• ×

05:04 مساءً , الثلاثاء 14 يوليو 2020

قائمة

الدبلوماسيّة البريطانيّة هيلن رولينز ..تنقذ بريطانيّات من أصل باكستانيّ يُرغمن على الزواج

 0  0  790
  استقلت هيلن رولينز سيارتها اللاند كروزر من صنع تويوتا في السابعة والنصف صباحاً وانطلقت لتنقذ امرأة أخرى.

جلست الدبلوماسية البريطانية في المقعد الخلفي فيما عبرت السيارة وسط هرج ومرج الريف الباكستاني، فمرت قرب نساء يغطّين رؤوسهن بحجاب ملوّن ويجلسن في عربات ثلاثية العجلات، فضلاً عن عربات تجرها الحمير محمّلة بالمانغا وحافلات مزخرفة بشتى الرسوم يجلس فيها الرجال منفصلين عن النساء.

أدركت رولينز أن مواجهة حادّة تنتظرها. اعتادت في الآونة الأخيرة أن تقوم برحلة كهذه مرة أسبوعيًا بغية مساعدة النساء البريطانيات المتحدرات من أصل باكستاني، اللواتي يُخدعن للمجيء إلى البلد ويُرغمن على الزواج، تحت تهديد السلاح أحياناً.

تعتبر الحكومة البريطانية الزواج بالإكراه، الذي غالباً ما تقبل به المرأة بعد تعرّضها للضرب والتهديد باللجوء إلى العنف، انتهاكاً لحقوق الإنسان، وهو لا يمت بأية صلة إلى الزواج المدبّر الذي يقبل به الزوج والزوجة كلاهما بملء إرادتهما.

تقع على عاتق رولينز مهمّة وضع حدٍّ لهذا النوع من الزيجات، ففي عصر ازدادت فيه الهجرة وصارت وسائل الاتصال الفوري متوافرة، تجتاز رولينز نحو 6 آلاف كيلومتر من لندن بغية مساعدة نساء من أبناء بلدها.

في ذلك اليوم من أيام شهر يونيو (حزيران)، توجهت لنجدة ضحية في الحادية والعشرين من عمرها. اتصلت إحدى صديقاتها بخط الطوارئ التابع للسفارة البريطانية، ثم تبادلت رولينز مع المرأة سراً الرسائل والاتصالات الهاتفية، وها هي الآن في طريقها لتعيدها إلى بريطانيا!

تخبر رولينز، التي تبدو مرتاحة ببزّتها الزرقاء الداكنة على الرغم من الحرارة التي تقارب الثمانية والثلاثين درجة مئوية: «أعربَت بكل وضوح عن رغبتها في مغادرة البلد».

في الشاحنة البيضاء الصغيرة التي تبعت سيارة رولينز، يجلس موظف أمن جعّدت السنوات والشمس وجهه، وكان يخبئ مسدسه تحت زيه الأبيض الفضفاض.

رنَّ هاتف رولينز الخلوي. كان ما زال أمامها أكثر من ساعة لتصل إلى قرية المرأة حين علمت بحالة طارئة أخرى. أُخبرت بأن فتاة في السابعة عشرة من عمرها وُلدت وتربت في اسكتلندا، لجأت إلى المفوضية العليا البريطانية، كما تُعرف السفارة في هذه المستعمرة السابقة.

راحت رولينز تصغي باهتمام فيما أوضح لها المسؤول البريطاني التفاصيل. تقول الفتاة إنها لم تكن تعرف أن والديها أحضراها إلى باكستان ليزوِّجاها. أرادت أن تختار حياتها بنفسها، وهي على علاقة بشاب في بريطانيا.

تبعتها والدتها إلى السفارة وهي تصرخ وتصيح غضباً، وطلبت أن ترى ابنتها، إلا أن الأخيرة رفضت التحدث إليها، خوفاً من أن تقتلها عائلتها، فقد سبق أن سلبوها جواز سفرها.

في بريطانيا، تُربى الفتيات المتحدّرات من أصل باكستاني، اللواتي تشكل كثيرات منهن الجيل الأول من المواطنين البريطانيين، في عائلاتهن، في بلد أجنبي حيث لا يفرض أحد على المرأة الثياب التي ترتديها أو الرجل الذي تتزوج به، فيتمرد بعضهن على تقاليد وطن آبائه، حيث تغطي المرأة رأسها ويُعتبر من المشين أن تتحدث الفتاة غير المتزوّجة إلى رجل لا تجمعها به صلة قرابة.

ما من ثقافة أو دين يقبل الزواج بالإكراه، بيد أن الأهل غالباً ما يرون في ذلك النوع من الزواج طريقة للدفاع عن تقاليدهم. يعتبرون الزواج بابن العم أو برجل من قريتهم سبيلاً إلى صون شرف العائلة والحؤول دون حصول زواج مع رجل من دين مختلف، فضلاً عن الحفاظ على الثروة داخلها.

نتيجة لذلك، يأتي الأهل ببناتهم إلى باكستان، ولا يكشفون عن نواياهم الحقيقية إلا بعد وصولهم. عندئذٍ تكون الفتاة صارت محاطة بأفراد العائلة وما من أحد تستطيع اللجوء إليه. كذلك تتعرض هؤلاء الفتيات للتهديد باللجوء إلى العنف في حال رفضن الزواج.

فرق انقاذ

قبل العام 2000، كان المسؤولون البريطانيون يميلون إلى اعتبار الزواج بالإكراه عادة أجنبية لا دخل لهم فيها، لكن الشابات اللواتي تربّين في بريطانيا صرن أكثر ثقة بالنفس ويعبّرن علانية عن مأساتهن، حتى إن بعضهن يحمل هواتف خلوية في حقيبة اليد أو داخل البرقع.

تزداد الآن اتصالات طلب النجدة حتى من القرى النائية، فأنشأت الحكومة البريطانية فرقة خاصة لإنقاذهن.

يقع مقر وحدة مكافحة الزواج بالإكراه في مكتب على أطراف ساحة ترافلغار في لندن، وتنقذ مئات النساء سنويا، تتلقى أكثر من أربعة آلاف اتصال سنوياً حول الكثير من الحالات المماثلة في المملكة المتحدة. كذلك، تعيِّن دبلوماسيين في السفارات حول العالم يبقون على أهبة الاستعداد لإجراء عمليات إنقاذ في الخارج.

ترأس رولينز الفريق الباكستاني، الذي يعالج نحو ثلثي الحالات خارج بريطانيا, وهو يعمل بموافقة سلطات البلد.

تكلمت عبر الهاتف عن الفتاة المراهقة التي لن نأتي على ذكر اسمها، على غرار النساء الأخريات في هذا المقال، مخافة أن نعرّض حياتها للخطر واستجابة لطلب المسؤولين البريطانيين. استشارت رولينز زميلها ألبرت ديفيد، الذي كان جالساً في المقعد الأمامي ويرتدي نظارات من نوع رايبان وقميصاً مجعداً. عمل ديفيد، وهو شاب باكستاني في الثامنة والثلاثين من عمره، على معالجة المئات من هذه الحالات.

قال ديفيد: «علينا أن نخرجها من البلد في الحال».

في محاولة يائسة لعرقلة الزواج، طلب صديق الفتاة في لندن من بعض الأصدقاء أن يقلّوها إلى السفارة بعدما خرجت خلسة من منزل العائلة، فما كان من أهلها إلا أن قدموا شكوى خطف في مركز الشرطة الباكستانية، التي رمت والد صديقها الباكستاني وأخاه في السجن. كانت مناورة جريئة لإرغام الفتاة على الانصياع.

اتصلت رولينز بمكتبها، احتاجت إلى جواز سفر طارئ للفتاة، فضلاً عن حجز مقعد لها على الطائرة. اتصلت بلندن لتطلب المال، صحيح أن على الفتاة دفع ثمن التذكرة بنفسها، لكن الحكومة مستعدة أن تقرضها المال إن كانت بحاجة إليه.

تقليص المخاطر

خلال الرحلة، قطّبت رولينز حاجبيها فيما راحت تقرأ رسالة جديدة على هاتفها الخلوي. كانت الرسالة من المرأة التي تتوجه لإنقاذها، ذكرت فيها: «جاء أهلي، لذلك لا داعي لأن تأتوا الآن. آسفة على الإزعاج».

قالت رولينز: «ثمة خطب ما. أخبرتني بكل وضوح أنها تريد الرحيل».

فردت على رسالتها برسالة أخرى كتبت فيها: «علينا أن نتحادث وجهاً لوجه، نحن في طريقنا إليك. هل نقصد منزلك أم تفضلين أن نلتقي في مكان آخر؟»

تعمل رولينز، البالغة 43 عامًا، بمهارة عالية ودقة لامتناهية. بصفتها دبلوماسية، تتمتع بذكاء وصرامة وسرعة خاطر ومثابرة. حتى تصفيفة شعرها تبدو منطقية، قصَّته قصيراً جداً، ما يتلاءم مع درجة الحرارة المرتفعة في هذا الصيف الخانق.

أخبرتني رولينز أنها لا تود القيام بالعمل نفسه يوميا طوال 20 عامًا، وأضافت: «تتاح لنا هنا فرصة مساعدة الناس».

أوضحت أنها تنجح في «تقليص المخاطر» بواسطة التخطيط، فهي لا تريد أن تعرّض حياة الضحايا أو طاقم العمل للخطر، مع أنها لا تستطيع دوماً التحكم في التفاصيل كافة.

قبل بضعة أيام، تحطّمت كامل النوافذ في منزلها وقُتل ثمانية أشخاص بسبب تفجير عبوة ناسفة في السفارة الدنماركية القريب من مسكنها.

سلكت سيارتها طرقات تكثر عليها الحمير التي تتنقل بين الباصات، ثم انطلقت إلى الشمال الشرقي باتجاه ميربور، منطقة يتحدر منها معظم المليون باكستاني الذين يعيشون في بريطانيا.

شُيّد واحد من أكبر سدود المياه في العالم في ميربور في ستينيات القرن العشرين، فمنحت بريطانيا تأشيرات لخمسة آلاف شخص غمرت المياه أراضيهم.

بعد ذلك، أخذت الهجرة في التزايد الى ان صار لكل شخص في ميربور قريب في بريطانيا. تظهر الإحصاءات أنه في أي يوم من السنة، يبلغ عدد المواطنين البريطانيين في باكستان نحو 80 ألفاً، وهم ينقسمون بين مقيمين في هذا البلد وزائرين. علاوة على ذلك، بنى كثيرون منهم منازل كبيرة في ميربور.

صحيح أن هؤلاء يرحبون بالفرص الاقتصادية البريطانية، إلا أن مهاجرين كثراً ممن ينتمون إلى الطبقة العاملة يرفضون حضارة يعتبرونها ملوّثة بالفسق والطلاق. قد يقول الأهل، الذين يرغمون ابنتهم على الزواج بأحد أقربائهم أو معارفهم، إنهم بهذه الطريقة يقاومون التأثير الغربي، وهي خطوة تحسّن مكانتهم في المجتمع.

فضلا عن ذلك، يسهّل هذا الزواج سفر شخص آخر مقرّب منهم إلى بريطانيا، حيث يجني سائق سيارة الأجرة أضعاف ما يتقاضاه المحامي في باكستان.

بعثت رولينز برسالة أخرى إلى المرأة من دون أن تتلقى أي رد. عندئذٍ حاول ديفيد معرفة أخبارها عن طريق صديقها الذي ساعده في تحديد مكانها، فاتصل به. كان الشابان قد التقيا في الشرق الأوسط، ومنذ ذلك الحين عادا كلاهما إلى باكستان.

راح ديفيد يهز رأسه، قائلاً: «صديقها بدّل رأيها». فإذا تزوجا هنا في باكستان ولم تضطر إلى الانتقال إلى بريطانيا في الحال، سيسهل عليه الحصول على إذن الإقامة في بريطانيا.

استخلص ديفيد ورولينز أن لا أحد يأبه حقاً بمصلحة الفتاة.

انعطفت السيارة وسلكت درباً وعراً لتقف أمام منزل يتألف من طبقة واحدة وتتقدمه باحة ترابية تحدّها بوابة حديدية. ترجلت رولينز وديفيد وسارا باتجاه المنزل. كان أربعة رجال يعملون خارج منزل الجيران وراحوا يحدقون إلى هذين الغريبين بملابسهما الغربية. هرع باتجاههما رجل نحيل يرتدي زياً باكستانياً فضفاضاً، وصرخ بلهجة بريطانية غليظة: «مَن اتصل بهما؟».

ردت رولينز على شقيق المرأة: «نريد التحدث إليها فحسب»، فصرخ معرباً عن انزعاجه لأن زيارتهما قد تسبب له الإحراج: «يعرف الجميع سياراتكم. إنها مسألة عائلية». بعد قليل من التملّق والكلام الناعم هدأ، فطلبت رولينز وديفيد أن يسمح لهما بالتكلم على انفراد مع المرأة، التي كانت ترتدي حجاباً وعباءة أحمرين، وكانت والدتها تقف قربها وهي تبكي وتصيح.

عندما اختليا بالمرأة، وافقت على الذهاب معهما، قائلة إنها تريد الهرب من الضغوط التي تمارسها عليها عائلتها. كانت وضبت حقيبتها، فحملها الشرطي إلى السيارة.

على الرغم من ذلك، بدا أنها ما زالت تعيش صراعاً داخلياً، فإذا استقلت السيارة، لن ترى على الأرجح عائلتها مجدداً. اتصلت بصديقها وتكلمت معه بصوت خافت، وعندما أقفلت الخط، أخبرت رولينز أنها بدلت رأيها، أرادت أن تبقى «يوماً إضافياً» في المنزل لترتّب أوضاعها.

سألتها رولينز عما إذا كانت واثقة من قرارها، فهزت رأسها إيجاباً، عندئذٍ عاد الشرطي بكل هدوء إلى السيارة وأحضر لها حقيبتها.

عندما رجعا إلى السيارة، أطلقت رولينز تنهيدة عميقة، وبدا انزعاجها واضحاً، فهي تخشى كثيراً ما يحل «بالفتيات اللواتي لا يغادرن». غالباً ما تتعرض المرأة التي تُكره على الزواج للضرب وتُجبر على إقامة علاقات جنسية، أما المطلّقة فتُعتبر نشازاً وتُقتل أحياناً.

وفيما بدأت السيارة تبتعد عن البيت، ذكرت رولينز أنها ستحاول البقاء على اتصال بتلك المرأة، لكن العائلة غالباً ما تسلب الفتاة هاتفها الخلوي وسيكون من الصعب الاتصال بها في المرة المقبلة.

تابعت موضحة: «أعتقد أنها اتخذت القرار الخطأ، إلا أننا لا نرغم أياً منهن على المغادرة».

سلعة أو مقتنى

عدنا أدراجنا إلى إسلام أباد ووصلنا في وقت متأخر من بعد الظهر. توقفت السيارة أمام مكتب خالدة ساليمي، امرأة مفعمة بالحياة تدير ملجأ للنساء اللواتي تركن منزلهن هرباً من الإساءة والزواج بالإكراه.

تقول ساليمي عن المسألة: «هذا مجتمع ذكوري. حتى إن المرأة لم تبلغ فيه بعد مصاف الإنسان، فهي تُعتبر مجرد سلعة أو مقتنى».

كانت الفتاة، البالغة 17 عاما والتي احتمت في السفارة البريطانية، في طريقها إلى الملجأ.

سبق أن أرسل لها صديقها في لندن، الذي التقته صدفة في أحد المطاعم، المال لتحجز تذكرة السفر، وكان يُفترض أن تغادر إليها في الرابعة والأربعين دقيقة فجراً، أي بعد ساعات قليلة.

أمضى ديفيد بعض الوقت يتحدث عبر هاتفه الخلوي، فسوّى الوضع مع الشرطة الباكستانية ورتّب لإطلاق سراح والد صديق الفتاة وأخيه. مع أن الفتاة ستسافر في وقت متأخر جداً، سيرافقها ديفيد بنفسه إلى المطار ليضمن أنها ستركب الطائرة بأمان.

غادرت رولينز بالسيارة، بما أن رسائل كثيرة كانت تنتظرها، فثمة شابتان أخريان تحتاجان إلى المساعدة. جلست الفتاة المراهقة في مكتب ساليمي وهي ترتدي نقاباً أسود يغطي كل جسمها باستثناء عينيها البنّيتين. قالت بلهجة اسكتلندية بارزة: «لا أريد الاختباء، أريد أن أعيش بحرية وأن أكون منفتحة على العالم». ذكرت أنها تحب عادة ارتداء سراويل الجينز.

بعدما أسدلت النقاب كاشفة عن شعرها الطويل الداكن وقرطيها الجميلين، راحت الفتاة تخبرنا أنها تخاف عائلتها. سبق أن ضرب إخوتها إحدى صديقاتها بسببها، وتعتقد أنهم قد يقتلونها لأنها ألحقت العار بالعائلة.

أوضحت: «يفضّل أبي أن يطلق النار عليّ على أن يتركني أرحل. يقول أهلي إن البيئة الاجتماعية في المملكة المتحدة فاسدة، لذلك يريدونني أن أتزوج برجل من هنا لا يشرب ولا يدخن». تابعت: «صديقي باكستاني مسلم، إلا أنهم لا يقبلون به. أنا بريطانية، لكنني باكستانية أيضاً، فلمَ لا يسمحون لي أن أقرر بمن أتزوج؟».

بدت الفتاة مرهقة، وانحنت مرات عدة لأنها تشتكي من تشنّجات في معدتها. تعرضت خلال الأيام الأخيرة لضغط يفوق قدرتها على الاحتمال. قالت: «تخليت عن كل شيء. لم أسئ معاملة أحد في حياتي، ولا أعلم لمَ يحدث معي الأمر».

عند التاسعة مساء، تمدّدت الفتاة على أحد أسرّة الملجأ وتغطّت ببطانية نظيفة مزيّنة بالزهور. قالت وهي ترجو أن تنال قسطاً من النوم قبل موعد الرحلة الطويلة التي تنتظرها: «عندما أصل إلى الوطن، سأشعر بتحسّن».

القوالب التكميلية للأخبار

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )

تعليقات وردود الزوار - أضف تعليقك ( 0 )


Privacy Policy