقي، ان حياة المراهقة تتكرر مرتين، ونسي ان لديه خمسة ابناء لهم حقوق مادية ونفسية وعاطفية.
واذا نسي امر اولاده وواجباته تجاههم، فهناك قانون يجبره على الانفاق عليهم مهما كانت ظروفه المادية سيئة، لانه ولي امرهم وهو المسؤول امام الله عن نفقتهم وكسوتهم وتلبية احتياجاتهم.
وتسترسل (و.ل) قائلة:
- طلقني وتزوج وعاش مع عروسه عريسا جديدا، غرته الحياة وظن أن هذه هي السعادة، وظن أن خمسة أبناء من السهل أن يرمي بهم على أمهم لتتحمل مسؤوليتهم، وإذا كنت أنا الأم والأب معا، فإن لأولادي متطلبات تستدعي وجود المال من أجل تحقيق جميع متطلباتهم واحتياجاتهم.
وهنا أدركت أن اللجوء الى المحكمة هو الحل الأمثل لإجبار أبيهم على دفع نفقتهم وأمور أخرى متعلقة بالنفقة، خاصة أنه امتنع عن تلبية احتياجاتهم، واكتفى بإعطائهم مبلغ 250 دينارا شهريا وهي الهدية الممنوحة من الدولة، بحيث يمنح لكل طفل مبلغ خمسين دينارا كويتيا شهريا، وعندما طلبت منه أجرة مسكن وخادمة وسائق قال لي اشتكي في المحكمة، فقلت له شكوت إلى الله أولا ثم سوف أشكو الى المحكمة.
والمضحك أنه عندما يسلمنا مبلغ ال 250 دينارا يوقعني على وصل استلام، ظنا منه أنني سوف أنكر أنه كان يسلمني هذا المبلغ شهريا. لقد حرصت على أن أقدم هذه الدعوى ضده من أجل مصلحة أبنائي فزواجه لا يعني أن ينفق على زوجته الجديدة ويعيش مراهقته ويترك خمسة أبناء.
إنني أطالب في الدعوى المرفوعة ضده بأجرة مسكن وخادمة وأجرة سائق، ولن يتوقف الأمر على هذه الطلبات، بل يحق لي بعد عام من صدور الحكم أن أطالب بزيادة النفقة.
إن طلاقي نعمة عظيمة لأنها سوف تجبر طليقي على الانفاق على اولاده بالقانون، فإما بالدفع او السجن، بينما كان ابو اولادي لا ينفق على اولاده عندما كانت الحياة الزوجية قائمة بحجة أنني مقتدرة ماديا، وكان يضعني امام الأمر الواقع، فيسافر ويترك الثلاجة فارغة من الطعام، ويأتي العيد ولا يشتري الملابس لأولاده، وتفتح المدارس أبوابها ولا يحرك هذا الامر فيه شيئا. ان الطلاق نعمة في بعض البيوت، وطلاقي هو انتصاري على زمن الظلم.

حكاية غريبة
هذه الحكاية الغريبة هي قصة واقعية تحكيها لنا المدعية م.م:
- جئت الى هناك لأطالب بنفقتي الزوجية التي امتنع زوجي عن انفاقها، وانا مازلت على ذمته، فالحياة الزوجية قائمة، ولكن المودة والرحمة لسيتا قائمتين.
لا تتعجبي مني مع العلم بأني اقرأ علامات الاستفهام في عينيك، أنا على يقين بأنك تتساءلين الآن، هل من المعقول ان تشتكي سيدة على زوجها، وهي مازالت في ذمته، أقصد أنها مازالت زوجة له؟
نعم، يمكن ان يحدث ذلك وانا مثال حي أمامك، لقد أعملت عقلي وقلت لنفسي: ما دامت المودة مفقودة والمحبة معدومة، فلم لا أطالب بحقوقي؟
واذا ازداد الكره بيننا، فهذا أمر طبيعي سواء اشتكيت او لم اشتك، لأن زوجي يكرهني ويعيش معي من اجل اولاده، وانا باقية معه على الهامش، والمحبة والمودة والعطاء والانفاق لغيري.
ان الطلاق أرحم من ان ترى المرأة زوجها يعشق غيرها ويكرم صديقته او عشيقته، انه انتحار ببطء، لأن نار الغيرة لا يمكن ان تهدأ مادامت المرأة او الزوجة ترى كل شيء امامها واضحاً وضوح الشمس.
لم يترك لي زوجي حبلاً أحافظ عليه، انه يعيش حياته مع عشيقته واحياناً تتصل به في المنزل وتطلب من الشغالة ان تكلمه، فإذا جرحني بهذا الجرح الغائر، فان جرحي له اقل عمقاً، لأنني لم اطالب الا بحقوقي امام الله وأمام القانون، وهذا لا يسيء لكرامته، اما هو فقد جرحني وحطمني وقلت من باب اولى ان ينفق عليّ، فاذا رفض فان ابواب المحاكم مفتوحة، والقانون يجبره على الانفاق عليّ ما دامت زوجته وفي عصمته.
أنا لا اجد احراجاً في هذه الدعوى المرفوعة ضد زوجي، انه حقي الذي منحني اياه رب السماء ودافع عنه القانون


القبس

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy